كتابات ومواد دينية (:::)
بقلم : السيد محمد المسيرى – مصر (:::)
تتسم الهجرة النبوية فى واقع أمرها , وحقيقة وجودها بالتخطيط الإلهى لثلاثة عشر عاماً , وبالتنظيم الفعلى , والتخطيط العملى فى تنظيم فى توجهاتها , وإنتشار رسالتها فى مختلف أرجاء العالم لكونها فاتحة خير فى الفتوحات الإسلامية التى بها أثارت الطريق أمام عباد الله المسلمين حيث أقاموا حضارتهم الإسلامية التى أخرجتهم من ظلمات العصور الوسطى إلى الإشعاعات النورانية التى حملت فى مكنفها لواء التقدم والرقى فى شتى المجالات الحياتية الدنيوية , والتى إمتدت من المحيط الهندى شرقاً إلى المحيط الأطلنطى غرباً . لذا , فالقيم الحضارية للهجرة كثيرة ومتعددة , لكن أشير هنا فى هذه السطور إلى أهمها فى الآتى :-
1- العلم والمعرفة :-
لقد حث الإسلام المسلمين على الإهتمام بالعلم وجعله فريضة عليهم . ويقصد به كل علم نافع ينتفعون به لكى يعلو شأنهم , ويسمو قدرهم , ويترابط أواصرهم , ويتبؤوا بفاعليته أعظم المنازل المتقدمة بين أمم وشعوب العالم من أجل أن يصلوا إلى المعرفة فى أبهى صورها , وأنماطها أينما وجدت . فى هذا الشأن يقول الله تعالى “قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب” سورة الزمر , آية 9 (1) . ويقول الله عز وجل فى آية أخرى “اقرأ باسم ريك الذى خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذى علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم” سورة العلق , الآيات من 1 إلى 5 (2) . ويقول الله جل ثناؤه أيضاً “وقل ربى زدنى علما” سورة طه , آية 114 (3) .
2- العقل والهداية :-
لقد أقام الإسلام منهجه فى تحرير العقل والهداية على دعائم ثلاثة تكمن فى التالى :-
*- تحرير الإنسان من الإنحلال العقلى , ومن هيمنة التبعية , وتربيته على حرية الفكر , وإستقلال الإرادة لكى يكمل بذلك عقله , ويهتدى به فكره , وتكتمل إنسانيته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما اكتسب رجل مثل فضل العقل يهدى صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى , وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله” وبالتالى , فحرية الفكر إذن هى بمثابة النبراث الفعلى للعقل وهدايته .
*- تحرير الإنسان من الجهل لكون هذا الجهل يقضى بالفعل على مواهب الفكر , ويدمس نور القلب , ويمحق وجدان النفس , ويعمى بصائر الدين . ويفسد مناهج التدين . فالجهل والجاهلين جاء فى مواطن كثيرة من القرآن الكريم إذ يقول رب العالمين “أفحكم الجاهلية يبغون” سورة المائدة , آية 50 (4) . كما يقول الله جل ثناؤه أيضاً “ولكنى أركم قوماً تجهلون” سورة الأحقاف , آية 23 (5) .
*- تحرير الإنسان من طاعة الأهواء لكون هذه الطاعة من أخطر ركائز إنحراف الإنسان فى سلوكياته , وفى إنكاره , وفى عقائده , وتدينه . وبشأن ذلك , يقول الله عز وجل “أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم” سورة محمد , آية 14 (6) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به : ثلاث مهلكات : شح مطاع , وهوى متبع , وإعجاب المرء بنفسه” .
-(2)-
3- الصبر على إبتلاء الشدائد :-
لقد أجزل الحق تبارك وتعالى للطابرين الأجر والمثوبة . وجعلهم من صفوة خلقه لكونه يحب الصابرين . ولذلك , لم يهاجر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه , وأصحابه , والمؤمنين برسالته النبوية إلا بعد تزايد متاعب , وتعذيب , وتكذيب المشركين , وفرض حصارهم الإقتصادى بحيث لا يشترون ولا يبتاعون أى شئ منهم من أجل إعاقة نشر دعوتهم الإسلامية . إلا أن كل هذا البلاء الشديد الذى أصابهم فى جوهره لم يوهن شأنهم , ولم يزلزل بنيان أواصرهم , بل أدى صبرهم هذا إلى التضحية بأنفسهم , وبأموالهم , وأولادهم , وأوطانهم من أجل رفع مسيرة دعوتهم .
لذا , يقول رب العزة سبحانه وتعالى “إنما يوفى الصابرين أجرهم بغير حساب” سورة الزمر , آية 10 (7) . وبقول أحكم الحاكمين أيضاً “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون” سورة آل عمران , آية 200 (8) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما يصيب المؤمن من نصب ولا سقم ولا حزب حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته” رواه مسلم (9) . قيل : يا رسول الله أى الناس أشد بلاء؟ قال : الأنبياء : ثم الأمثل , فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه . فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشى على الأرض وما عليه خطيئة” رواه ابن ماجة والترمذى (10) .
4- التحفيز المادى والمعنوى :-
يعدان هذان التحفيزان من القيم الحضارية الأصلية للهجرة المشرفة لكونهما يتصلان بحياة الأفراد , والبعض الآخر يتصلان بحياة الجماعات . وفى هذا الخصوص يقول أصدق الصادقين “وإن لك لأجر غير ممنون” سورة القلم , آية 3 (11) .
5- التخطيط :-
إنه بناء على التخطيط المحكم فى الأداء , والتنفيذ الذى إنتهجه الهادى البشير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى هجرته من مكة إلى المدينة , وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم , وأتباعه من المسلمين أن انطلقت إشعاعات الدعوة الإسلامية , وإنتشرت أنوارها فى أرجاء المعمورة , وطبقوا ما تعلموه من بينهم الصادق الأمين صاحب الدعوة الخاتمة . وكان هذا فى مضمونه من أسمى هذه القيم الحضارية لهذه الهجرة , لإقامة صرح أمتهم الشاملة . وحتى يحققوا ذلك , عاهدوا الله تعالى بالجهاد فى سبيله من أجل نشر دعوته , والإمتثال إلى أوامره , والإنقياد إلى أفعاله , والإبتعاد عن نواهيه إمتثالاً إلى قوله تعالى “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ” سورة الأحزاب , آية 23 (12) .
6- المؤاخاة :-
تكمن هذه المؤاخاة فى مؤاخاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأوس والخزرج بعد عداوة إستمرت عدة سنين . ومؤاخاته أيضاً بين الأنصار والمهاجرين . ودعم هذه الأخوة الصادقة بالإيمان وبكتاب الله المبين وترتب على أثر ذلك , أن توكد الصدق , وترسخت الألفة , وعمت المودة والألفة والتراحم . ومن ثم , استحقوا تأييد رب العزة سبحانه وتعالى تصديقاً لقوله جل شأنه “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويأتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله . إن الله عزيز حكيم . وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم” سورة التوبة , آية 71 وآية 72 (13) . وبخصوص هذه المؤاخاة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ترى المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا إشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (14) .
-(3)-
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً المسلم أخو المسلم , لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره , التقوى ههنا , ويشير إلى صدره ثلاث مرات , بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم , كل المسلم على المسلم حرام , دمه , وماله , وعرضه ” (15) .
7- بناء مسجد الرسول :-
يعد بناء هذا المسجد من أجل القيم الإيمانية لهذه الهجرة لكونه رمز الطهارة , وللعبادة , وللطاعة , وأكبر جامعة إسلامية لتبصير المسلمين وأبنائهم بأمور دينهم ودنياهم لكونه نور الله تعالى فى الأرض إذ يقول أحكم الحاكمين “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكون من المهتدين” سورة التوبة , آية 18 (16) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن عمار بيوت الله هم أهل الله عز وجل” رواه الطبرانى (17) . وبالتالى , فبناء مسجد الرسول صلوات الله وسلامه عليه فى المدينة هو بمثابة ميلاد جديد لقيام الدولة الإسلامية .
الخلاصة
نستخلص من السابق إلى أن القيم الحضارية للهجرة المشار إليها متقدماً هى قيم راسخة عبر الزمان والمكان لإستمدادها من دستور المسلمين الذي يعرف بالقرآن الكريم , ومن سنة الهدي النبوي الشريف لكونها مناراً إسلاميا ساطعا أنارت بموجبها سائر مشارق الأرض ومغاربها , وأنقذت العالم من الجهل , والظلام , والتناحر إلي طريق الحق , والعدل , والنور . وأعطت له حضارة جديدة تقوم علي عقيدة التوحيد , والتعاون , والمساواة , والحرية , والتكافل , والتراحم , والتعايش الإنساني بين البشر أجمعين .
لذا , ينبغي علي المسلمين في كل دول العالم أن يتدارسوا هذه القيم الحضارية الأصيلة لهذه الهجرة , وأن يهاجروا الفرقة , والإختلاف الذي ينتهزها أعداؤهم من الصهاينة والغرب بزعامة الولايات المتحدة . ومن هنا يعملون بكل مخططاتهم الصليبية من أجل القضاء عليهم , وعلي أوطانهم , وعلي المسجد الأقصي , وعلي الإشكالية الفلسطينية برمتها , وعلي مرجعياتها القانونية والدولية من مضمونها ويتخذون في نفس الوقت الأمة العربية والإسلامية سبيل لتحقيق مآربهم في استعادة الصليبين هيمنتهم عليهم , وعلي العالم . كما ينبغي علي المسلمين أيضا أن ينبذوا بدع , وخرافات الخوارج , والغلو , والتشدد , والتطرف والتكفير , وإثارة الفتن التي يثيرها أصحاب الفكر الضال , والإعلام المشبوه الفاسد لبعض القنوات الفضائية , والإرهاب الأسود الدامي الذي يزهق أرواح الأبرياء , ويدمر المنشآت المدنية والحيوية , ويثير الرعب , وعدم الاستقرار في الكثير من أوطاننا كما نري ونشاهد علي أرض الواقع , ويرجع سبب كل ذلك إلي إنحرافهم عن طريق الله المستقيم , ومن ثم , لابد من عودتهم مرة أخري إليه لكونه في نهاية المطاف الطوق النجاتي لوحدتهم , والله المستعان , وهو حسبنا ونعم الوكيل .
————————–
-(4)-
الهوامش
1- سورة الزمر , آية 9 .
2- سورة العلق , الآيات من 1 إلى 5 .
3- سورة طه , آية 114 .
4- سورة المائدة , آية 50 .
5- سورة الأحقاف , آية 23 .
6- سورة محمد , آية 14 .
7- سورة الزمر , آية 10 .
8- سورة آل عمران , آية 200 .
9- رواه مسلم .
10- رواه ابن ماجة والترمذى .
11- سورة القلم , آية 3 .
12- سورة الأحزاب , آية 23 .
13- سورة التوبة , آية 71 وآية 72 .
14- صحيح مسلم : باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم , 2/321 , وصحيح البخارى : كتاب الأدب “باب الساعى على المسكين 2/889 .
15- صحيح مسلم : كتاب البر والصلة , باب تحريم ظلم المسلم وخذله .
16- سورة التوبة , آية 18 .
17- رواه الطبرانى .