صهيل الخيول الكنعانيــــــة رواية : وليد رباح تنشر على (4) اجزاء (الجزء الثالث)

صهيل الخيول الكنعانيــــــة رواية : وليد رباح تنشر على (4) اجزاء
الجزء الثالث
و مضى النهار قلقا كئيبا ، الجند فى حركة دائمة ، اطفال العبريين يقبعون داخل بيوتهم و يمنعون من مغادرتها ، الكل يترقب ما يأتى به الغيب ، وعندما جن الليل ، رأى يوشع و جنده ألاف المشاعل تطوق تلال اريحا فكأنما سطعت الشمس على جهة من اريحا دون الاخرى .
اخذ يوشع وقواده يجولون بنظرهم الى التلال فاصابهم الرعب وحفت بهم الدهشة ، و عندما سمعوا طبول بنى كنعان تأتى اليهم غائرة فى سكون الليل اخذت اعصابهم تهتز و يصرخ يوشع ملقيا اوامره جزافا ليقوم القواد بتنفيذها .
ثم جاء الاحبار اليه يحملون اسفارهم فقال يوشع .
• اشيروا على ايها الاحبار .
قال كبيرهم :
• النصر لنا ، خذوهم غيلة فان الرب وعدنا ان نطأ ارض اورسالم تكلل هامات جنودنا اكاليل النصر وزغاريد نساء العبريين .
لكن يوشع ظل على قلقه فقال حبر أخر :
• ننتظر قدومهم الينا فنسير فى موكب الاسفار فى المقدمه ، فان شعرنا هزيمة
افتديناكم بانفسنا ، و اذا واتانا النصر سنكون اول من يفتح بوابات اورسالم لاستقبال جيوش العبريين .
قال يوشع :
• نعم الرأى و ليكن احبارنا و قودنا كى يستنهض همم العبريين فلا يتراخون فى مقاتلة الاعداء .

*******

ترجل المنادى عن حماره و دخل ازقة اريحا معلنا ان مفاجأة يعدها يوشع لبنى قومه ، وان عليهم ان يلتقوا فى الساحة كى يعلنها عليهم فتدخل الفرحة الى قلب كل عبرى فى المدينة .

و تدافع العبريون من كل صوب و القلق يرسم على وجوههم صورا من الاثام لم يعهدوها فى انفسهم من قبل .تزاحموا حتى لم يعد من موضع فى الساحة ، جاءت النسوة و على صدورهن اطفالهن و ترك الحرفيون اعمالهم و اتجهوا بلهفة نحو المكان ، الشيوخ و العجائز و الاطفال و كل قادر على المشى جاء
وفى ركن أخر من المدينة ، كانت هنالك الاف النساء من بنى كنعان يجلسن القرفصاء فى اماكن ضيقة حشرن بها تمهيدا لاكتمال المفاجأه التى اعلنها يوشع . فمنذ الامس ، و جند يوشع يطوفون بالمدينة يجمعون النساء الكنعانيات من البيوت و المزارع و يلقون بهن فى امكنة قذرة تتجمع فيها القمامة ، كلهم كانوا يتساءلون ، ماذا يراد بالكنعانيات ، لكن احدا لم يستطع الاجابة ، غير ان الكنعانيات وحدهن كن يعرفن هذا السر ، فمنذ احتلال اريحا جرت الاف المذابح على نفس الطريقه ، و لكنها اليوم مذبحة جماعيه .
قالت احدى الكنعانيات :
• ارجو ان يصل سمحون الى اريحا قبل ان يفتك بنا يوشع .
قالت اخرى :
• سيأتى، بالامس رأيت مشاعلهم مغروسة على الجبال مثل الصقور .
• اخشى ان يبطئوا فتقع الكارثة ،
• لن تكون هناك كارثة يا اختاه ، قلبى يحدثنى ان الشر مردود على صاحبه .
و على منصة فى الساحة وقف يوشع وهز يده فى الهواء مرات فصمت كل العبريين ، قال يوشع :
لن احدثكم طويلا فليس هناك وقت للحديث ، سمحون يقف بجيوشه على مقربة من اريحا ،لكنه لن ينفذ اليها ، فى يدنا رهائن اغلى من الذهب ، ان عاد سنبقيهن فى عداد الاحياء ، وان لم يعد فما زالت ارض اريحا مستعدة لاستقبال الجثث .
جرت فى الجو همهمة ثم ارتفع الحديث حتى صار صراخا .
• اقتلوهن فلسنا بحاجة اليهن .
• من يخدمنا ايها الناس .
• نعتمد على انفسنا ولا نلوث بيوتنا و مزارعنا بهذه القاذورات .
• الموت للكنعانيات .
• الموت لسمحون و جيشه .
اعتلى احدهم كتف أخر و صرخ .
• فليقل يوشع فيهن كلمته ، دعونا نستمع ، و شيئا فشيئا هدأت الساحه .
قال يوشع :

• قد ارسلنا الى سمحون رسولا صباح اليوم ، ان اضيئت مشاعله الليله ، اضيئت مشاعلنا على جثث الكنعانيات ، وان عاد … قاطعه صوت من الساحه .
• فلتضاء مشاعلنا ايها القائد .
فال يوشع :
• و ان عاد ابقينا عليهن فى خدمتنا .

****

عندما اقترب المساء زحف العبريون الى اطراف المدينة ينظرون الى الجبال بهلع ، كانت اطرافهم ترتعد و عيونهم مشدودة الى القمم ، تابعوا نزول الشمس وهى تختبىء بحذر و تدفىء نفسها على مبعدة من السماء ،، و عندما غابت تماما شدت اعصابهم وتتابعت انفاسهم ، لكنهم بعد لآى عادوا دون نظام عندما قرعت طبول سمحون فجأة و ارتفعت المشاعل الى عنان السماء لتضىء جزءا من اريحا و لتبدد الظلمة المنشورة فى ازقتها

فى غضون الزمن اليسير الذى تلا ذلك تدافع العبريون وفى ايديهم العصى و السيوف و الخناجر ، وبعد ان هتفوا ليوشع و الاحبار ورب العبريين استلوا ما بايديهم و توجهوا نحو ( زرائب ) الكنعانيات . وما ان هموا بطلائعهن حتى ارتعدت الارض تحت وقع طبول سمحون و جيشه ، اضاءت مشاعله كل اريحا ، و طاف بالناس طائف ينادى ، يا ايها الناس ، سمحون يترك الجبال متجها اليكم فاستعدوا ، وهكذا عاد العبريون الى مساكنهم و تركوا مهمة ذبح الكنعانيات الى جنود يوشع الشجعان .

******

سمــحون المقاتل

عبر الشروق الذى نما على جبينه رأى الاف السيوف تمتشق استعدادا للموت ، اصاخ السمع فوصل اليه دبيب الخيول مثل طبول لا تتوقف ، دار حول نفسه فى ردهات القصر و تنقل من نافذة الى اخرى كى يرى الغيث قادما من طرقات اورسالم و بيوتها الطينيه ، و قبل ان تمتص زهور الحديقة اول قطرة من الندى تنفس غبارا يعرفه جيدا فابتسم جذلا و تنهد ، ثم قادته خطواته مسرعة الى مقصورة حورا و لكنها كانت خالية لا وجود للحياة فيها ،ادرك ان الغبار الذى يحمله الريح اليه قد لامس ثوبها قبل ان يصله ،، عاد فابتسم ثانية .

عن بعد شاهد حصانها الابيض يتمخطر فى مشيته مثل الضباب ،، ورأى جسدها يلتصق بظهر الحصان مثل الفرح وفى يمناها سيفها الذى اصبح زادها بعد ان غدت حورا شكيم .

قال لنفسه انه الحب ، و قال بصوت عال بل انها الحياة و صرخ بل هى الحرية .
عاجلته ذكرى امها فمد نظره عبر الافق الذى اخذ يتفتح فوق البيوت البعيدة ، قال له شكيم قبل ان يرحل ، الان تزرع اورسالم زيتونها و تروى ارضها و تزوج بناتها دون خوف .
و الان تموج حورا بين الجموع شاهرة سيفها تجلس بخيلاء على سرج حصانها و تنهب الارض باتجاه اريحا .

تذكر انه يعيش فى قصر لم يشاهد مرة روعة بنائه و فخامة اعمدته و امتدت اليه الذكرى يوم كان القصر عامرا بالقواد الذين يعلقون على صدورهم اوسمة الجماجم و السيوف ، فادرك ان جزءا من حياته قد ضاع هدرا ، وهاله ما كانوا عليه من تهاون فى حماية مملكة بنى كنعان حتى سلخت اريحا من مملكته كما يسلخ جلد الشاة عن لحمها .

و تنقلت به الذكرى سريعا الى قصورهم المقببة الفارهة المرصوفة على تلال مدينة اورسالم الممجده ، ومر من امام ناظريه شكيم وهو يغرف الذهب بيديه من خوابيهم و يلقى به فى اكياس كبيرة ثم يعطيها للفقراء ، فيحفظونها فى حدقة العين لتلقى فى خزائن سمحون الملك .
و شكيم .. أه يا شكيم ، لو ان بصيصا من الامل يوحى بقدومك لاجلت المعركة حتى تطرق سيوف النحاس و تمتشق فى وجه يوشع و تلقى به الى الصحراء ثانية ، لكنك حملت الكنوز التى غرفتها بيديك يوما ولم تعد .
تحركت ستائر القصر فاهتز قلبه ، ستكون اياما عصيبة و ربما امتدت الى شهور طويلة .
تحسس عدته الحربية و تفقد سيفه و ترسه ، تنقلت خطواته بطيئة فى ردهات القصر واصاخ السمع فوصلته الاصوات اوضح من قبل ، اصبح الطنين صراخا لا يميز كلماته ، ضحك بصوت مرتفع واسرعت خطواته نحو حصانه و اعتلاه ،ووقف امام القصر ينتظر الجموع الزاحفه .
ومن خلف جدار القصر برز له صوت غاب عنه طويلا .

• ايها الملك العظيم هذا يومك .
• لكأنى اعرف هذا الصوت جيدا .
• تعرفه ولا شك ، انا هو شاحور الذى يجوب الطرقات ليلا ، يدعو لمجد سمحون المقاتل
• شاحور بن سرجون ، ايها الرجل الذى علمنى العزيمة كما علمنى شكيم حب التراب .
• ايها الملك العظيم ، ان سقط السيف من يدك فابحث عن غيره ولا تخلد الى الراحة ، تعلم ان تنجح .
• الاعوام كانت تقول لى ان الحكمة تخرج من افواه القواد و العظماء لكنها اليوم تقول ان الفقراء هم مصدر الحكمة.
• صدقها ايها الملك ، فقراء اورسالم يزحفون اليوم الى قصرك كل يحمل بيته الصغير على راحته .
• هل ستبقى فى ارض اورسالم تباركها حتى نعود .
• و هل ينجح القواد اذا ما اداروا المعركة من خلف الجنود .
أطل وجه شاحور على الملك ، كان يمتطى حصانا بدا فى غبش الفجر كأنه قطعة من الضباب ،
فتح سمحون فمه دهشة فقال شاحور :
• قد سبقتهم اليك لاراك قبل ان افتقد وجهك .
• لكننا معا منذ الان .
• من يعرف ما تأتى به الاقدار .. من يعرف ؟
صمت الملك و صمت شاحور ، كانت كلمات الجند قد اصبحت تسمع عن قرب ، اهتز حصان شاحور وولى وجهه شطر المدينة .

• أعود الان الى حورا كما يعود يوشع الى الصحراء ثانية ، ثم لكز حصانه وولى .
مد الملك نظره عبر غبش الفجر فوصلته طلائع الجيش ، و امام روعة اللقاء لم يجد من كلمات غير الدموع، لقد زحفت اورسالم بكل بيوتها اليه . رأى كراديس الجنود مرتبة مترامية لا يصل اليها نظره ، وعن بعد كانت كتيبة النساء تلوح بالسيوف للملك تأييدا و افتخارا ، وفى مكان أخر يحمل فوج عظيم من النساء جرار الماء الفخارية و القرب الجلدية و اهازيجهن تصل الى مسامعه بقوه ، جمال تحمل الزاد على ظهورها مرتبة فى صفوف لا تصل العين الى نهايتها ، عيون تحدق فى الافق نحو اريحا مصحوبة بعزم لايلين و ارادة لا تقهر .

دار حصانه حول نفسه عدة مرات ثم رفع يده للجمع فصمتوا كأن على رؤوسهم الطير ، ثم انزل يده بقوة معطيا شارة المسير وحاذى حورا فى سيرها فقرعت الطبول و غنت النساء و ارتفع الهاتف و تعالى الغبار .
• قد فعلت ما كنت اتمنى يا حورا
• بقوة سمحون العظيم نفعل ،، و بارادته نقاتل .
• اورسالم خلفى ،، و اريحا امامى ، الفقراء هم الذين يقاتلون .
• هم الزاد يا سمحون العظيم وهم قمح الارض
سارا صامتين تصلهما ضجة عظيمة ، حانت منها التفاتة فرأت شاحور على بعد قليل منها وقد تمنطق بسيفه و عيناه تجوبان الفيافى كصقر يبحث عن فريسته ، ابتسمت ، قال الملك :
• اذا ما واصلنا سنصل قبل غروب الشمس ،
• سندق خيامنا ونضىء مشاعلنا و نقرع طبولنا فوق الجبال .
• هلا راقبت مؤخرة الجيش يا حورا .
• لا تخف ايها الملك ،، الانباء تصلنى عن وضع أخر جندى فى جموع الجيش .
• لك نفسى يا ابنتى .
سرح نظره عبر الفضاء المترامى ، وتاهت نظراتها كأنما تبحث عن شىء ما .
التقت عيناها بعينى شاحور اكتر من مره لكنها لم تنتبه الى وجوده ، ابتسم شاحور عن اسنانه المهترئة وهز رأسه مرات عديدة .
قال الملك فجأة :
• لتسرع خطواتنا نحو اريحا .
لوت حورا عنان فرسها و سرت كالنسيم بين الجيش و غابت تبلغ رسالة الملك الى قواد الكتائب .
ازدادت قرعات الطبول ، واسرعت الارجل تطوى صخور الجبال مشتاقة لرؤية النخيل الذى يضمخ وجه اريحا بالحزن و الفرح ، وسار الجيش مسوقا برغبة جامحة للوصول قبل المغيب ،و عندما اعلن الملك عن راحة يمضيها الجيش بين الوهاد قبل استئناف الرحلة ، ابتلع كل جندى طعامه عجلا وهب على حصانه واقفا ينتظر امر سمحون بالمسير .

عند غروب الشمس لاحت اريحا مثل عروس ترتدى ثوبا اسود اللون ، هتف الجنود بصوت كالرعد حتى خال كل منهم ان صوته اخترق ابنية اريحا ، ثم اضيئت المشاعل فوق رؤوس الجبال و نصبت الخيام و قرعت الطبول فرحا وايذانا بالوصول .

قال سمحون :
• اخال انهم يسمعوننا يا حورا ، لكأنى ارى نساء بنى كنعان ينظرن الينا من خلال الاسر ضارعات ان نتقدم .
• مهلا ايها الملك .. الجند متعبون وهم بحاجة لبعض الراحة ، فلنعسكر هنا لبعض الوقت .
فى خيمة سمحون … كان القادة يتبادلون المشورة حول انجع الطرق التى يسلكونها لفتح اريحا و تخليص نسائها من اسر العبريين .

******

ترامى الى مسمعيها الهمس خارج خيمتها فحدقت فى العتمه ، ماست على شفتيها ابتسامة حزينة فلوت عنان افكارها نحوه ، ( قد يذرع الارض جيئة و ذهابا و يموج فى رمل الصحراء و يتمطى ظهر الغيب لكنه سيعود ) .

ثم هدهد وجهها النسيم من خلال شق الخيمة فتراخت عيناها و حملتها الاكف هدية لتقدم لشكيم فلاح حبرون الذكى ، مد اليها يده وانتزعها من وحدتها وسارا على شواطىء البحر الميت ينعمان بنسيم الصبح قبل ان ترفع الشمس قامتها و يبدأ قيظ اريحا و حرارتها .
قالت له انى احبك ، و قال لها انى احبك ، تعانقا .. هل تذكرين ، كانت ايامنا مطرزة بالزهور و الحناء فى أزقة اورسالم العتيقه ، عندما كنت تبكين فرحا الملم دمعاتك مثل الحنون وازرعها على شعر صدرى فتزغرد الصبايا و ترقص اعمدة المدينة و حجارتها طربا و لذه .

• اذكره ولا انساه ، لكنك وعدت ان تعود .
• هأنذا بين يديك .
• انت وهم احاول الامساك بك فتهرب منى .
• من قال هذا ، قروح جسدى التى تملؤها الرمال تصرخ انى احبك ، و حبات العرق التى تسقى عطاش بنى كنعان تساقط مثل البرد لتلون وجه مدينتنا بالفرح ، ضمته الى صدرها بقوه فانزلق من بين ذراعيها موليا وجهه شطر اريحا .. تقدم مسرعا .. نادت عليه طويلا لكن خطواته كانت مثل سرعة الريح لا تأبه لشىء .

صرخت و صرخت ، وردد السهل الواسع صرختها ثم انكفأت على وجهها فجاء اليها و مسح الرمال عن خدودها و ابتسم ،، ولم يلبث سيف ان انغرس فى ظهره فصرخ .
صرخت و استغاثت ، حدقت فى الخيمة بعينين زجاجتين . وصلتها الاصوات و الحركة فتنهدت بعمق و نهضت ، نظرت من شق الخيمة فرأت الحراس يفركون عيونهم بتثاقل ، النيران التى اشتعلت تحولت الى رماد تذوره ريح الصباح امتطت ظهر حصانها و تجولت بين جنود بنى كنعان ،حيوها جميعا بابتسامة مشرقة عندما كانت تمر بهم ، و عندما ارتفعت قامة الشمس و مدت خيوطها الذهبية الى ظهرالجبل رأت سمحون عن بعد يمتطى حصانه و يسير اولى خطوات الرحله .

*****

و مضت ليلة اخرى .. وسمحون الذى يسوس بنى كنعان و يحميهم يطالع فى النجم صورته ولا تغفل عينه عن الترقب لحظة ، و قبل ان ترتفع يد سمحون الى الهواء معلنا بدء الزحف لاح له عن بعد من يحمل علما ابيض اللون فانزل يده ببطء و تنهد .

• لعله رسول من الغزاة العبريين .
• او ربما كان من بنى كنعان فينبؤنا بما لديه ،
• معلوماتنا تؤكد ان العبريين ابادوا كل الرجال .
• لعلها امرأه .
• لا أظن ذلك ،
عند ارتفاع قامة الشمس وصل الى المعسكر فى اعلى قمة الجبل رجل يلهث فاقتادوه الى سمحون الملك .
• من انت ايها الرجل ؟
• انا رسول يوشع اليك .
• ماذا يريد يوشع منا و هو غاز لديارنا ؟
• يقول يوشع تذكر نساء بنى كنعان والا …
قاطعه الملك بحده .
• خذوه من هنا ، و ليحجز لديكم حتى يرى سيده مقيدا على ابواب اريحا ،
تناوشته الايدى فاقتادوه الى حيث امر الملك .
قال الملك لكبير قواده .
• فليعامل بالحسنى ، انه رسول فقط ، ومن اخلاقنا ان نحترم الرسل .
قال كبير القواد .
• لتكن ارادتك ، لقد ضاع من النهار نصفه فلنؤجل هجومنا الى صباح الغد .
قالت حورا
• و ليكن نصب اعيننا فتيات بنى كنعان .

عندما قدم الليل اضيئت المشاعل و تحول سماء اريحا الى جو ملتهب من الدخان و الاضواء .
أمضى الجنود جزءا من الليل يتحدثون عن قرب انتهاء الكابوس الذى ينام على صدر اريحا .و عند الصبح هرع الجنود الى سهل اريحا مثل المطر ، كانت السيوف فى ايديهم مشرعه،
و جيادهم ينساب منها العرق فتصهل و تدق الارض باقدامها بقوه ، ووسط الصراخ الذى علا عند الصدام بطلائع العبريين قال جندى بصوت مرتفع ،
• شكيم يقاتل معنا ،، اقسم اننى رأيته .

*****

شكيـــم المقاتل

بدأ الهبوب خفيفا فى البدايه ، ثم تكاثر حوله فلم يعد يميز الى اى اتجاه ينظر ، خانته قدماه فانحنى ثم سقط كنخلة هوت بعد ان قص ساقها فجأه .

همست له رياح الصحراء انى احرسك ، و قال له هبوب الغبار تجمل بالصبر فالغروب على بعد قليل منك ،و عبر الضباب الذى تكاثف فى عينيه نزعته يد قوية فوقف على قدميه ، حدق فى العتمة لكنه لم ير شيئا .

عبر قطرات الماء التى كانت تنساب الى حلقه شعر بثقل فى جفنيه فاستسلم لنوم مريح ، وصله الصوت ضعيفا متقطعا .

• لم يزل حيا .. انه يتنفس .. قطرات اخرى فقط ثم يفيق .
عاجله طنين الصحراء مخترقا اذنيه فاحس بقرب انفجار رأسه ، تناثرت على وجهه امارات الحزن مثل الغيوم فانكفأ على وجهه يهذى حينا و يصرخ احيانا ، تماوجت فى عينيه ملايين ذرات الرمال الحارة ،بكى طويلا لكن صوته لم يتجاوز حنجرته ،، اعترته الالام فى جسده فبدا كتلة من الوجع المتواصل ،، صرخ بملء فيه .

• يا شعب بنى كنعان خذنى اليك ،، ضمنى الى صدرك وظللنى بجناحيك .
لكن صوته ظل عميقا كمن يصرخ فى بئر ليس لها من قرار ، جاءته حورا و امه و نساء بنى كنعان يحملن جرار الماء البارد فعب منه حتى ارتوى ، مسح فمه باطراف كمه وقفز الى حصانه مسرعا و اتجه نحو الضوء الذى ينبع من ازقة اورسالم العتيقه ، تحسست امه جبينه براحتها فابتسم .
• اهذا انت يا ولدى كل اطفال المدينة افتقدوك فى يوم عيدهم ، حملوا الى اوعية العسل و طلبوا الى ان اتذوقه لكنى لم افعل ،، انتظرتك حتى تعود .
اتجه اليها رافعا راحتيه ضارعا اليها ان تحمله على صدرها كما كانت تفعل لما كان صغيرا لكنها زجرته بقوه .

• ان لم تنهض وحيدا فلست منى ولا منك انا .
انسابت الى حلقه القطرات ،، ابتسم ، عاجلته يد لتضع على جبينه ماء باردا ، فتح عينيه فرأى حلة حربية تقف قبالته مرسوم على صدر صاحبها وجه سمحون الملك ، ارتعش ، عاد للنوم ثانية .
• سمحون ايها الملك العظيم الذى يمتزج جلدك الملكى بفقراء المدينه ، هلا رفعت الى راحتيك مرحبا .
قالت له كل الرمال لا تخف ، سمحون لن ينساك يا ولدى ، و قال له نخيل الصحراء فى النجوع انى على بعد يسير منك ، لو واصلت قليلا لطوقتك اغصانى وزرعتك نخلة يمر بها السابلة فتعطيهم من الرطب ما يخفف عنهم مشاق الرحله ،

افاق من نومه و اصغى ، كان هبوب الريح يحمل اليه اصواتا غريبة فيرتجف جسده ، رفع رأسه عن الرمال قليلا ، حدق فى قماش الخيمة المصنوع من وبر الجمال و ابتسم ،، اذن فهى الحقيقه انهم هنا الى جانبى ، جالت عيناه فى المكان فرأى حللا حربية معلقة على اطراف الخيمه ،ثم تنقلت عيناه الى ارض الخيمة فرأهم يفترشون الارض قد اضناهم تعب الرحلة فراحوا فى سبات عميق .
جاءه الطنين ثانية لكنه كان خفيفا ،، و عندما افاق مد رأسه من شق الخيمه و نظر الى نجوم الصبح فالفاها ضاحكة تستعجل نهوضه فصرخ .
قال له صوت بعد ان هرع اليه لا تخف يا شكيم ، نحن رسل سمحون اليك ، و ليذهب الموت الى الجحيم .
و قال له صوت أخر ، حورا تنتظرك فلا تحزن لقد تعلمت لعبة السيف فغدت تزين به حلتها دون الذهب فعد اليها ،
و قال ثالث : بيوت اورسالم العتيقة هتفت لك ثلاثا قبل ان نأتى اليك ، ليذهب الذهب الى الجحيم . حدق فى وجوههم ، هرع اليهم و احتضنهم بقوه ، ثم تتابعت من فمه مئات الاسئله

***
عبر خطوات الجمال التى كانت تنساب فوق الرمال عائدة الى ارض بنى كنعان روى الحرس ما كان من امر قافلة الذهب ، جدوا فى البحث ليومين كاملين لكنهم لم يعثروا على اثر ، لكأن رمال الصحراء قد فتحت شقوقا و دفنتهم جميعا دون ان تبقى ما يدل على وجودهم ،
ومع الحزن الذى كان ينساب على وجهه مثل جدول الماء كان يشكر سمحون و يثنى عليه .
و حورا ،،، اهى على عهد بنى كنعان تمتزج فيهم كما يمتزج الطفل بامه ،
* قد اصبحت حورا روح بنى كنعان بعد غيابك ، تطرق السيوف و تجول فى الليل بين الازقة تتفقد القوم وما يفعلون .
• ليتنى كنت فيهم .
• لكنك ستعود ،، ايام و تخطو فوق ازقة المدينة فرحا كطفل تعود المشى من جديد .

***
عاجلهم مغيب الشمس بعد ان دخلوا ارض بنى كنعان و ظلوا على سيرهم حتى داهمهم التعب فاناخوا جمالهم و نصبوا خيمتهم ولجأوا اليها ، وما لبث الليل ان طوى جفونهم الا شكيم .
• أه ايها الليل الساكن ،، يفور فى دمى شوق اليها ، و لولا هؤلاء الاصحاب لغذذت سيرى و احتضنتها حتى يلتصق جسدى بها ولا تفصله عنها الا ارادة سيفاح اله الموت و الظلام .

الى اللقاء في الجزء الرابع والاخير …..

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة