الى الحاكم بأمر الله – بقلم : سفيان الجنيدي – شيكاغو

آراء حرة … فن وثقافة …
بقلم : سفيان الجنيدي – شيكاغو …
من سواك ايها الحاكم بأمر الله قتل فرحي، سكينتي، وجعلني رقما مهملا سائحا في اراض تمقتني واكفر بكل ما فيها، اراض ليس بيني وبينها ود او الفة ؟!.
من سواك جعلني مرغما ان اترك ارض اجدادي وآبائي واهاجر الى بلاد يعرفوني فيها باسم الغريب والأجنبي ؟! ،
من سواك جعلني اعيش بعيدا عن اطفالي وحرمني أن اراقبهم وهم يكبرون بعيدا عن مقلتي واحضاني؟!
من سواك حرمني من والدي وحرمني من شرف خدمتهما والبر فيهما
كفاك استهتارا بنا فلقد جعلتنا غرباء في اوطاننا، همنا الوحيد ان نتركها الى غير رجعة،جعلتنا نبيت ليل نهار امام السفارات الروميات للحصول على تأشيرة تجعلنا اكثر اغترابا وتزيد آلامنا وتئد المزيد من ذكرياتنا مع اهالينا واحبتنا وترمينا الى احضان الغربة والتي لم نختارها يوما طواعية. ليتك تعلم ايها الحاكم بأمر الله آلام الغربة ومواجعها وفواجعها.
الغربة كالسرطان الخبيث ، تلتهم حميميتك تجاه عائلتك، محبيك، عوالمك الخاصة، تفتر عواطفك بفعل الغربة شيئا فشيئا حتى تخبو وتنطفئ، إلا أن الغربة اشد وطأة وقسوة وضراوة على النفس من ذلك المرض العضال والذي يلتهم ويفتك بفريسته في معظم الاحيان دون إشعارها او إنذارها. يكمن بصبر منقطع النظير، يسترق مواطن الضعف فيها لينقض ويفتك بها دون هوادة او رحمة، ينتشر في جسم فريسته ويبني شبكات معقدة، يتفرع من كل شبكة طرق وممرات ومتاهات لا نهائية، تتداخل فيما بينها بشكل هندسي كامل الإتقان كأنه الشعب المرجانية في تداخلها وتشابكها، حاله حال متاهة إبليس والتي ينتهي الدهر والمرء يحاول ويكابد مرارة الخروج منها دون أن يفلح، وحين يكتشف أمره تكون الفريسة قد نفقت جسدا إلا ان روحها ما زالت تعمل وما زال لديها القدرة أن تبعث وميضها الباهت المتخافت والذي من شأنه أن يبقي الجسد على قيد الحياة لتزداد عذاباته وتآكله حتى تنعدم قدرته على التحمل والمقاومة حتى ينهار كليا.
الغربة على نقيض ذلك، تعلمك منذ الوهلة الاولى وحتى قبل أن تشرع فيها أنك على موعد مع عذابات وانكسارات لا حصر لها، تتآكل الذاكرة بسببها شيئا فشيئا ويتم إحلال عوالم محل عالمك الذي تركت وتخليت عنه، تخبو جذوة العواطف، تسكن وفي آخر المطاف تنطفئ ولا يمكن أن تسعر و توقد مرة أخرى إلا بحدود امر جلل، وبفعله تتحفز الذاكرة لتستدعي ذكريات مجمدة إختبأت في ابعد ركن في دهاليزها. تختلف الحوادث في حدتها وإيلامها ولكن لا شئ يداني الموت مصابا وإيلاما على النفس.
في اوغست ٢٠١٨ ، عجمان – الامارات العربية المتحدة، وبعد مضي قرابة احد عشر شهرا غربة وسعيا في مناكب الارض بحثا عن لقيمات تسد رمق افواه رطبة، قرابة عام كامل في الغربة بدون عمل، ديون تتراكم لتصل سقف السماء ، أرق، قلق، طاقة مقيدة ومكبلة بسلاسل اليأس وقلة الحيلة، تقزم الذات في المرآة وانت تطالع شبحا هزيلا يشبهك ولكنه ليس أنت، تعزل نفسك عن محيطك لكيلا تكدر صفو الاخرين وتغتال تفاؤلهم وإقبالهم على الحياة، تحجر نفسك في غرفة لا تتجاوز المترين طولا وعرضا، تتقارب جدرانها لتطبق على أنفاسك وتزيدك ألما وقهرا، معتقل مدفوع الايجار، وفي نهاية كل شهر ترتابك الهواجس والمخاوف والعذابات، كيف سأدفع إيجار سجني الذي أكره؟!
يرن الهاتف ، يوقظك من نومك الذي جاهدت بكل الوسائل أن تفوز به بعد رحلة مضنية من الارق والقلق ، صوت متهدج بالنحيب والبكاء، مغلف بوقار لا يكون إلا اذا اراد أن ينعيك شخصا قد فارق الحياة، اعظم الله اجركم ، الليلة فاضت روح والدك ، تغلق الهاتف، تحاور نفسك وانت تحت تأثير الصدمة والمفاجأة، هل كان هذا كابوسا، لعلني ما زلت تحت تأثير الكوابيس والتي لا تفارقني في نوم او يقظة، يتشتت الذهن اكثر، تتسائل مرة اخرى، هل كان ذلك واقعا ام كابوسا!
تفيق تدريجيا من هول الصدمة، تدرك أنه الواقع والخبر صحيح، تجهش في البكاء، تنظر في جدران الغرفة والتي تتقارب حتى تطبق عليك، تخال نفسك أنك في اللحد وقد حانت ساعة الحساب، مشدوها تحاول أن تستجمع ما تبق لديك من قوة ذهنية، تستنطق قواك العقلية و أول ما يتبادر إلى ذهنك، كيف حدث ذلك! لم يكن يعاني البتة من مرض الموت، كان يعاني مؤخرا من تضخم في بعض الغدد إلا أن جميع الاطباء أكدوا أنه مرض عابر ولا يستدعي الجزع او تجهيز الروح لآلام الفقدان والموت، لم يخامرك الشك ولو للحظة أنه سيأوي الى العالم الآخر، كيف وكيف حدث ذلك؟!
تقفز إسكتشات إلى دماغك تتمايز في مدة وحدة استحواذها على عقلك وفؤادك، تستولي ذكرياتك مع الفقيد على عقلك و فؤادك المأزومين، يفتح جارور الذكريات لتقفز منه الذكريات دون أي تسلسل زمني او منطقي، أبي فارق الحياة؟!
وما أن تفيق من هول الصدمة، حتى تفجع بمصاب اخر أنك لا تمتلك ثمن تذكرة الطائرة!
تبدأ بمحاورة نفسك، إذا غادرت ستفقد فيزاتك السياحية وستضطر لشراء الفيزا السياحية مرة اخرى حتى تستطيع الرجوع إلى دولة الامارات، يعني عليك أن تدفع الف دينار اردني مرة أخرى لاستصدار الفيزا السياحية، ثروة ضخمة هذا المبلغ ليائس محطم عاطل عن العمل منذ قرابةالعام.
هكذا هي المصائب لا تأتي البتة فرادى،افضى أبي الى العالم الاخر وبقيت وهمومي واحزاني وقلة حيلتي،كأن ابواب جهنم فتحت علي بموت والدي.
لماذا علي أن اكابد هواجس وتساؤلات بعيدة كل البعد عن المنطق ، كيف تأتي اسئلة من قبيل
أيهما أشد وطأة وضراوة على النفس، فقدان الاب ام الشعور الدائم بالانكسار وقلة الحيلة في إطعام افواه رطبة لم يبلغ كبيرها اعوامه الاربعة؟!
اتوجه اليك يا خليفة الله في الارض بسؤال برئ،اتمنى أن اجد جوابه عندك،اترى آما آن لهذه الملهاة أن تنتهي، اما آن لهذا الانسان العربي أن يرتاح ويعيش عزيزا كريما في وطنه، فاعلم انه لم يبق في جنابات هذا الكون مهموميين سوانا، حتى سيزيف ارتاح من شقائه والذي كان يظنه لا ينتهي.
ايها الحاكم بأمر ، إعلم اننا سئمنا من دور الضحية، فلسنا عبيدا ورثتهم من اباؤك الاولين، ولسنا كائنات آبقة طفيلية تقف ببابك تستعطفك أن تغدق عليها من هباتك وعطاياك.
اخيرا كم اتمنى ان تراجع التاريخ وتستلهم العبرات والدروس منه، فلقد علمني التأريخ ان الممالك والدول والطغاة وزبانيتهم الى زوال وتبقى الشعوب عصية على الاندثار، افق ايها الحاكم بأمر الله من احلامك الوردية،واهبط من قصورك العاجية وتصالح مع ابناء شعبك قبل فوات الاوان.