“قراءة جديدة في دم جمال خاشقجي – بقلم : بكر السباتين

الجريمة ….
بقلم : بكر السباتين – الاردن ….
ورهانان وسط الضباب”
يبدو أن الصحفي السعودي الإصلاحي (المعتدل)، جمال خاشقجي قد ذهب ضحية لمواقفه الخجولة ضد تجربة بن سلمان، وخاصة أنه بات يقلق النظام السعودي بمقالاته الأخيرة التي نشرها في أهم الصحف الأمريكية حيث وجه انتقاداته الموضوعية لانتهاكات حقوق الإنسان في السعودية، وما رافق ذلك من اعتقالات غير مبررة في صفوف المعارضين السعوديين وزجهم في السجون دون محاكمات.
وكان خاشقجي (الموسوعة الحرة) قد أجبر عام 2003، بسبب مواقفه التي اعتبرتها السلطات السعودية تقدمية للغاية، على الاستقالة من منصبه كرئيس تحرير لصحيفة “الوطن”. وعاد مجدداً عام 2007، ثم غادرها عام 2010.
ارتبط خاشقجي بعلاقات غامضة بالسلطات السعودية، وعمل مستشاراً في الرياض وواشنطن، وايضا مستشاراً للأمير تركي الفيصل الذي كان مسؤولاً عن المخابرات السعودية.
وفي مقال كتبه في “واشنطن بوست” في أيلول 2017، قال خاشقجي – نقلاً عن السفير- “عندما أتحدث عن الخوف والترهيب والاعتقالات وتشويه صورة المثقفين ورجال الدين الذين يتجرؤون على قول ما يفكرون فيه، ثم أقول لكم إنني من السعودية، فهل تفاجؤون؟”
لذلك كما يبدوا فقد استوجب إسكاته بطريقة أو بأخرى، إذ تشير التقارير التركية الأولية في سياق ذلك بأن جمال خاشقجي قتل بدم بارد في القنصلية السعودية باستانبول بعد أن استدرج إليها دون أن توجه اتهامها صراحة لأحد.. فكما جاء على لسان خطيبة خاشقجي، فقد فوجئ موظفو القنصلية بالمغدور وهو يقدم طلباً للحصول على ورقة تثبت أنه غير متزوج كمتطلب لشروط الزواج في تركيا من خطيبته التركية خديجة جنكيز، وكمتطلب رسمي لاعتراف المؤسسات الأمريكية بعقد زواجه كونه يحمل وثيقة الإقامة الأمريكية (كرينكارد)؛ لذلك كانت الفرصة مواتية لاقتناصه من قبل أمن القنصلية، وذلك بترتيب موعد جديد له إلى حين اكتمال إجراءات تجهيز وثيقة الإثبات المطلوبة. فكانت المكيدة. إذ تشعبت بتفاصيلها السيناريوهات لتلتقي جميعها على احتمال تعرضه للقتل، فيما نقلت أشلاؤه في حقائب الدبلوماسيين السعوديين الخمسة عشر الذين – وفق الرواية التركية – دخلوا تركيا بطائرتين خاصتين. وسجلت كاميرات المراقبة من داخل القنصلية وخارجها دخول الوفد السعودي وخروجه من القنصلية بعد اختفاء خاشقجي، ثم مغادرته البلاد على الفور.
إخفاء الرسالة الأصلية
الأمن التركي بدوره تصرف بحنكة ولَم يصرح رسمياً بشيء قطعي أو يتهم جهة ما بعينها لكنه وعد بذلك حينما تكتمل القرائن. وقد أعطت الخارجية التركية عبر اتصالات سرية مجالاً للسعوديين كي يعيدوا المخطوف أو يوضحوا ملابسات ما جرى؛ إلا أن الطرف السعودي أنكر الأمر. ولدى استقباله لوفد من وكالة رويتر أكد قنصل السعودية بأن المغدور خرج بعد عشرين دقيقة من دخوله المبنى، حيث سمح لصحفيي رويتر بالتجول في كل أنحاء القنصلية فلم يعثروا على شيء، وكأن هذا الإجراء كاف لدحض الاتهامات التي وجهها الإعلام التركي ضد السعودية فيما يتعلق بظروف اختفاء خاشقجي. وكانت التسريبات الأمنية التركية تشير إلى أن خاشقجي قد تمت تصفيته إلى حين ورود ما يدحض ذلك، وكما قال الرئيس أردوغان بأن “التحقيقات جارية من قبل الادعاء التركي العام” الذي تجاوب مع الشكوى المقدمة من قبل خطيبة خاشقجي، مدعية في سياقها بأن المغدور كان قد دخل السفارة بعد الساعة الواحدة، وطلب منها أن تنتظره في الخارج من باب الحيطة والحذر، فيما ترك بحوزتها هواتفه النقالة وجهاز اللابتوب “ولَم يخرج من المبنى حتى اللحظة” . وكان خاشقجي قد طلب منها فيما لو تأخر عن الخروج إبلاغ الأجهزة الأمنية على الفور.
والسؤال الذي يطرح نفسه فيما لو ثبت الجرم على السعودية: ما هو الهدف من تصفيته على هذا النحو!؟ وكان بوسع المخابرات السعودية اقتناصه في أمريكا لو شاءت! هل لذلك علاقة بإحراج الموقف الأمني التركي المستهدف من قبل أجندات عدة! طبعاً المراقبون يركزون التهمة على السعودية بذريعة أن اصطياد المغدور جاء في إطار الصدفة الثمينة، وتم عمل الترتيبات حتى يصفى المغدور في الظلام وفق سيناريو معين. وكانت السعودية تنجح دائما في مثل هذه العمليات الاستخبارية كما حصل في عملية اختطاف المعارض السعودي
ناصر السعيد في بيروت عام 1979 عبر عملاء سعوديين وبمساعدة الفتحاوي العقيد أبو الزعيم ثم نقله إلى السعودية وإعدامه، وكما هو الحال في اختطاف الأمراء السعوديين في لندن ومن ثم نقلهم إلى الرياض. وبالطبع ربما يكون في السيناريو المفترض ما يستهدف سمعة تركيا.
إن حصاد جريمة “تصفية” جمال خاشقجي بلا أدنى شك سيذهب إلى منتقدي النظام السعودي من المعارضين السعوديين ومنظمات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى الصحف العالمية التي دأبت منذ استلام بن سلمان مقاليد ولاية العهد على نعته برجل الإصلاح. وأكثر من ذلك فإن هذه الجريمة النكراء ستمنح منتقدي النظام فرصة ذهبية لقراءة دم خاشقجي من أجل أن يماط اللثام عن كل جرائم النظام السعودي السابقة، والتي تم غض الطرف عنها، وخاصة ما يتعلق منها بانتهاكات حقوق الإنسان، وملف سجناء الرأي، وجرائم السعودية والإمارات في اليمن التعيس.
وتحتل السعودية المرتبة 169 على لائحة من 180 بلدا وضعتها منظمة “مراسلون بلا حدود” للتصنيف العالمي لحرية الصحافة.
وكتب كريستوف ديلوار، الامين العام لمنظمة “مراسلون بلاد حدود”، عبر حسابه على “تويتر”، انه في حال تأكد مقتل خاشقجي، فستكون “جريمة دولة.
الرهانات أخيراً ما زالت تداعب مخيلة الصحافة العالمية، بينما القول الفصل سيخرج موثقاً وفق رواية تركية رسمية ينتظرها الجميع.