الرابط : فن وثقافة (:::)
بقلم : حسنى حنا – نيوجرسي (:::)
يشكل الساحل السورى بموقعه الجغرافى وطبيعته الساحره جزءآ هامآ من سوريا وتاريخها , الذى يمر بكل مدينه وقريه فيه .
ان اول عالم حاول دراسة هذا الساحل فى العصر الحديث , كان العالم الفرنسى الشهير (أرنست رينان) الذى قام بحفريات أثريه فى جزيره أرواد وفى موقع عمريت .
وكشف عن انقاض شاهدها فى مدينتى اللاذقيه وطرطوس . كما قام باعمال تنقيب أثريه على الشاطئ اللبنانى , خاصة فى مدينة جبيل .
وقد أشار العالم (رينان) فى العام 1861 الى المقبره الواسعه الواقعه الى شمال مدينة اللاذقيه , وتحديدآ الى المقابر او المداخن الرومانيه
Catacomb المحفوره فى الصخر الكلسى اللين , تحت مستوى سطح الارض , فى المنطقه الواسعه , المعروفه عند أهل اللاذقيه من زمن طويل باسم (حى مار تقلا) نسبة الى (القديسه تقلا) تلميذة (بولس الرسول ) مبشرآ الامم بالديانه المسيحيه , فى سوريا آسيا الصغرى وأوروبا .
كما أشار (رينان) ايضآ الى وجود العديد من القطع واللقى الأثريه فى تلك المدافن , كالتوابيت الحجريه الضخمه . المزخرفه بمنحوتات بارزه , تمثل أشكالآ هندسيه , وبعض الحيوانات والنباتات . ويوجد عدد منها فى باحة متحف اللاذقيه , وبعض الحدائق العامه . كما أشار الى وجود الاقنعه الذهبيه والعقود والخواتم وغيرها . كذلك السرج (جمع سراج) والقطع الفخاريه الاخرى . التى كان اهل اللاذقيه يجدونها فى تلك المدافن .
فى ذلك الحين (انظر كتاب : بعثة فينيقيا للعالم أرنست رينان بالفرنسيه) حيث ان هذا الكتاب الصادر منذ حوالى نحو (150) عامآ لم يترجم الى اللغه العربيه حتى الآن على الرغم من اهميته الاثريه والتاريخيه الكبيره .
إنشاء مدينة اللاذقيه
اللاذقيه هى احدى المدن الاربع الكبرى , التى انشأها (سلوقوس نيكاتور) أحد قواد الاسكندر المكدونى فى سوريا , وهى انطاكيا وسلوقيا وافاميا واللاذقيه , والاخيره حملت اسم والدته (لاوديسيا) وقد اطلق على هذه المدن اسم (تيترا بويس) اى المدن الاربع . وقد كانت مرتبطه بنظام مدنى خاص بها , وكان بناؤها حوالى العام (300) قبل الميلاد .
المسيحيه فى مدينة اللاذقيه
بلغت المسيحيه مدينة اللاذقيه منذ مطلع تاريخها فى القرن الاول للميلاد , على يد المبشرين الأوائل بطرس وبولس . وقيل ان القديس (لوقيوس اللاذقى) الذى ورد ذكره فى رساله القديس بولس الى اهل روما
كان اول اسقف عليها فى اواسط القرن الاول للميلاد . وقد ادار شؤون رعيته بحكمه حتى وفاته .
وبعد ثلاثة قرون من الاضطهاد المرير ضد المسيحيين , جاء الامبراطور (قسطنطين الكبير) الذى كان اول امبراطور رومانى يعتنق الديانه المسيحيه. وقد ازدهرت الديانه المسيحيه فى مدينة اللاذقيه , التى قدمت شهداء مسيحيين كثيرين فى عهود الاضطهاد العنيفه . كما ظهر فيها عدد كبير من المفكرين والفلاسفه ورجال الدين ( انظر : م . أثناسيوس : سوريا فى الالف الاولى الميلاديه خمسة اجزاء )
القديس بولس الرسول
ولد القديس بولس الرسول فى مدينة طرطوس فى كيليكيا . وتروى قصة حياته فى سفر (أعمال الرسل) بالانجيل . وقد اشتهر برسائله الاربع عشرة , التى كتبها الى المجتمعات المسيحيه الاولى , خلال اعماله التبشيريه . اعتنق المسيحيه فى مدينة دمشق على يد القديس (حنانيا) الدمشقى . وأصبح فيما بعد رسول الامم , وفيلسوف الديانه المسيحيه . كان رجلآ واسع الفهم , عميق الانسانيه , قاسى الوان العذاب فى سبيل ايمانه , الجلد والاشراف على الموت غرقآ . واخيرآ وقف امام الامبراطور الرومانى كمواطن , ليحاكم فى روما نفسها . ويحكم عليه بالموت فى سبيل ايمانه . بعدآ ان قضى أعوامآ فى غياهب السجن . وهو الذى اسس مع القديس بطرس اول كنيسه لا تزال قائمه الى الآن فى سفح جبل (سلبيوس) المطل على مدينه أنطاكيا . وقد كان استشهاده فى (29) حزيران من العام (67) للميلاد .
القديسه تقلا
هى تلميذة بولس الرسول , فى الايمان والتبشير بالعقيده الجديده . ولدت فى مدينة (ايقونيه) الواقعه فى شمال مقاطعة (بمفيليا) فى جنوب بلاد الاناضول . وقد ذكر المؤرخ (هيرودوت) فى القرن الخامس قبل الميلاد ان سكان مقاطعات (بمفيليا وكيليكيا وكبادوكيا) فى جنوب بلاد الاناضول هم سوريون
كانت (القديسه تقلا) فتاه جميله ذات علم وخلاق , ولدت لاسره غنيه . وقد آمنت بالسيد المسيح . ونذرت حياتها للتبشير بالديانه المسيحيه ومبادئ المحبه والسلام . فعزفت عن مباهج الدنيا ومفاتنها , وتعرضت لاقسى انواع العذاب والاضطهاد فى سبيل ايمانها من قبل أهلها الوثنيين , ومن قبل حكام الروم .
جالت القديسه تقلا فى عدد من المناطق السوريه . وتبعت القديس بولس الى مدينة انطاكيا . كما مرت بمدينة اللاذقيه , حيث أقامت فيها مده من الزمن . ثم تابعت سيرها الى جبال سنير (القلمون) حيث عاشت بين بلدتى معلولا وصيدنايا , وما حولها من القرى والحواضر وهناك آمنت على يديها جموع كثيره . كما حدثت أعاجيب عديده .
دير القديسه تقلا
فى الجهة الشرقيه من بلدة معلولا دير كبير , يعرف باسم دير القديسه تقلا. بنى فى القرن الخامس الميلادى , ولا يزال قائمآ وعامرآ الى اليوم . ويذكر الدكتور يوسف سماره ان (دير مار تقلا ) يقع عند مدخل فج صخرى , وهو اقدم دير فى العالم . لكن ليس ببنائه الحالى . واكثره محدث فى عصور مختلفه . ولكن لأن (القديسه تقلا) اولى شهيدات المسيحيه , كانت قد اتخذت من مغاور ذلك الموقع , موئلآ لها ومسكنها , طيلة ايام حياتها , ودفنت فى احدى حجراته
وقد ذكر الرحاله (الشيخ عبد الغنى النابلسى) فى اواخر القرن السابع عشر (1693) قبرها فى الدير المعروف باسمها فى معلولا قال : “هى مغاره فى نصف الجبل , والماء يقطر من اعلاها الى اسفلها فى اماكن متعدده , والناس يتبركون بمياهها , وبجانبها مقام القديسه تقلا حيث قبرها . وهى غرفه صغيره , تخلع النعال قبل دخولها ” .
ويذكر بعض الباحثين ان القديسه تقلا , قد عاشت حوالى تسعين عامآ , وتوفيت فى مدينة سلوقيا (السويديه) القريبه من مدينة انطاكيا .
مزار القديسه تقلا فى اللاذقيه
اشار عدد من الرحالين والمستشرقين والاوروبيين , الى مزار القديسه تقلا فى مدينة اللاذقيه , ومنهم (د.لورتيه) الفرنسى , الذى زار اللاذقيه فى عام (1875) وقد جاء فى كتابه (سوريا اليوم) ما ترجمته : ” .. والى الشمال من مدينة اللاذقيه , توجد آثار قديمه . وبينها القبور والتوابيت الحجريه المتنوعه الاشكال , بعضها مزين بنقوش جميله , كما توجد بعض الكهوف المنحوته فى الصخور . وتختلف احجام الكهوف بدءآ من تلك التى لا تتسع الا لجثمان طفل رضيع , الى تلك التى تتسع لجثمان رجل كبير . وهناك بعض المدافن , التى تتسع لعدة اجيال متتاليه من اسره معينه . وقد شاهدنا أحد الكهوف , التى ينزل اليها بدرج مؤلف من (23) درجه منحوته فى الصخر تحت الارض ” .
ويتابع (د.لورنيه) قائلآ :
“…. وكثرة هذه المقابر تدل على ان سكان اللاذقيه القدماء , كانوا أكثر عددآ من السكان الحاليين . ويبدو ان هذه القبور فتحت ونهبت منذ زمن بعيد . ويطلق على احد هذه الكهوف اسم (قبر مار تقلا) . ولا يزال المسيحيون فى اللاذقيه . حتى هذه الايام , يحتفلون بعيد ميلاد القديسه , فى داخل هذا المدفن الفسيح ,وفى سنوات المسيحيه الاولى , كانت هذه الكهوف تستعمل لاجتماعات المسيحيين , بعيدآ عن انظار عساكر الرومان , واحيانآ كانت تستعمل للسكن .. ”
ردم مزار مار تقلا
على اثر حرب حزيران عام (1967) قررت بلدية اللاذقيه إنشاء ملجأ تحت الارض فى حديقة الحى حيث يقع المزار . وقد أقتضى ذلك برأى بعض المسؤوليين آنذاك ردم هذا المزار . الذى كان حتى ذلك العام يجذب العديد من الزوار العرب والاجانب . كما تقرر بعد ذلك تغيير اسم حى مار تقلا لأسباب غير معلنه , قد يكون من بينها التقوقع , والجهل بتاريخ البلاد وحضارتها .
ومما لا شك فيه ان اتخاذ هذا المزار اسم (مار تقلا) وكذلك الحى الواسع المحيط به , والمجاور لساحل البحر المتوسط , لم يكن من قبيل المصادفه . فالقديسه تقلا , كانت ولا شك تتعبد فى هذا المكان , مع المؤمنين المسيحيين الاوائل , خلال اقامتها فى اللاذقيه .
ووسط صمت الجميع , الذى يشبه صمت الحملان والتعتيم , ظل هذا المكان فى طى النسيان أكثر من ثلاثين عامآ (من عام 1967 حتى عام 2000)
إعادة فتح وتأهيل المزار
بمبادره من سكان اللاذقيه , تمت إعادة فتح ملف مزار مار تقلا فى العام (2000) وبعد الحصول على موافقة بلدية اللاذقيه , تمت ازالة الردميات . وكشف كافة ارجاء المكان . وتشييد بناء فوقه بالحجر الابيض , ليكون مصلى (كنيسه صغيره) وقد تم افتتاحه رسميآ للزوار بعد اتمام اعمال البناء . ولا يزال سكان مدينة اللاذقيه يعرفون حى مار تقلا الواسع الجميل بهذا الاسم , ولا يعترفون بالتسميه الجديده , التى ظلت حبرآ على ورق .
ان اعادة كشف هذا الصرح الاثرى , وتأهيله للزائرين , قد أضافت صرحآ أثريآ وتاريخيآ هامآ , الى العديد من الآثار الاخرى فى الساحل السورى , الذى يعتبره المؤرخون والجغرافيون بوابة الشرق , الذى يبدأ من سوريا .