كتابات ومواد دينية ….
بقلم : عبد الوهاب القرش – مصر …
للعلم والعلماء مكانة في الدين لا تنكر، وفضل كبير لا يكاد يحصر، فقد جاءت نصوص الشرع متوافرة متعاضدة تعزز من مكانتهم، وتبين فضلهم، فهم من شهود الله على أعظم مشهود به وهو توحيد الله عز وجل كما قال تعالى:{شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(آل عمران:18)، قال الإمام القرطبي: “في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء “، ويكفيهم شرفًا أن الله تعالى رفع شأنهم، فجعلهم أهل خشيته من بين خلقه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ}(فاطر:28).
لقد أبى الله سبحانه وتعالى التسوية بينهم وبين الجهلة بشريعته:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزُّمر:9)، ورفعهم الله تعالى درجات فقال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة:11).
ولما كان أهل العلم بهذه المنزلة فقد جاء الشرع بتكريمهم والحض على توقيرهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:” ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه” (رواه أحمد والترمذي).
توقير العلم والعلماء؛ من إجلال الله تعالى، وتعظيم شريعته، وامتثال أمره، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ من إِجْلَالِ الله إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فيه وَالْجَافِي عنه وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ” (رواه أبو داود)..وأخذ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بركاب أبي بن كعب رضي الله عنه فقيل له: أنت ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم- تأخذ بركاب رجل من الأنصار فقال: “إنه ينبغي للحبر أن يعظم ويشرف”.
العلماء الذين يجب توقيرهم هم الذين عرفوا بحسن القصد وصالح العمل وصحة المعتقد واتباع منهج السلف الصالح ،الذين بذلوا أعمارهم في طلب العلم ونشره وأوتوا حظاً من الورع ،الذين شهدت لهم الأمة الخيار العدول بالإمامة والتبحر وصدر الناس عن رأيهم ، فهم الأئمة الكبار حقاً وهم المعنيون بالإجلال إذا أطلق الكلام ،وكل من لديه علم ممن دونهم وقر بحسب علمه وسيره على جادة العلماء .
قال الأوزاعي : الناس هم العلماء ومن سواهم فليس بشيء .
وقال الثوري : لو أن فقيها على رأس جبل لكان هو الجماعة.
ولا خير في أمة لا توقر علمائها فالعلماء هم مرجع الأمة وبإسقاطهم ينتصر المنافقون وأعداء الإسلام وبإقصائهم يعلو شأن أهل البدعة ويستطير شرهم ، وإذا رأيت الرجل يغمز العلماء فلا ترج فيه خيراً واعلم أنه على شفا هلكة وسبيل بدعة . قال بعض السلف :” من تكلم في الأمراء ذهبت دنياه ومن تكلم في العلماء ذهب دينه “.. وفال أبو حازم في “جامع بيان العلم” : “صار الناس في زماننا يعيب الرجل من هو فوقه في العلم ليرى الناس أنه ليس به حاجه إليه ، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهى على من هو دونه فذهب العلم وهلك الناس”.
لقد أدى نهم الخليفة العباسي المستعصم بالمال وحرصه عليه إلا أن عرض الخلافة للخطر حين هددها المغول ، إذ إنه قطع عن الجنود والعلماء أرزاقهم في وقت هو أحوج مايكون إليهم فيه .
على أن شح المستعصم بالأموال على الجند في وقت حاجته لهم يقابله في الناحية الأخرى إسرافه الشديد في الإنفاق على خدمه واتباعه من الظلمة الذين يأكولون أموال الناس ، وكان أولئك الخدم من الجهال وأراذل العامة والمماليك الذين صعد بهم الزمن الرديء ، في عصر إنحلال الدولة العباسية ، فاحتكروا الثورة بينما عاش العلماء والأشراف يتضورون جوعا .
ولنضرب أمثلة تاريخية على ماجرى في أواخر الدولة العباسية ، حين أغدقت الأموال على الخدم فأصبحوا أعجوبة في الثراء ، ومنهم علاء الدين الطبرسي الظاهري ، كان دخله من أملاكه نحو 300 ألف دينار ، وكانت له دار لم ير ببغداد مثلها ، وحين تزوج دفع صداقا قدره 20 ألف دينار .. ووهب له الخليفة المستنصر ليلة زفافه 100 ألف دينار وألحقه بأكابر الدولة ، ومنحه ضيعة كانت تدر له دخلا يزيد على 200 ألف دينار سنوياً ..مجاهد الدويدار ، قيل عن أملاكه : إنها كانت ” مما يتعذر ضبطه على الحساب ” ، وفي ليلة زفافه حصل على هداية من الجواهر والذهب مايزيد على 300 ألف دينار ، وفي صباح زواجه أنعم عليه الخليفة المستعصم بــ 300 ألف دينار ، وكان إيراده السنوي من مزارعه وأملاكه أكثر من 500 ألف دينار .
وفى المقابل كان أعظم العلماء وقتها لا يتقاضى أحدهم أكثر من 12 دينار شهرياً فحسب !! وذلك هو المرتب الذى كان يأخذه علماء المدرسة المستنصرية !!.
وابن القوطي وابن الساعي أشهر مؤرخي هذا العصر كان كلاهما يأخذ راتباً شهرياً قدره عشرة دنانير !! فأين أولئك من شيخ الفراشين في قصر الخليفة ؟ ! .
وفي ذلك الوضع المقلوب لابد أن تكتمل الصورة المقيتة لأي أمة أو دولة أو إمبراطورية على وشك السقوط بغض النظر عن اللافتة التي ترفعها ، سواء كانت هندوسية أو بوذية أو نصرانية أو يهودية أو إسلامية ، فهل بعد أن يظلم العلماء ويبخس حقهم وهم الذين رفعهم الله وجعلهم درجات نأمل بأن تقوم لأي أمة أو دولة قائمة.
يقول الغساني صاحب ” العسجد المسبوك ” :” الملك قد يدوم مع الكفر لكن لا يدوم مع الظلم..”.