كتابات ومواد دينية (:)
بقلم : السيد محمد المسيرى – مصر (:)
تمثل محاسبة النفس فى أساسها ذات خلق كريم من الأخلاق الإسلامية الرفيعة المستوى التى يتصف بها المسلمون الصالحون الذين يخشون الله عز وجل , وعقابه لهم , ويرجون رحمته من أجل إبتغاء وجهه الكريم , ورضوانه , وفضله عليهم لكونها فى مكمن واقعها أفضل الضوابط التى تجنبهم إرتكاب المعاصى , ولكونها أيضاً تبعد عنهم إحلال المهالك حتى لا يقعوا فى طواغيتها , وسوء عواقبها الوخيمة التى يكنفها التجاهل , والتفاسد . ولذلك , حث المولى جل ثناؤه سائر المسلمين على ضرورة أن يحاسبوا أنفسهم على أفعالهم , وتوجهاتهم لكونه الوحيد المطلع عليها , وسوف يحاسبهم على خيرها وشرها . وبشأن هذا , يقول أحكم الحاكمين فى منزل آيات كتابه الحكيم “يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد وإتقوا الله إن الله خبير بما تعملون , ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون , لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون” سورة الحشر , الآيات من 18 إلى 20 . ويقول رب العزة سبحانه وتعالى فى آية أخرى “واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ” سورة البقرة , آية 281 .
ومن ثم , حث حبيب رب العالمين الحبيب المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يحاسبوا أنفسهم بشكل مستمر على ما يفعلون . وبخصوص ذلك , يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من إتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى” رواه الترمذى . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “المؤمن بين مخافتين بين آجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع فيه , وبين آجل قد بقى لا يدرى ما الله قاصد فيه , فليتزود العبد من نفسه لنفسه , ومن حياته لموته , ومن شبابه لهرمه فإن الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة , والذى نفسى بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار ” رواه البيهقى , وعن جابر رضى الله عنه قال “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذى بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم وكثرة الصدقة فى السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا ” رواه ابن ماجة .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً ” من كانت الآخرة همه غناه فى قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهى راغمة , ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه , وفرق عليه شمله , ولم يآته من الدنيا إلا ما قدر له فلا يمسى إلا فقيراً ولا يصبح إلا فقيراً , وما أقبل عبد على الله بقلبه إلا جعل قلوب المؤمنين تنقاد إليه بالود والرحمة , وكان الله بكل خير إليه أسرع ” رواه الترمذى , ويقول عمر إبن الخطاب رضى الله تعالى عنه “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا , وكان يضرب قدميه بالدرة إذا جنة الليل , ويقول لنفسه ماذا عملت اليوم ؟ ولذلك يقول أصدق الصادقين فى قرآنه الكريم ” يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ” سورة الحاقة , آية 18 .
ومن ثم , يتوجب على عامة المسلمين فى مختلف دول العالم أجمع أن ينتهجوا كل ما تقدم فحصه , وأن يضعوه فى نصب أعينهم موضع التنفيذ ليس فى مجال حياتى معين بذاته , بل فى جميع مجالات حياتهم المعيشية , وأن يحاسبوا أنفسهم بمراجعة حسناتهم وسيئاتهم , وألا يضيعوا أوقاتهم فى اللهو , وفى زخارف حياتهم الدنيوية التى لا خير فيها ولا منفعة حتى لا يتحسروا عليها بعد موتهم , ولم يدخروا فيها شيئاً إلا سوى فعل الذنوب . كما يتوجب عليهم أيضاً أن يكثروا من طاعتهم إلى خالقهم سبحانه وتعالى , وأن يتداركوا المسئ منها , وأن يغتنموا رحمة الله عز وجل عليهم حتى ينعموا فى نهاية المطاف بجنة الخلد فى حياتهم الأخروية .