عظمة الأنبياء وتصنع العظماء- قلم : عبدالوهاب القرش

دراسات ….
قلم : عبد الوهاب القرش
تجمع السيرة النبوية عدة مزايا تجعل دراستها متعة روحية وعقلية وتاريخية، كما تجعل هذه الدراسة ضرورية لعلماء الشريعة والدعاة إلى الله والمهتمين بالإصلاح الاجتماعي، ليضمنوا إبلاغ الشريعة إلى الناس بأسلوب يجعلهم يرون فيها المعتصم الذي يلوذون به عند اضطراب السبل واشتداد العواصف، ولتتفتح أمام الدعاة قلوب الناس وأفئدتهم، ويكون الإصلاح الذي يدعو إليه المصلحون، أقرب نجحا وأكثر سدادا. ونجمل فيما يلي أبرز أربع مزايا السيرة النبوية.
أولها : توافر المعلومات التفصيلية، الصحيحة عن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مراحل حياته جميعها، فليست في هذه السيرة التي استمرت ثلاثة وستين عاماً حلقة مفقودة، وليس فيها كذلك أي من علامات الاستفهام، التي مرت بنا عند الحديث عن بعض من سبقه من العظماء.
لقد اتفق كل من قرأ في سيرته، بإنصاف – وأنا منهم – ،على أنه كتاب مفتوح، أمام أتباعه، وأعدائه، على حد سواء.
من أبرز مظاهر هذا الوصف، أن الباحث لا يكاد يجد علامة استفهام في سيرته كلها، وفي أخص خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو فتحنا فهرسَت أصغر كتاب، حول جانب من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لنقف على بعض ما احتواه من تفصيلات، فنكاد نمِل هذه التفصيلات، هذا الكتاب هو (أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)، تأليف جعفر بن حيان الأصفهاني، المتوفى سنة 369هـ، الموافق 952م تقريباً.
تضمن هذا الكتاب، وصفاً دقيقاً لجميع قطع ملابس النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ووصفاً لجميع الأدوات التي كان يستعملها، ووصفاً دقيقاً لطريقة أكله، وشربه، ونومه، ودخوله، وخروجه، وجلوسه، وكلامه، وضحكه، وبكائه، وحواره وتعامله مع الناس.
وكذلك تضمن وصفاً دقيقاً مفصلاً لجميع أعضاء جسمه الظاهرة لأصحابه، وتضمن حديثاً عن الحيوانات التي كان يركبها، وأسماء هذه الحيوانات، وغير ذلك مما لا يتسع المقام له.
لم ينفرد بهذه المعلومة كتاب أو كتابان، بل إنها تكررت في مئات الكتب الموثوقة والمشهود لأصحابها بالمنهجية العلمية والصدق والنزاهة ، وهو ما يؤكد بحق أننا أمام شخصية تُعد كتاباً مفتوحاً بكل صفحاته.
ويحسن في هذا المقام أن نستعين ببعض شهادات الباحثين الغربيين ممن اعتنوا بالكتابة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد قال (ر. ف بودلي) الباحث الإنجليزي المعاصر: “إننا نجد أن قصة محمد واضحة كل الوضوح”.
فقد قال التاريخ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كلمته، بعيداً عن الأساطير، والتزوير، واستأنس في هذا الموطن بقول للأستاذ كلود كاهن، أستاذ التاريخ الإسلامي، في جامعة باريس، حين قال: “اصطبغت شخصية محمد بصبغة تاريخية، قد لا تجدها عند أي مؤسس آخر من مؤسسي الديانات الأخرى”.
لقد عاش النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، ما يزيد على خمسين عاماً، وهي الشطر الأكبر من حياته، وكان أعداؤه فيها أضعاف أتباعه بكثير، ولم يجرؤ أحد من أعدائه أن يشكك في شيء مما تضمنته صفحات حياته، أو يدعي أحدهم أن في حياته صفحات غير واضحة.
لقد سجل لنا التاريخ محاورة مشهورة جرت بين أبي سفيان زعيم مكة خصم النبي محمد صلى الله عليه وسلم المشهور قبل أن يُسلم، وبين هرقل عظيم الروم، لم يستطع أبو سفيان، أن يزوِّر فيها شيئاً من الحقائق، أو يغيِّر فيها بعض المعلومات، خشية أن يسجل عليه التاريخ أنه كذب أمام هرقل عظيم الروم. لأن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم الحميدة ، كانت أشهر من أن تحرف، أو يتستر عليها.
ثانيها : كثرة الكتب، التي ألفت في سيرته، على مدى 1400 عام، فإنها تعد بالمئات. يقول المؤرخ الكبير (ول ديورانت) في كتابه قصة الحضارة: “إن ما يروى عن محمد من القصص ، قد ملأ عشرة آلاف مجلد “.
سوف يجد، المتتبع لهذه المؤلفات، أنها كتبت في أزمنة مختلفة، وفي بيئات مختلفة، ومن أشخاص مختلفين، وبمناهج مختلفة، ولكنها تكاد تجمع كلها، على ما تضمنته من معلومات.
وإن كان من خلاف بينها، فهو في الصياغة، وفي الإيجاز، والإطناب، وفي التحليل، وموقف المؤلف من هذه المعلومات، وهي مسألة اجتهادية لا إشكال فيها غالباً.
ثالثها : كثرة أتباعه، المحيطين به، فقد ذكرت لنا الكتب المعتمدة، في علم الرجال، والتي تلقاها الناس بالقبول، أنه صاحب النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قرابة عشرة آلاف صحابي، وهم ولا شك متفاوتون في هذه الصحبة، من حيث مدتها ، وطبيعتها.
لقد كان من حسن الحظ، أن أنس بن مالك رضي الله عنه رضي الله عنه، الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات متواصلات، كان آخر أصحابه موتاً، فقد ثبت أنه مات سنة 93هـ ، فيكون قد عاش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قرابة 80 سنة، كما أن زوجته السيدة عائشة أكثر الناس قرباً منه، عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم قرابة 45 سنة، فإنها توفيت سنة 58 هـ..وكذلك ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وكان مقرباً منه، فقد عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم 55 سنة، فقد توفى سنة 68هـ ، وغير هؤلاء كثير، فقد أتيحت لهم الفرصة لينقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم كل ما حفظوه عنه، ورأوه منه، هم وغيرهم، ممن تجاوز عددهم الآلاف.
مما لا شك فيه، أنه كان حوله أعداد كبيرة جداً، يرقبون كل صغيرة وكبيرة في سيرته، حتى في أخص خصائص الرجل مع زوجته، فقد نقلت لنا زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم كيفية غسله بعد لقاء زوجاته، وكيفية نومه.
لقد نقلت هذه التفصيلات بأحاديث ذات أسانيد متصلة موثوقة، كان لها الفضل في إزالة أية علامات استفهام .
وقف على هذه الحقيقة، أستاذ الحضارة الإسلامية، الأستاذ (هاملتون جب)، فقال:”لولا الحديث لأصبح لمحمد في أقل تقدير صورة معممة – إن لم نقل بعيدة – في أصولها التاريخية، والدينية، أما الحديث فقد صور وجوده الإنساني، في مجموعة وفيرة من التفصيلات الحية المحسوسة “.
وهو ما دفع أيضاً الباحث (لورا فينسيا فاغليري) إلى القول، وهو يتحدث عن الحالة الاجتماعية للأنبياء:” يبدو أننا لا نعرف تفاصيل الحياة اليومية، لموسى، وعيسى، على حين نعرف كل شيء عن حياة محمد العائلية “.
وهذا مونته أستاذ اللغات الشرقية، في جامعة جنيف، يدلي بشهادة مماثلة فيقول: “ندر بين المصلحين من عرفت حياتهم بالتفصيل مثل محمد”.
إن مما يعين على تقبل هذه المعلومات، والثقة بها، أنه نقلها غير واحد، وفي ظروف مختلفة، في ضوء علم الإسناد، وعلم نقد الرجال، الذي لم تعرف البشرية لهما مثيلاً.
والحق أقول: أنا لا أزعم أن لدي إلماماً واسعاً بهذين العلمين، ولكن المطلع على معالم هذين العلمين، يقف مذهولاً أمام هذه الدقة والحيادية التي تميز بها، واضعو هذين العلمين.
ويحسن التذكير في هذا المقام أن العرب وهي الأمة التي ينتمي إليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، مشهود لها بقوة الحفظ بين الأمم، وهذا على سبيل المثال المؤرخ الكبير جورجي زيدان، يشهد للعرب بقوة الحافظة، ويقول إنهم حفظوا إلى جانب أخبارهم، أخبار الأمم السابقة لهم، كأخبار قوم عاد، وقوم ثمود ، فكيف بأخبار نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أحبهم وأحبوه، حباً لا يعرف التاريخ له مثيلاً.
رابعها : أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم وضع لأتباعه منهجاً علمياً، دقيقاً، في نقل المعلومات، فقد حذَّر من الكذب، بخاصة في نقل الأخبار عنه، فقال لأصحابه “من كذب عليَّ فليتبوأ
مقعده من النار”، وهذا وعيد شديد، وتوجيه سديد، من النبي صلى الله عليه وسلم لأتباعه، لتوخي الدقة في نقل المعلومات، والاعتماد على ما ثبت منها، دون ما كان من باب الظنون التي حذَّر منها أيضاً . فقال “إن الظن أكذب الحديث”.
الحقيقة الخامسة التي يكتمل بها عقد هذه المسوغات، تلكم هي طبيعة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن الناظر في صفحات هذه السيرة، يرى فيها الواقعية، ماثلة للعيان، يسهل على أي إنسان تفهمها، وقبولها، والتخلق بها، إن شاء دونما شعور بحرج، أو معاكسة لفطرة، كما هو حاصل ومشاهد مع مئات الملايين من المسلمين أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
في حين أن هذا يتعذر على أتباع (بوذا) مثلاً، وهم يعدون بمئات الملايين، فإن من المعلومات القليلة التي وصلتنا عن (بوذا)، أنه كان أميراً يعيش في قصر، ولديه زوجة، وولد، فهجر قصره، وترك زوجته وحيدة، وترك ابنه كذلك، وهام على وجهه في الصحارى، والغابات، إلى أن مات زاهداً وحيداً.
هل تنتشر ثقافة الزهد هذه التي ارتضاها (بوذا) لنفسه، بين تلك الشعوب التي تؤمن به، وهم الصينيون، واليابانيون، والكوريون، لقد أقاموا دولاً صناعية عملاقة، مما يعني أن لا أحد منهم تقريباً يفكر في إحياء هذا المبدأ، أو حتى مجرد التفكير به، وهم على صواب ولا شك، لأنها مبادئ يؤدي اتباعها إلى تعطيل الحياة، والعودة بالبشرية إلى القرون البدائية.
لقد وقفت على عبارة نقلت عن (بوذا)، لا أود أن يقرأها عني أتباعه في هذه الدول الصناعية الكبرى دفعاً للإحراج، يقول فيها بوذا “شريعتي نعمة للجميع، فهي كالسماء فيها مكان لكل الناس إلا أنه يعسر على الغني أن يسلك طريقها”.
كما اشتهر عن السيد المسيح عليه السلام، دعوته إلى التسامح، والعفو، والحلم، فقد نقل عنه، قوله وهو يعظ أتباعه :”سمعتم أنه قيل عين بعين، وسن بسن، وأما أنا، فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن، فحوِّل له الآخر أيضاً، ومن أراد أن يخاصمك، ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضاً، ومن سخَّرك ميلاً واحداً، فاذهب معه اثنين، ومن سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده.
سمعتم أنه قيل: تحب قريبك، وتبغض عدوك، وأما أنا، فأقول لكم: “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم، ويطردونكم”.
هل تلتفت أي من الدول الغربية أو الشرقية، بلا استثناء إلى هذه التعاليم، أو تفكر في يوم من الأيام بالعمل بجزئية منها، ولو مرة واحدة في تاريخها الطويل، بخاصة مع خصومها، سؤال يوجه إلى التاريخ القديم والحديث ليجيب عنه؟!.
إن تعاليم المسيح عليه السلام هذه، لا تعيبه، ولا ينبغي لأحد أن يوجه إليه نقداً بسببها، كلا وألف كلا، لأنها صدرت عن المسيح عليه السلام في ظروف خاصة، ولمعالجة أوضاع خاصة، فهي تعاليم تعد بنت بيئتها، وقد نجحت في حينها، من الحد من سطوة الظلم، والانتقام، وفي محاصرة الشر في بني إسرائيل، الذين بعث فيهم المسيح عليه السلام.
كما حاول المسيح، أن يوجد توازناً في المجتمع الروماني، الذي عاش فيه، إذ إن ثقافة هذا المجتمع كانت تعنى بالجسد فقط على حساب العاطفة، فقد كانت ثقافته حربية دموية، وهو ما دفع السيد المسيح عليه السلام إلى أن يسلك هذا المسلك، الذي كانت الأوضاع تدعو إليه بشدة، ولهذا لم يستوعب أتباع السيد المسيح عليه السلام هذه التعاليم، وتعذر عليهم العمل بها.
يقول العلامة محمد جميل بيهم:”لما تفاقمت الفوضى الأخلاقية، قبل ظهور المسيح، واستفحل أمرها من جراء الفساد، الذي شمل الشعب اليهودي والروماني على حد سواء .. جاء المسيح مُصلحاً اجتماعياً لا مشرعاً لأن اليهود والرومان لم يكن ينقصهم تشريع، ولهذا اقتصرت دعوته بالحث على الفضائل والتحذير من الرذائل، وحضهم على المحبة والسلام”.
وفي نفس هذا المقام يقول العلامة الأستاذ سليمان الندوي، حين قسَّم الفضائل قسمين، قسماً سلبياً، وقسماً إيجابياً:” إن اعتزال الناس خلق سلبي، لأن صاحبه لا يؤذي أحداً منهم، ولكنه لا يقدم لهم خيراً، كما أن العفو عن أخطاء الناس خلق سلبي كذلك، فإنه لا يتضمن خيراً، كالنصح، ونصرة المظلوم، وهو ما يبدو في الأخلاق التي وردت عن كثير من المصلحين السابقين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ..وهي في الحقيقة،أخلاق تفتقد للشمول، والتوازن، وهما ميزتان ظاهرتان في أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو ما سأعرض له بعد استراحة قصيرة جداً”.
يتميز العظماء بميزة واحدة لكل منهم، بها عُرف، ومن أجلها احترمه الناس، ومنها جاءت شهرته. فالمسيح عليه السلام كان متسامحاً، وبوذا كان زاهداً، والإسكندر المقدوني كان قوياً، وأرسطو كان فيلسوفاً، ولم يعرف أن أحداً منهم برز في صفة أخرى.
بيد أن ما يسترعي الانتباه بحق، هو اجتماع هذه الفضائل كلها في شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم وغيرها كذلك.
إن من ينظر في سيرة هذا النبي، ويقلب صفحات سيرته، لن يعجز عن الحصول على أدلة قاطعة، تؤكد هذه الحقيقة ..كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، وأكثرهم حلماً، وكان أكرم الناس، وأكثرهم زهداً، وكان رحيماً، عادلاً، عفوَّاً، صادقاً، عفيفاً، أميناً، وكان مهيباً، وكثير التبسم، متواضعاً، وكان صلباً في الحق، وفي الوقت ذاته أشد حياءً من فتاة بريئة.
إن نظرة تأملية تحليلية لهذه الأخلاق، التي اجتمعت في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم تبين بجلاء، أن العظمة إنما تكون حين تجتمع الأخلاق كلها في شخص واحد، لأن القيم المجزأة، لا يمكنها أن تصنع عظيماً، ولا أن تسهم في سعادة البشرية..يقول بعض علماء الأخلاق، “من أن كل خلق يقوى بغيره من الأخلاق”.
عندما يتحقق هذا في شخصية ما – وقد تحقق في النبي محمد صلى الله عليه وسلم – يبرز من بين هذه الأخلاق، خلق يعرف به الشخص أكثر من غيره، وهذه حقيقة أقرها علم الأخلاق أيضاً، وفي هذا يقول العلامة محمد عبد الله دراز: “إنه يجب أن تمارس النفس الإنسانية جميع القيم، قبل أن تتخصص في واحدة من بينها”، دون أن يطغى هذا الخلق على غيره من الأخلاق الأخرى فيضعف أثره، ويقلل مكانته حتى تبقى كلها في أعلى درجاتها، وأكمل أوصافها.
لقد بحث علماء الأخلاق هذا الموضوع، وكان مجمل قولهم في هذه الدوافع، إنها المنفعة المادية، أو السعادة الشخصية، أو البيئة، أو الضمير، أو القوة.
الحق أقول:إن الدافع الكامن وراء تخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم بكل هذه الأخلاق التي سبق عرضها بإيجاز هو (النبوة)..ذلك أن الله تعالى، يتصف بصفات الكمال، كالرحمة، والكرم، والرأفة، والعزة، والمغفرة. والنبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تخلقاً بأخلاق الله تعالى . فالخلق النبوي لا اعتبار فيه لأمر دنيوي، كمنفعة شخصية، أو تأثر ببيئة، أو تغير أحوال.. ولقد أدرك (ر. ف . بودلي) هذه الحقيقة، دون أن يذكر سببها، حين قال: “أشك فيما إذا كان هناك رجل غير محمد تبدلت أحواله الخارجية، ذلك التبدل العظيم، ولم تتبدل نفسه”.
يسهل تفهم هذا الثبات، حين نستحضر أن هذه العظمة بكل مظاهرها، هي من فيض النبوة، فإننا وإن كنا نقر ونعترف، بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة إنساناً نبيلاً، ذا أخلاق كريمة، سامية، إلاَّ أن بروز عظمته، المتمثلة في اجتماع كل الأخلاق الفاضلة في شخصه بتوازن فريد من نوعه، كانت بسبب النبوة.
لعل هذا الذي تقدم، يفسر لنا أيضاً، لمَ كانت أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم أخلاقاً باقية، دائمة على مر الدهور، حاضرة في كل زمان، صالحة لكل مكان، فهي لم تكن للعصر الذي نشأت فيه، ولم تختص بالفئات التي كانت تعنيها أول الأمر، ولم تكن وليدة بيئة النبي صلى الله عليه وسلم ..لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يمارس هذه الأخلاق بأفعاله، أكثر من أقواله، وهو ما جعلها قريبة من الناس، مألوفة لديهم، ممكنة التطبيق.
———————————–
د/عبدالوهاب القرش
المراجع:
– صحيح البخاري، ط2، 2000م، دار السلام ، الرياض
– الرسول حياة محمد، ر. ف. بودلي ، ترجمة: محمد فرج وعبد الحميد السحار، بدون طبعة،مصر.
– الرسول صلى الله عليه وسلم في عيون غربية منصفة، الحسيني الحسيني معدي، ط1، 2006م، دار الكتاب العربي ، دمشق والقاهرة.
– دائرة المعارف، المعلم بطرس البستاني، دار المعرفة، بيروت.
– إنجيل متى ، طبعة بيروت، 1968م
– الرسالة المحمدية، سليمان الندوي، ترجمة: محمد الندوي، ط3، 1973م، مكتبة دار الفتح، دمشق.
– من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ، د. أحمد محمد الحوفي، بدون طبعة، دار نهضة مصر.
– الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة، محمد سعيد الشيافي، ط1، 1988م، دار الحضارة ، بيروت.