كتابات ومواد دينية
د. عثمان قدري مكانسي
كثير من الناس في هذه الدنيا يشعر في قرارة نفسه بخطئه، ولا يعترف به ، وتراه يجحد جميلة غيره ،ويتعاظم في غيِّ نفسه ،( ولسان حاله: عنزة ولو طارت) .
وقد تكون انتخاباتٌ ،وغيرُه أولى بالترشح منه،لأنهم أقدر منه وأوعى وأذكى، لكنه ينافسهم بطرق ملتوية ليزيحهم ،ويأخذ مكانهم ،فهو بالمنفعة أولى منهم!ولعله يشترى ضمائر الضعفاء والمتنفّعين أو يقهر الفقراء والمساكين ويضغط بشتى الوسائل على الناس ليحقق هدفه بالطرق كلها، ويدّعي في كل ما يفعل أنه على صواب،
قد يطمس على الحق ويغتال أهله، ويسحق مخالفيه لأنه – بزعمه-المنزّه من كل نقيصة أو عيب -وهو العيب نفسه والنقيصةُ ذاتها-ويدّعي أنه يسمع ويعقل،وأنه الذكاء عينُه والفهم كلُّهُ.
رأينا كثيراً من هؤلاء لا يرون إلا أنفسهم ومصالحهم ، يسعون لها بكل الأساليب الملتوية دون أن ترِفَّ لهم عينٌ، أو يشعروا بتأنيبٍ لعيب صنعوه، فالعيب بعيد عنهم!.
هؤلاء يحيَونَ في زحمة مفاسد الحياة ،فلا يسمعون النصيحة ، فهي لمن يحتاجها، ولا يُقِرّون بالزلل، فهو بعيدٌ عنهم! ما طلعت الشمس ولا غربت على أنصح منهم ولا أعقل منهم!.
هؤلاء حين يُلقون في نار يوم القيامة فيسمعون شهيقها وهي تفور، وتزفر زفرتها الرهيبة غضباً منهم وغيظاً تكاد تتفجر من غيظها،ثمّ تحرقهم، فتجعلهم رماداً ثم يعودون كما كانوا مرات ومرات يعترفون بذنوبهم ويقولون: (لو كنا نسمع أو نعقل)..أجل يعترفون.
في هذه الحالة يندمون حيث لا ينفع الندم، ويقرون بذنوبهم حيث لا مفرّ من العقوبة،
ويصوِّر التابعي مجاهد رحمه الله حالهم المخيفة فيقول:تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: تغلي بهم غليانَ المرجل من شدة لهب النار المنبثق عن غضبها الشديد منهم.هذا هو العذاب المادي.
أما العذاب المعنوي فيتجلى في الحوار بين هؤلاء المنبوذين المعذبين وبين ملائكة العذاب،
(كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها) – على وجه التقريع والتوبيخ والاحتقار- (ألم يأتكم نذير؟ قالوا) – والواقع المرير يحكمهم- (بلى قد جاءنا نذير، فكذبنا)- الدعاة والمصلحين فقتلنا بعضهم وسجنّا بعضهم، واذقناهم الذل والهوان ، وتلذذنا بإيذائهم – (وقلنا ما نزل الله من شيء). وهذا شأن المكذبين وديدنهم.
وقد كانوا يخاطبون الرسل والانبياء مستهزئين(إن أنتم إلا في ضلال كبير)فالمصلحون في عرف المجرمين ضالون ومفترون وبعيدون عن الواقع، إذ يدعون إلى الأخلاق والمُثُل القديمة التي تخطتها الحياة الحديثة الراقية ،وعفا عليها الزمن!!
(وقالوا لو كنا نسمع) للأنبياء والرسل والمصلحين (أو نعقل) الهدى الذي جاءوا به (ما كنا في أصحاب السعير). تعبير يُجَلّي ألمَهُمُ العميقَ لحالهم الزّريّ (فاعترفوا بذنبهم) – اعتراف من لا يملك إلا أن يعترف-
فكان جواب ملائكة العذاب: سحقاً لهم وعذاباً وهلاكاً وبعداً عن رحمة الله.
حوار مخيف بين أهل النار وبين زبانية العذاب الأقوياء لا ينجو من بطشهم إلا (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب سليم)
(إن للمتقين مفازا، حدائق وأعنابا، وكواعب أترابا، وكأسا دهاقا، لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا، جزاء من ربك عطاء حساباً( النبأ 31-36
للمتقين الذين ابتعدوا عمّا حرم اللهُ تعالى في الآخرة جزاء كبير، إنه الفوز،
فما الفوز والمفاز؟
إنه جزاء من اتقى مخالفة أمر الله ، وهو النجاة والخلاص مما فيه أهل النار- كما قال القرطبي- ويقال للفلاة مفازة، تفاؤلا بالخلاص منها.
وماذا ينال الفائز في الآخرة يا أحبابي؟
1- “حدائقَ وأعنابا” الحدائق: جمع حديقة، وهي البستان المُسَوّرُ؛ يقال أحدق به: أحاطه. فالجنات تحيط بمقام المسلم في الفراديس وأمثالها.
2-(والأعناب): جمع عنب، وهي الكروم وأنواع الفواكه يندرج فيها كلُّ ما لذّ وطاب
3- “والكواعب الأتراب” فالكواعب جمع كاعب وهي الفتاة الناهد؛ وأثداء الفتاة ابنة السابعة عشرة إلى العشرين نافراتٌ إلى الأمام تدلُّ على فتوتهنَّ وشبابهنّ المتفجر، وقال الضحاك: هنَّ العذارى .
والأتراب: الأقران في السن. ذوات العمر الواحد، فلا يكبرنَ.
4″وكأسا دهاقا”: هي:
أ-المملوءة ، قالها الحسن وابن عباس؛
بالمتتابعةُ، قالها سعد بن جبير وعكرمة ومجاهد: متتابعة، ، متلازمة، بعضُها وراء بعض والمتتابع كالمتداخل،يشربون متى شاءوا.
ت والصافية،قالها عكرمة أيضا وزيد بن أسلم: صافية؛والمراد بالكأس الخمر، فالتقدير: خمرا ذات دهاق( صفاء)،
ثالمعصورة؛ قالها القشيري.
جوفي الصحاح: وأدهقتُ الماء أفرغته إفراغا شديدا، فيشرب المرء ما شاء له أن يشرب .
هذا في الشراب ،أمّا الطعام الدهاقُ: فهو ليِّنُه ، وطيبُه ورقته، وكذلك كل شيء لين؛ ومنه حديث عمر: لو شئت أن يدهمق لي لفعلت، ولكنَّ الله عاب قوما فقال: “أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها” يقال هذا للكافر والمنافق ، أما المؤمن فنسأل الله أن يكرمه في الدارين. فلا تُذهبُ طيباتُ الدنيا طيباتِ الآخرة.
5- الكلامُ الصادق واللفظ اللطيفُ:قال تعالى “لا يسمعون فيها” في الجنة “لغوا ولا كذابا” اللغو: الباطل، وهو ما يلغى من الكلام ويطرح.فيسمع المسلم جمال الكلام وحلوه وصِدقَه، فليس في الجنة ما ينغِّص.
إنَّ أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو؛ بخلاف أهل الدنيا. “ولا كذابا” فلا يُكذبُ بعضهم بعضا، ولا يسمعون كذبا.
6-“جزاء من ربك” وهو الثوابُ الجزيل من رب العالمين ،
7″عطاء حساباً” وهو العطاء الكثيرُ والهبة من خالق كريم .
أقال قتادة: أحسبت فلانا: أكثرت له العطاء حتى قاله حسبي. وذاك دليل على كثرة ما يأخذ حتى يقول: اكتفيتُ.
بوقال الكلبي: حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا.
ت- وقال مجاهد: حسابا لما عملوا، فالحساب بمعنى العد. أي بقدر ما وجب له في وعد الرب، فإنه وعد للحسنة عشرا، ووعد لقوم بسبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدارا؛ كما قال تعالى: “إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب” [الزمر: 10].
ث-وقرأ أبو هاشم “عطاء حَسَّابا” على وزن فَعّال ، فكفاهُ؛
ج-قال الأصمعي: تقول العرب: حسَّبتُ الرجل بالتشديد: إذا أكرمته.
ح-وقرأ ابن عباس. “حِسانا” بالنون. فهو العطاء الحسَنُ من الله تعالى.
هذا بعض ما علِمْنا للمتقين عند ربهم في رضوانه ونعيمه ، وظنُّنا في الله سبحانه وتعالى العفو والغفران ، وهو أكرمُ مما نظنُّ ،فسلوه ، إنه سبحانه يحب عباده ويغمُرُهم بعطائه الذي لا ينفد.
31-8-2020