منوعات …..
بقلم : سعيد مقدم ابو شروق – الاهواز ….
نادتني أمي:
سعيد، سعيد، أستاذ محسن ذهب بسيارته، اركب الدراجة النارية والحق به قبل أن ينفد الدجاج.
سألتها: أي رقم؟!
قالت: لا أدري، خذ بطاقات التموين كلها معك.
وحذرني أبي أن لا يسرقنها منك أحد فنبقى بلا مؤونة في ظل هذا الفقر والغلاء في السوق السوداء!
بدلت ملابسي بسرعة وركلت مشغل الدراجة بقوة فقعرتْ بصوت مزعج تأذى منه سابع جار، وناولتني أمي أوراق البطاقات وأسرعت وراء الأستاذ محسن.
كانت الحرب لم تزل مشتعلة تأكل الأخضر واليابس من الطرفين، ومعظم الميزانية تذهب إلى شراء السلاح الفتاك ليقتل الجنود المسلمون جنودا مسلمين مثلهم!
الفرق بينهم هي اللغة ولا شيء آخر؛ هذا إيراني يتكلم الفارسية، وذلك عراقي يتكلم العربية.
وبسبب تلك الحرب الكافرة نزحنا من بيوتنا، ولم نرجع إليها إلا بعد عقد لنجدها مدمرة!
وبسبب تلك الحرب مات أخي الأصغر إثر المياه الملوثة التي كنا نشربها من نهر القرية.
وبسبب تلك الحرب اللعينة أمسى كل شيء من البيض والدجاج إلى اللحم والزيت والخضروات، يشترى ببطاقات التموين!
وبين الفينة والأخرى يعلنون رقما من البطاقات يستلم الناس به موادا غذائيا ما، وبسعر رخيص.
وبين يوم ويوم يصطف الناس في طوابير طويلة لساعات ينتظرون دورهم في تذمر ليستلموا علبة زيت، أو دجاجتين، أو قطعة لحم!
وكم حُرمت من نوم الفجر اللذيذ وأنا أخرج قبل أذان الفجر لكي أتقدم الطابور الذي ما إن تشرق الشمس حتى ينضم إليه المئات من النساء والرجال؛ وبينهم أطفال وشيوخ!
وأمامك طريقان لتعرف أي رقم أعلن لأي مواد: تتابع المذياع في ساعات بث الأخبار، أو يشيع الخبر بين الجيران.
وبما أن أهلي لا يعرفون من اللغة الفارسية شيئا، وأنا مشغول بالدراسة، كنا نسمع الخبر من الجيران.
ولم تسمع والدتي ما قاله الأستاذ محسن جيدا بسبب عجلته، لا الرقم المعلن ولا عنوان المحل الذي يوزع المواد، ولهذا تبعته مسرعا!
وأين سرعة الدراجة النارية من سرعة السيارة؟! خاصة وأنه سبقني بدقائق.
كان الأستاذ محسن يضغط على البنزين ويبتعد عني، وأنا بدل أن أراقب طريقي كانت عيناي تتابع سيارته! فإن ضيعته، أين أجد المحل الذي يوزع (اللا أدري)؟!
وفجأة غابت عني سيارة الأستاذ محسن بعد أن رأيتها طارت في السماء! أو أنا الذي طرت من دراجتي!
فتحت عيني لأجدني في المستشفى!
كان عظم ساقي اليسرى قد انفطر، ورأسي فيه بعض الشقوق؛ جبسوا رجلي، وخيطوا جروح رأسي، وأرسلوني إلى البيت.
كان السائق الذي عرض أمامي بسيارته فسبب الحادث خائفا، لكنني طمأنته بأن أهلي ليسوا من النوع الشرير الذين يصعبون القضايا؛ وكنت محقا، قال له أبي عندما وصلنا:
هذا حادث، وأنت غير متعمد.
وبقيت جليس البيت أسبوعا كاملا ألعن الحرب التي سببت لي هذا الحادث. نعم، ليس السائق ولا الأستاذ محسن؛ إنها الحرب.
\