القيم الإيمانية للهجرة – بقلم : السيد محمد المسيري

كتابات ومواد دينية
بقلم  – السيد محمد المسيري – مصر
تعد القيم الإيمانية للهجرة النبوية الشريفة من أسمي منعطفات التاريخ في حياة عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لخلودها عبر الزمان والمكان , ولنصر رب العزة سبحانه وتعالي لرسولهم الكريم الصادق الأمين محمد صلي الله عليه وسلم , ولإقتدائهم به في حسن التخطيط , ودقة التنظيم , وأداء التنفيذ من أجل إعلاء شأنهم , ولرفعة قدرهم , ولبناء كيانهم , ولإيثار مؤاخاتهم , ولشد أذرهم , ولتعميق تفاعلهم , ولقيام حضارتهم . لذا , فالقيم الإيمانية التي تقوم عليها هذه الهجرة المطهرة التي بموجبها تبصر , وتنور , وترشد , وتهدي بها سائر المسلمين في حياتهم الدنيوية والأخروية هي التالية :-
1- الصبر علي المصائب :
أجزل الله تبارك وتعالي الصابرين  الأجر الكبير , وجعلهم من صفوة خلقه الكرام ومحبيه لكونه يحب الصابرين ولكون هذا الصبر هو في حد ذاته بموجب ثبات للقلوب , وتحمل للمصائب عند إحلالها , ومقابلتها بالرضا , ولكونه أيضاً نصف الإيمان فيقول أحكم الحاكمين في محكم آيات كتابه الحكيم “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وهاجروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تتقون” سورة آل عمران , آية 200 … ولذلك , يعد الصبر من أهم منعطفات تكوين وإعداد الهجرة حيث صبر رسول الله صلي الله عليه وسلم , وأتباعه من المؤمنين علي تكذيب المشركين وما ضربوه عليهم من حصار ترتيب عليه سواء أحوالهم المعيشية والإقتصادية , وأمر رسول الله صلي الله عليه وسلم لأتباعه من المسلمين بالهجرة إلي الحبشة , وإلي يثرب وبشأن ذلك يقول رب العالمين “ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا علي ما كذبوا وأوذوا حتي أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين” سورة الأنعام , آية 34 . ويقول الله جل ثناؤه “واصبر علي ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً ” سورة المزمل , آية 10 , ويقول المولي عز وجل أيضاً ” فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب ” سورة آل عمران , آية 195.
2- النصر الرباني للرسول :
نصر رب العالمين رسوله الأمين صلي الله عليه وسلم , وأصحابه الكرام من أيدي المشركين , ويكمن هذا النصر في خروج خاتم المرسلين محمد صلي الله عليه وسلم من بيته صباح الهجرة
-(2)-
بالرغم من تشديد حصار مشركي مكة بيته من أجل أن يقتلوه بضربة رجل واحد لكي يفرقوا دمه علي جميع القبائل حتي يتخلصوا منه ومن دعوته , يقول الله تعالي “وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين” سورة الأنفال , آية 30 . كما نصر الله تعالي رسوله الكريم وصاحبه أبي بكر الصديق وهما في غار الثور من إفشاء بصر الكفار عنهما وقتلهم لهما . وبخصوص هذا , يقول رب العزة “إلا نتصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم” سورة التوبة , آية 40 . ويقول الله عز وجل في آية أخري ” أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله علي نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ” سورة الحج , آية 39 وآية 40 .
3- صدق الرسالة المحمدية :-
في هذه الهجرة حاول سراقة بن مالك أن يلحق بالرسول صلي الله عليه وسلم وبصاحبه أبي بكر الصديق من أجل أن يحصل علي المكافأة المرصودة وقدرها مائة ناقة له أو لكل من يأتي بهما ميتين أو حيين . لكن ترتب علي استمرار بحثه عنهما من أجل تبيان مكان الرسول صلي الله عليه وسلم , وصاحبه أن غاصت أقدام فرسه في الرمال . وعندئذ شعر بالمخاطر الجسيمة التي واجهها.
4- الإيمان بوحدانية الله :-
إن إيمان المؤمنين بهذه الوحدانية , وبصدق دعوة رسولنا محمد صلي الله عليه وسلم وصبرهم علي أذي المشركين قد زادهم بالفعل قوة وصلابة , ويقين جعلهم يقدمون علي التضحية من أجله , والاستشهاد وفي سبيله من أجل نشر الدعوة الإسلامية . فيقول أصدق الصادقين “أعبدوا الله ما لكم من إله غيره ” سورة الأعراف , آية 59 .
5- التعاون :-
يمثل هذا التعاون في جوهره مقوماً إيمانياً كبيراً في حياة سائر المسلمين لكونه يؤدي في مكمنه إلي تعميق التآلفة والتعاطف , وتوطيد أواصر الاستقرار , والطمأنينة , والمثال علي ذلك : تعاون الأنصار والمهاجرين مع رسول الله صلي الله عليه وسلم تعاون الأنصار والمهاجرين مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في بناء مسجده النبوي الشريف في يثرب .
-(3)-
ولذلك , امتدح الله تعالي الأنصار والمهاجرين بقوله الكريم ” والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم قصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون” سورة الحشر , آية 9 . وجاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ” تري المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي” رواه البخاري ومسلم وأحمد .
6- بناء مسجد الرسول :-
يمثل بناء هذا المسجد في واقع أمره , وجوهر بنيانه , وحقيقة وجوده المرتكز الفعلي للنماء والطهارة , وللعبادة , وللطاعة . وهو في نفس الوقت أكبر جامعة إسلامية عالمية لتبصير عامة المسلمين بشتي أمور حياتهم الدنيوية والأخروية لكونه نور المولي عز شأنه في الأرض . وبالتالي , يعد بناء مسجد الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم بمثابة نقطة إنطلاق , وإعلان دولة الإسلام والمسلمين . ومنه أيضاً انطلقت الدعوة الإسلامية إلي مختلف بقاع العالم .
الخلاصة :
نخلص من هذا إلي القيم الإيمانية للهجرة النبوية المشار إليها آنفاً هي في قوامها قيم ثابتة خالدة عبر الزمان والمكان لا تتغير ولا تتبدل لإستمدادها من دستور المسلمين الذي يعرف بالقرآن الكريم , ومن سنة الهادي البشير صلوات الله وسلامه عليه لكونها مناراً ساطعاً أنارت بموجبها سائر مشارق الأرض ومغاربها . وأنقذت البشرية جمعاء من الجهل والظلام , والتناحر إلي طريق الحق , والعدل , والنور , والتراحم , والتعاطف , والتعايش الإنساني بين البشر أجمعين . ومن ثم , يتوجب علي المسلمين في جميع دول العالم أن يتدارسوا قيم هذه الهجرة في معناها , وأسلمتها فيهاجروا الفرقة والاختلاف التي تسودهم , وتسود أوطانهم , الذي ينتهزها أعداؤهم من الصهاينة والغرب بزعامة أمريكا . ومن هنا يعملون بمختلف آلياتهم علي تقسيمهم وعلي عدم استقرارهم في إشاعة الفوضي وإثارة الفتن , والإرهاب كما نري ونشاهد علي أرض الواقع مصر والعراق وسوريا , واليمن , وليبيا . ومن أجل القضاء علي القضية الفلسطينية متخذين العالم العربي والإسلامي أداة لتحقيق مخططاتهم في إستعادة الصليبين هيمنتهم عليهم وعلي العالم كما إن هذه الهجرة دافع فعلي وعملي لنبذ البدع والخرافات , والعنف , والتطرف , والتشدد التي انتشرت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية , والتي كانت سبباً في إنحرافها عن طريق الله المستقيم .