مدينة صافيتا : البرج الابيض وملامح من التاريخ (2)

 

الرابط : دراسات (::::)

بقلم: حسني حنا – نيوجرسي (:::)

تتألف قلعة صافيتا من البرج الابيض والأسوار التي تحيط به، وما عليها من أبراج دفاعية . وسور القلعة، عبارة عن سور مزدج خارجي وداخلي. الأول منهما بيضوي الشكل شبه كامل، فلا عجب والحالة هذه ان يكتشف الزائر أثناء تجواله في شوارع المدنية، بعض معالم الفن الهندسي الحربي في العصور الوسطى، بقايا أبراج دفاعية، وجدران الأسوار المائلة او المنحدرة والصالات المقببة، التي يمكن مشاهدتها في الجهة الشرقية، وما بقي منها يدل على عظمتها واهميتها.

برج صافيتا في التاريخ التاريخ القديم للموقع غامض، وربما كانت هناك قلعة بيزنطية في ذات المكان، اندثرت وقام البرج الحالي على انقاضها.. ويشير (ثوماس لورنس) في كتاب (القلاع الصليبية) والذي لم تتم ترجمته الى الآن إلى ان التاريخ المحتمل لبناء برج صافيتا هو عام (1140) لكنه لم يذكر المراجع التي استند اليها في تحديد هذا التاريخ. وقد ورد ذكر هذه القلعة لأول مرة، عندما احتلها أتابك حلب نورالدين زنكي (1166-1167) ولا بد أن الفرنج قد قاموا بعمل ما في تاريخ سابق..

وسرعان ما استردّ الفرنج صافيتا. ثم انتقلت الى عهدة الفرنج من جماعة الفرسان الهيكليين (الراوية) الأشداء، الذين جدّدوا القلعة، بعد الهزة الأرضية، التي حدثت عام (1170) وقد تسبب هجوم آخر شنّه نور الدين عام (1171) في تخريب أجزاء من القلعة مجدداً، لكنه لم يستطع الاستيلاء على برج صافيتا وقلعة العريمة. وكرر هجومه في العام (1172) واستطاع ان يستولي على البرج بالقوة. وكان ذلك في عهد (ريمون الثالث) كونت طرابلس الذي كانت قلعة صافيتا تابعة له.

واسترد الفرنج القلعة، التي تعرضت من جديد لهجوم وحصار صلاح الدين الأيوبي لها في عام (1188) لكنها قاومت هذا الحصار بنجاح، وكانت قد خضعت لترميم وتجديد مكثف جعلها اقوى وافضل. وفي عام (1218) شن الملك الأشرف سلطان حلب هجوماً مضّللاً على القلعة لارهاق مؤخرة الجيش الفرنجي الخامس، الذي كان في تلك الفترة يحاصر مدينة دمياط بمصر.. وهكذا بقي برج صافيتا بين أخذ وردّ من جديد..

وفي عام (1271) سقطت القلعة بين السلطان المملوكي بيبرس، بعد أن حاصرها بجيشه لفترة قصيرة. وانطلق منها شرقاً لمحاصرة قلعة الحصن.. وبقيت قلعة صافيتا بحالة جيدة حتى نهاية القرن التاسع عشر، حيث تمّ تشييد العديد من الأبنية ضمن اسوارها وحول برجها، في مجرى توسيع المدينة.

قلاع تابعة لصافيتا هناك موقعان جنوبي صافيتا وغربيها، يعيدان الزائر الى أجراء العهد الفرنجي الممتد بين عامي (1097-1291). 1-قلعة العريمة (أريما) تبعد قلعة العريمة مسافة خمسة عشر كيلومتراً الى الجنوب الغربي من صافيتا. وقد كانت نقطة متقدمة للبرج الأبيض في صافيتا وقلعة الحصن . وقد صارت اليوم الى خرائب. ولم يبق من تحصيناتها سوى برجين أكلتهما الاعشاب البرية. يذكر اننا بالمعارك التي جرت هنا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. سقط هذا الموقع في عام (1149) أثناء حملة نور الدين المفاجئة وأسر سّيد المكان (برتران دي تولوز) وأخته. وكانت هذه الاسيرة على قدر كبير من الجمال، ففتن بها نور الدين وتزوجها، وأنجبت له طفلاً. واسترجع الفرسان الهيكليون القلعة، قبل ان يتم اجلاء الفرنج عنها نهائياً في عام (1271). وفي وصف هذه القلعة نذكر أنها تربض فوق جرف، يتاخم السهل العريض، الذي يجتازه النهر الكبير. وهي تتحكم في وادي النهر الأبرش. وقد كانت فيما مضى جزءاً من منظومة تحصينات الفرنج في الساحل السوري. ومن معاينة المكان تبين لنا أن هذه القلعة قد شيدت فوق موقع لمستوطنة سابقة. وهي مكونة من قسمين: قلعة سفلية فسيحة، يحيط بها سور خارجي واحد. ويقسمها جدار عرضي قائم من وسطها تقريباً، وقاعة علوية أشدّ تحصيناً، الى الشمال من الأولى. وتفصلها عن باقي ارباضها قناة عميقة. وبالقرب من مركز القلعة العلوية، ينتصب قصر مستطيل الشكل، ذو ابراج زاويّة، محاطة بفناء أمامي مسّور، بسيط الشكل يتماشى مع شكل الارض. والقلعة متداعية بكاملها الآن، إلا أن دراستها دراسة تفصيلية ممكنة رغم ذلك..

2-قلعة يحمور تقع الى الجنوب الغربي من مدينة صافيتا، على يسار الطريق الذاهبة من صافيتا الى طرطوس، على بعد نحو كيلومتر واحد من الطريق وتعتبر قلعة يحمور حصناً عادياً، لكن برجها المنتصب على ارتفاع (15) متراً، وسط سور يبلغ طول كل من جوانبه (34) متراً ما زال جميلاً. وقد ولّت الحفريات الأثرية، التي جرت في هذا المكان، على أن الموقع كان مأهولاً في الأزمنة الغابرة، ولم تحتل هذه القلعة مكانة هامة، الاعندما استولى الفرنج على الموقع، في أوائل القرن الثاني عشر، واوتلكها حكام طرابلس من الفرنج في عام (1112) وقد مرّ بها صلاح الدين الأيوبي في صيف عام (1188) اثناء حملته على الساحل السوري. وقد استردها جيش السلطان المملوكي (قلاوون) عام (1289). إن قلعة يحمور أو القلعة الحمراء، التي كانت في الاصل جزءاً من حط دفاعي متناسق للفرنج في الساحل السوري، قد تبدل شكلها قليلاً في العهد العربي، بإضافة برجين زاويين الى السور الخارجي. ملاحظة: لمزيد من المعلومات حول قلعة صافيتا والقلاع التابعة لها يمكن مراجعة الكتب التالية: ( راس: العمارة العسكرية- كيل انلارت: الصروح التذكارية- دوشامب: القصور- فولفغانج مولر: القلاع ايام الحروب الصليبية- توماس لورنس: القلاع الصليبية في الساحل السوري) ومعظم الكتب غير مترجمة الى اللغة العربية.

الأحداث اللاحقة مصادر البحث عن تاريخ صافيتا وبرجها الأثري، منذ نهاية الحروب الصليبية، وقيام حكم المماليك، ليست متوفرة، بل ونادرة ايضاً. ولعل أكثر المصادر جدّية عن صافيتا بشكل خاص، وعن سوريا وبلاد الشام بشكل عام، كانت وما تزال، تقارير الأجانب من رحالين وباحثين وقناصل ومغامرين وغيرهم. ومعظم ما كتبه هؤلاء، موجود فعلاً في مكتبات وأرشيف الدول الغربية، لا في الدول والمناطق التي كتبوا عنها. وغالبيتها غير مترجمة الى اللغة العربية، إلاّ انه يمكن للباحثين والدارسين الوصول إليها، وهي تشكل مصادر تاريخية هامة، اذا أردنا تتبّع تاريخ بلادنا خاصة في العهد العثماني الذي امتد لأربعة قرون.. وهناك ملامح من تاريخ منطقة صافيتا يمكن تتبعها. وهي ليست تاريخاً بالمعنى العلمي المعروف، ولكن يمكن أن نطلق عليها اسم (مدوّنات) منها:

ـــ في سنة (1649) زار البطريرك مكاريوس الزعيم منطقة صافيتا عن طريق لبنان، وقد مّر بقرية السيسنية والبويضة. وفي صافيتا زار كنيسة مار منخائيل المعظمة في البرج، ثم ذهب الى تنورين ومرمريتا والحصن، وتفرّج على قلعتها (نجمة الصبح) وقام عنها الى بلدة عناز ودير مارجرجس الحمراء. ثم ذهب الى بلدة رباح وأفيون ومنها الى حماه.. ومن الجدير بالذكر ان آل الزعيم كانوا كلهم من المسيحيين من أصل يوناني عاشوا في مدينة حماه، التي كانت فيما مضى تضمّ عدداً كبيراً من المسيحيين، كما تذكر المراجع العربية نفسها. وآل الزعيم اليوم في حماه مسلمون، ومنهم الزعيم حسني الزعيم، قائد الانقلاب العسكري الأول في سوريا بعد الأنقلاب وذلك في شهر آذار من عام (1949). ـــ في أوائل العقد الثالث من القرن التاسع عشر، زار صافيتا الرحالة الألماني يوهان لودفيغ بوركهارت، ووصفها بأنها عاصمة بلاد النصيرية (العلويين)، حيث يقطن بها رئيس المنطقة (الفكّار) ويصف صافيتا بأنها تقع على طرف جبال النصيرية. ومنها قلعة قديمة، هي برج مار ميخائيل. وكتاب هذا الرحالة مطبوع في عام (1823). ـــ في عام (1832) تضاءلت سلطة الرسالنة( آل رسلان) وأخذ مكانهم كقوة (آل شمسين) في صافيتا. وهم نظموا مقاومة زحف ابراهيم باشا على سوريا، لصالح العثمانيين، لكنهم هزموا.. ـــ في عام (1837) قامت ثورة نصيرية (علوية) ضد حكم ابراهيم باشا الذي انسحب من سوريا في أواخر عام (1840) _ (1858) في شهر تشرين الأول من هذا العام قُتل (اسماعيل خيربك) وفي هذا العام والعام الذي يليه، وفض اهالي صافيتا دفع الضرائب للدولة العثمانية. وقد ولد اسماعيل هذا في عام (1822) في قرية اللقبة، وهي تتبع مدينة مصياف الآن. وقد عين متسلماً على صافيتا ومنطقتها، ومن هنا امتد نفوذه على المناطق المجاورة. ويعود إليه بناء دار الحكومة في مدينة الدريكيش عام (1854). ولما رأت الدولة العثمانية تعاظم نفوذه، ألّبت عليه عشيرة الدنادشة بقيادة (عبود آغا) وهاجمته هذه العشيرة بالتعاون مع القوات العثمانية. كما شاركت البحرية العثمانية في تضييق الحصار على اسماعيل. وقد أشارت إحدى الرسائل القنصلية، الى أن المسيحيين كانوا يمدحونه. والظاهر أنه كان يحسن إدارة ناحيته (المحررات السياسية والمفاوضات الدولية، ترجمة فريد الخازن). ص (339). ـــ (1865) تأسست مدرسة للمبشرين البروتستانت في صافيتا. ـــ (1870) ثورة علوية جديدة ضد الحكم العثماني. ــ (1883) افتتاح الطريق بين حمص وطرابلس، وقد بدأ (الديليجنس) خدمته بين المدينتين عام (1884) واستمر حتى عام (1911) ويروى ان الوزير العثماني المصلح( مدحت باشا) كان هو الذي أمر بشق الطريق بين المدينتين عام (1879). ــ (1896) وفاة هوّاش اسماعيل خيربك من زعماء النصرية (العلويين) منفياً من قبل العثمانيين، في جزيرة رودس اليونانية في بحر إيجه. ومن المؤكد ان اسماعيل حاول الاستعانة بالفرنسيين والانكليز، عن طريق قناصلهم في الساحل السوري وفي الداخل، لكن دون جدوى.. وجاءت النتيجة المأساوية، وهي قتل اسماعيل، في منتصف شهر تشرين الثاني من عام (1858) على يد قريب له (ربما بتشجيع من العثمانيين) ولم يكن قتله كافياً، بل قتل معه كل ابنائه، وسُبيت نساؤه، ونُقل رأسه ورأس شقيقه ناصيف الى دمشق. ولم ينجُ من أفراد عائلته الا عدد قليل بينهم ابنه البكر (هوّاش) الذي كان له دور متميز في محاربة العثمانيين، في محاولة استقلالية. ولد هوّاش عام (1846) وتوفي في جزيرة رودس منفياً عام (1896) ومن الواضح أنه تابع ثورة أبيه اسماعيل على العثمانيين. وقد اعتقله العثمانيون ونفوه إلى عكا، ثم الى جزيرة رودس حيث وافته المنية. وله في رودس ضريح جليل. وقد رثاه العلاّمة الشيخ سليمان الأحمد، في عدد من القصائد، ومن إحداها الأبيات التالية:

كيف السبيل الى اللقاء ودونه   بحر طويلٌ وافر ومديدُ لله رودس بقعــة أزهـارهـا     بيض الدراري والبدور خدود إني لأبخل بالدموع لذكرها     وبنهجتي منها يشبّ وقود

الخوري ابراهيم في مدينة صافيتا ضريح لرجل جليل هو الخوري ابراهيم، الذي يشاع ان حياته قد اقترنت بمعجزات. وضريحه مشهور يقصده الزوّار من كل مكان. ولد خوري ابراهيم لوالد هاجر الى صافيتا من قرية (بهرمين) الواقعة بين نهر الاسماعيلية وبلدة (بملكة) قرب مدينة طرطوس، بسبب ظلم وقع عليه من مجاوريه . وفي عام (1835) عين ابراهيم كاهناً على صافيتا، واستمر كذلك حتى وفاته عام (1892).

الشيخ خليل النميلي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، نبغ في منطقة صافيتا الشيخ (خليل النميلي) كرجل متنوّر، قاوم العثمانيين، وكانت له أفضال وعلاقات حسنة مع (آل الحداد) في صافيتا، وهم (بشّور وجبّور وحنا) أجداد العائلات الثلاث الكبرى، المعروفة في صافيتا الى الآن. وكان والدهم (ديب بشارة الحداد) قد هاجر الى صافيتا من حوران عام (1768) وهو ينتمي الى قبيلة الغساسنة العربية المسيحية التي أقامت مملكه لها من جنوب سوريا، كانت عاصمتها مدينة (بُصرى) في سهل حوران.

الحالة الثقافية والاجتماعية يبلغ عدد سكان صافيتا اليوم قرابة أربعين ألف نسمة. وقد شهدت هذه المدينة منذ الاستقلال عام (1946) تطورات كثيرة وهامة في سائر المجالات، الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وقد قرع أبناؤها أجراس الحضارة في مدينتهم، وفي سوريا والعديد من أنحاء العالم. ويندر أن تجد أسرة في صافيتا، الا ومنها مغتربٌ او اكثر، وخاصة في الولايات المتحدة وكندا واستراليا والارجنتين ودول الخليج العربي. ومنهم علماء واطباء وحقوقيين ورجال أعمال وسياسيين مرموقين وغيرهم. وأهالي صافيتا منفتحون على ابناء وطنهم، يؤمنون بالمحبة والعيش المشترك مع الجميع. ويستحق هذا ان يكون نموذجاً يشمل كل مدينة وقرية في وطننا العربي الكبير.