كتابات ومواد دينية ….
بقلم الباحثة: بسمة خلاف/ الجزائر. ….
يعيش الفرد ويترعرع في بيئة تحقّق له تنشئة اجتماعيّة متكاملة، إنّها مصدر اكتسابه للغة، والثقافة، والعادات، والتقاليد، والأعراف، ومختلف السلوكات التي تَوافق عليها أفراد المجتمع، فهذه المبادئ تسهم في تربيته، تربية ناضجة ومتوازنة.
إنّ التربية في نظر ابن خلدون “بمعناها الاجتماعي الواسع عبارة عن مجموع عمليات التعليم والتعلّم التي يمارسها البشر، وفي نظر العلامة تالوك بمارسنز تعرف التربية: بأنّها عبارة عن كافة المحاولات التي تنفرج عن إدماج أدوار جديدة في شخصيّة الإنسان. وقد كانت التربية وما زالت جزءًا لا يتجزأ من حياة الشعوب. فقد طالما ربّى الكبار الصغار وعلّموهم مختلف أنواع المهارات والحِرف، فرجال التربية والتعليم والحِرف والصناعة وغيرهم طالما درسوا وبذلوا جهودا لنقل بعض معارفهم وخبراتهم إلى غيرهم، ويلعب الاتصال الشخصي دورا كبيرا في نجاح عمليات التربية وفي التمكين لها”. (1)
بنى ابن خلدون مفهومه الاجتماعي للتربية على عدة نقاط هي:
• التربية تمثّل نتيجة لسيرورة العمليّة التعليميّة التعلّميّة.
• التربية تعكس جلّ التطوّرات التي تخضع لها شخصيّة الفرد.
• التربية تختزل حيزا كبيرا من كينونة المجتمع.
• التربية تتميز بالاستمرار والتوارث بين الأجيال.
• التربية تحقّق نجاحا في المجتمع من خلال التواصل الاجتماعي.
وتعرّف التربيّة أيضا بأنّها: “عملية تنمية متكاملة وديناميّة، تستهدف مجموع إمكانات الفرد البشري (وجدانيّة وأخلاقيّة وعقليّة وروحيّة وجسدية)”(2).
تسعى التربية إلى تحقيق تكوين شامل ومتكامل لجميع جوانب شخصيّة الفرد: (العقليّة، والجسميّة، والنفسيّة، والثقافيّة، والمعرفيّة، والتعليميّة…). إذ أنّها ترتبط بمجالات الحياة المتنوعة التي يمارس فيها الفرد مختلف السلوكات، ويشكّل الوسط الذي يعيش فيه ميدانا خصبا لتوجيه سلوكاته بهدف بلوغ درجة قصوى من التوازن في شخصيته.
ومن بين أساليب التربية في القرآن الكريم نذكر:
أسلوب الوعظ والنصح: فالإنسان قد يصغي ويرغب في سماع النصح من محبيه. فالنصح يصبح في هذه الحالة ذا تأثير بليغ في نفس المخاطب ولا سيما حين يكون صادرا عن محبة. (3)
لقوله تعالى: “يأيّها النّاس قد جاءتكم موعظة من ربّكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين” سورة يونس/ 57.
أسلوب القصة: فالقصة تؤثر في النفس إذا وضعت في قالب عاطفي مؤثر، لأنّها مشحونة بدلالات أخلاقيّة تخالج أعماق النفس فتحرك فيها الدوافع الخيّرة وتطرد عنها النزعات الشريرة. (4)
لقوله تعالى: “نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين” سورة يوسف/3.
أسلوب ضرب الأمثال: فالأمثال وسيلة تأثير تربويّة لأنّها تحمل مغزى له دور كبير في توجيه سلوكات الفرد، ويتطلب توظيفها استعمال العقل والظرف المناسب. (5)
لقوله تعالى: “وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون” سورة العنكبوت/ 43.
ونختم قولنا بأنّ التربية كتلة متمايزة تتظافر فيها جوانب متعدّدة: أخلاقيّة، ثقافيّة، اجتماعيّة، دينيّة، تعليميّة، تعلّميّة … التي تسهم بدورها في تحقيق توازن الفرد داخل الجماعات الاجتماعيّة، بالإضافة إلى أنّها تتسم بالتطوّر والاستمراريّة حتى تصل إلى عمليّة النضج الشخصي، كما تتنوع الأساليب التي تستهدفها التربية في القران الكريم من الوعظ والنصح، والقصص القرآني، إلى ضرب الأمثال حتى يكتسب الفرد منها عبرا وفوائدا لها أبعاد تتعلق بمختلف المجالات التي يمارس فيها نشاطاته وسلوكاته.
الهوامش والإحالات:
1- ابن خلدون (العلامة ولي الدين عبد الرحمان بن محمّد تـ: 808ه): مقدمة ابن خلدون، تح: عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، ط 1، 2004، ص65.
2- عبد الكريم غريب: المنهل التربوي معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البيداغوجيّة والديداكتيكيّة والسيكولوجيّة، ج 1، منشورات عالم التربيّة، الدار البيضاء، ط1، 2006، ص308.
3- ينظر محمد فاضل الجمالي: نحو توحيد الفكر التربوي في العالم الإسلامي، الدار التونسية، تونس، 1972، ص110، وما بعدها.
4- ينظر المرجع نفسه، ص111.
5- ينظر المرجع نفسه، ص115