الخلفاء الراشدون بين الفكرة المقولة والتجربة المعاشة – بقلم : عبد الوهاب القرش

كتابات ومواد دينية
بقلم : عبد الوهاب القرش – كاتب مصري
من مهازل الدعوات الوضعية وتناقضات أحزابها ، أن قادة بعض هذه الأحزاب السياسية ! يمتلكون في الوقت ذاته القصور والأموال والسيارات والاقطاعات الواسعة ، ولكنهم – نظرياً – يهتفون للعمال والفلاحين الذين هم أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورات والانقلابات التي رفعت قادة الأحزاب إلى سدة الحكم والمسؤولية بكل ما فيها من عناء وسهر طويل من أجل حماية حقوق وآمال الطبقات الكادحة المسحوقة . ويتبع هؤلاء القادة عدد من أصحاب الملايين يصفقون إليهم في اجتماعاتهم الحافلة وخطبهم البتراء ، للمنجزات العظيمة التي شرعت على الورق لكي تنصف المظلوم من الظالمين.
الإسلام ، ذلك الدين القيم ، هو العقيدة الوحيدة التي تغرس مبادئها في أرض حية من الضمير والأخلاق..كل إنسان مسلم – بحق – هو عقيدته الحية تمشي على الأرض وتتفاعل مع الحياة ، وتتحرك في الواقع المعاشي..ليس ثمة مجال للتناقض بين المبادئ والأشخاص..بين القول والعمل..بين التوجيه والتنفيذ..بين الفكرة المقولة والتجربة المعاشة..أن ثمة صوراً رائعة مجيدة تمر أمامنا الآن عن أولئك المسلمين الرواد الذين لم يعرفوا اليمين ولا اليسار ،ولكنهم عرفوا كيف تكون العدالة الاجتماعية بأعمق مفاهيمها وأسمى أخلاقيتها دونما أي تناقض أو ثنائية بين قيم العقيدة وتصوراتها ، وبين الرجال الذين يحملونها والذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على تحمل مسؤوليتها حتى النهاية.
كثيرون من الصحابة الكبار كانوا في جاهليتهم يملكون القصور والأموال والضياع ، وعندما أعلنوا إسلامهم تنازلوا بكل تجرد عن قصورهم وأموالهم وضياعهم ليعيشوا فقراء محرومين من أجل قضيتهم الكبرى..كثيرون منهم بلغوا أسمى المناصب، ولكنهم لم ينسوا يوماً الأمة المسلمة ، ولم يغفلوا لحظة عن تجارتها الزاخرة بالسراء والضراء..ها هو ذا أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – ينفق في سني الدعوة الأولى في مكة ثمرة كدحه وكده عبر عمر حافل نشط طويل..أربعين ألف درهم ذهبي..لا يستبقي منها درهماً واحداً..وعندما يسأله الرسول صلى الله عليه وسلم:” وماذا أبقيت لعيالك؟” يجيب الصديق :”أبقيت لهم الله ورسوله..”..وها هو الصديق نفسه ، وقد اختارته الأمة ليكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يخرج يوماً فإذا بجارية تقول:” اليوم لا تحلب لنا منائح دارنا “..ذلك أن أبا بكر كان يحلب لها إبلها من قبل ، وهو فرد من عامة المسلمين ، أما وقد شغلته الخلافة فلن تجد المرأة من يقوم بهذه المهمة !!..ولكن يسمعها فيقول:” بلى والله لأحلبنها لكم !! فكان يحلبها لها كل يوم ! “.
وها هو عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لا يبييح لنفسه – بعد تسلمه الخلافة – من الطعام والكساء ، أكثر مما لأي فرد من عامة المسلمين..فلما جاء عام الجوع ، وأصاب المسلمين القحط ، أقسم ألا يذوق السمن حتى يفتح الله على المسلمين..وبقى عامه على هذا الحرمان ، والمسلمون يرون حاله فيشفقون عليه من الجهد الذي يبذله حتى بسر وجهه من أكل الزيت ، مع قلة الطعام الذي يتناوله ، ورداءته ، فيرجونه أن يرأف بنفسه..ويبيحون له – عن طيب خاطر منهم – أن يأخذ من بيت المال ما يصلح به شأنه..ولكنه يرفض ذلك ، ويصر على رفضه الحاسم قائلاً:وكيف يعنيني أمر الرعية إذا لم يمسنس ما يمسهم؟ “..يا لها من كلمات لا يفسرها إلا تصور موقف عمر نفسه وهو يعاني مع أمته من أجل أن يعمق اهتمامه بمآسيها وأحزانها..
وهذا عثمان بن عفان – رضي الله عنه – يرى المسلمين انقطعت مواردهم في بعض أيام أبي بكر الصديق ، ووقعوا في ضائقة اقتصادية جاثمة..ثم ما تلبث قافلته أن تجيئه ببضائع جمة كان قد استوردها من الشام ، فيسرع إليه التجار في المدينة ليتقدموا إليه بعرض سخي ، أن يربحوه بالدرهم درهمين ، فيردهم عثمان قائلاً:”أعطيت أكثر من ذلك ، فيعرضون عليه أربعة دراهم ثم خمسة ، ربحاً صافياً للدرهم الواحد ، فيردهم كل مرة..قالوا:يا أباحفص ، ما سبقنا إليك أحد ، ونحن كبار تجار المدينة! فيقول:”أن الله أعطاني عشرة أمثالها “..ثم يقسم ليتركنها خالصة للمسلمين يرد بها عنهم غائلة الجوع..ويقول الحسن البصري عن عثمان بن عفان الخليفة:” كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة ويأكل الخل والزيت”!.
لقد تربى هؤلاء العادلون على يد محمد صلى الله عليه وسلم المعلم والقائد والقبس!!..أليس هو الزعيم الذي يقدم تعاليمه لا دساتير ولا خطباً ولا كلمات أو نظريات علمية ! أنما سلوكاً وممارسة وتجربة وعملاً وواقعاً معاشاً ينبض بالدم والوجدان..في أحد الأيام الأولى للهجرة ..أيام الجوع والفقر والمسغبة ، يلتقي في أحد أزقة المدينة بجماعة من أصحابه..تكسو وجوههم الصفر ، ويطوي أجسادهم العناء وقلة الطعام..يشتكون إليه من الجوع ، ويكشفون عن بطونهم التي شد كل منهم عليها قطعة من حجارة ليسكت جوعتها..فيبتسم الرسول صلى الله عليه وسلم برفق وحنان، ولا يعزيهم بالكلمات..فالكلمات في ساعات الجوع الكافر لا تطعم ولا تغني من جوع..يكشف لهم عن بطنه فإذا به قد شد عليها قطعتين من الحجارة الصماء..!!..ويقول أنس بن مالك:”ما أعلم النبي رأى رغيفاً مرققاً حتى ألحق بالله ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط”..وتقول عائشة رضي الله عنه:”إنا كنا لننظر إلى الهلال ، ثلاثة أهله في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله نار..فقال لها عروة بن الزبير:ما كان يعيشكم؟ قالت :الأسودان، التمر والماء.
صور كثيرة متلاحقة عن مئات من المسلمين الرواد ، وقفوا مواقف كهذه ، وصمموا على البقاء حتى النهاية مع أبناء الأمة التي منحتهم ثقتها ومقدراتها..صور كثيرة ، بقدر صور التناقضات المضحكة التي شهدتها تجارب الأحزاب الكرتونية الباطلة.