الرابط : دراسات
للمؤلف: سلام الربضي*
دار المنهل اللبناني بيروت \ 2009
مقدمة الكتاب ة :ليس جديداً أن نقول، ونحن نتحدث عن واقع النظام الاقتصادي العالمي، إنه من أهم خصائص عصرنا، فالعالم اليوم يمر بمرحلة هائلة من التغيّرات أهمها التقدم التكنولوجي. فلا ينقضي يوم إلا وتطالعنا فيه الأخبار والصحف باختراع أو ابتكار شيء جديد. وفي ظل هذه التغيّرات لا بد أن نتناول الشكل الجديد الذي وصلت إليه المؤسسات والشركات الكبرى. هذا الشكل الذي لم نعهده من قبل، حيث أنشئت شركات يتزايد نفوذها في مختلف النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحلية والدولية، وهي التي يطلق عليها "الشركات عبر الوطنية".
الأطروحة السائدة اليوم بلا جدال هي أطروحة أُفول الدولة وتآكلها وتقادمها وانتقاص سيادتها من جراء ظهور فَعَلَة جدد على المسرح الدولي يجمعهم على تعدد هوياتهم قاسم مشترك واحد هو كونهم عابرين للحدود القومية ومنفلتين بالتالي من رقابة الدولة المحدودة بهذه الحدود. ومن هؤلاء الفَعَلة الجدد ظاهرة العولمة أو بالأحرى دينامية العولمة ومحركها الرئيسي المتمثل بالشركات عبر الوطنية.
ولقد أصبحت ظاهرة الشركات عبر الوطنية من كبرى المسائل الخلافية فهي عند البعض تمثل العولمة التي هي وعد بالسعادة للبشرية قاطبة يصح معه القول إن التاريخ سيعرف أخيراً نهايته. وهي عند البعض الآخر الفظاعة الاقتصادية مجسّدة، ومرحلة عليا ومعمّمة كوكبياً من جحيم الرأسمالية العالمية، حيث هناك آراء مختلفة حول العولمة بين مَن يؤيدها ومَن يعارضها وهي إشكالية مستمرة لن تنتهي. فالكل ينطلق من أبعاد أيديولوجية لمقاربة واقع الشركات عبر الوطنية وتجليات العولمة.
وفي الحالتين معاً سواء عند من "يؤمثلون" تلك الشركات أو "يؤبلسونها" فإن ظاهرة الشركات لا تطرح كثيراً إلا من زاوية أيديولوجية قد تكون ساذجة وعقيمة في اَن معاً لأنها تتصوّر أن موقف الـ"مع" و"الضد" هو الذي يحدد طبيعة هذه الظاهرة، متناسين أن الظاهرة تعبّر عن واقع ناتج عن تراكمات تاريخية واقتصادية وسياسية وتكنولوجية وثقافية محتومة ولا مناص منها مهما يكن الرأي فيها، والعولمة ليست وصفة أو حزمة معرفة بقدر ما هي لحظة من لحظات التطوّر ارتفع فيها معدل توسيع الأسواق والترابط في الاقتصادات على مستوى رقعة متزايدة من العالم.
وإذا استطعنا التخلص من المبادئ الميتافيزيقية والعامة التي تستند إليها من وقت لآخر سياسة الحرية الاقتصادية القائمة على حرية الأفراد والمؤسسات في فعاليتهم الاقتصادية الليبرالية، وإذا تجاوزنا النظرة إلى الاقتصاد العالمي من منظار المناضلين المعادين لليبرالية وأوهام الشيوعيين بشأن المجتمع بدون طبقات فإننا نفتح أمامنا مجالاً واسعاً لطرح جملة من التساؤلات قد لا يكون من الممكن الإجابة عنها بوضوح، لكنها تساؤلات تستحق أن تؤخذ من تفكيرنا الحيز الضروري لكي نخلص من ذلك إلى استنتاجات حان وقت الوصول اليها والاستفادة منها.
من أولى هذه التساؤلات:
إشكالية الأرقام والمعطيات التي تضلل أحياناً عند دراسة نشاط الشركات عبر الوطنية:
فكثير من الدراسات التي تتعلق بنشاط الشركات تحاول الربط بينها وبين أرقام ومعطيات عن الثروة، توزيع الدخل،الفقر،الجوع،ومقارنة دخول الشركات مع إمكانيات الدول والناتج الإجمالي لها. وهنا يجوز التساؤل عن المعيار العلمي والمنهجي الذي على أساسه يتم الربط فيما بينهما من خلال منهجية الاعتماد على المقارنة الإحصائية الظاهرية والصورية بلا تدبّر في المقدمات والحيثيات والدلالات العلمية والمنطقية؟ وابتعاداً عن التحليل النظري والاقتراب من الأمثلة الواقعية، هل هذا الربط يعني أن الشركات هي التي تتحمل مسؤولية كل ما يحدث في ظل العولمة من فقر وجوع وبطالة وخلل في توزيع الثروات؟ وهل يمكن القول إن لعبة الأرقام وربطها بمعطيات_التي تصب في اتجاه معين_ تعبّر عن مواقف مسبقة ذات أبعاد أيديولوجية؟ فإذا، منهجياً، من الواجب والضرورة العلمية التساؤل عن موضوعية هذا الربط؟ ولكي تتضح هذه الإشكالية يمكن ذكر كثير من الأمثلة:
زيادة طفرة الفقر في كثير من البلدان هل هي ناتجة عن الخلل في الرأسمالية التي تزيد الناس فقراً وبالتالي فهل إن الشركات هي الفاعلة والمستفيدة؟ وهل العولمة متمثلة بالشركات بكل تجلياتها تتحمل وزر ذلك؟ ولكن أيضاً هل من الطبيعي تجاهل أن نسبة عالية من موازنات تلك الدول تذهب للتسلح. والمفارقة شاسعة داخل كثير من الدول التي أنفقت مليارات الدولارت على التسلح وامتلاك الاسلحة النووية كايران وباكستان مقارنة بتدني نسبة الإنفاق الاجتماعي والاقتصادي, كذلك إذا نظرنا إلى المعجزة السنغافورية، هذا البلد الصغير الذي استطاع زيادة الناتج القومي الإجمالي من 400دولار للفرد في عام1959إلى12200 دولار عام1990ثم ارتفع مع بداية الألفية الثانية إلى ما يزيد على24000 ألف دولار, هل يعود الفضل في ذلك للرأسمالية فقط أم إن للسياسات المتّبعة من قبل السلطة السياسية دور رئيسي فيما تحقق؟ إذاً يجب عند التعاطي مع الأرقام والمعطيات توخي المقاربة العلمية والموضوعية.
ومن التساؤلات التي تطرح أيضاً : إشكالية العلاقة بين الشركات عبر الوطنية والدولة؟
العلاقة التي على ضوئها يتم تحديد مدى تزايد نفوذ الشركات وسيطرتها أو مدى تراجع سيطرة وسيادة الدولة؟ وإمكانية تحديد الحد الفاصل بين مصالح الشركات ومصالح الدول؟ وهل العلاقة بين الشركات والدول تعبّر عن اضمحلال سيادة الدول أم تغيّر في وظائفها؟ وهل استرتيجية الشركات قائمة على تجاوز الدول أم إنها ستبقى قومية المرتكز وهل الواقع العالمي المعاصر يعبر عن استرتيجيات دول أم سيطرة شركات؟ وفي انتظار الأنعكاسات السياسية للأزمات المالية العالمية يطرح التساءل التالي: هل عدنا إلى الدولة التدخلية؟؟ وهل تكون فكرة التدخل أصبحت موجودة وحالة ملحة؟ ولكن أساليب التدخل وحدود التدخل فإنها متروكة حسب تداعيات الأزمة وواقعها ؟؟؟
والإشكالية الجوهرية التي تطرحها ظاهرة الشركات عبر الوطنية :
هي إشكالية الضبط والتحكّم سواء على الصعيد القومي أو العالمي؟
فهل إن الشركات حرة طليقة متفلّتة من كل ضبط؟ أم إن هناك معايير ضبط ما زالت تخضع لها وهل ستنتفع كثيراً من وجود بيئة عالمية خالية من كل معايير الضبط؟ وهل عملية الضبط تكمن في إعادة اكتشاف الحركة الدائمة على مستوى اللعبة الاقتصادية والدينامية الاجتماعية، وبالتالي هل يمكن تحقيق الترويض الاجتماعي لقوى الاقتصاد المعولم؟ وما هي ردود الفعل الاجتماعية والسياسية على ما تم الآن من تشابك اقتصادي عالمي عموده الفقري الشركات عبر الوطنية، وهل هذه الردود تعبر عن واقع الضبط؟
منهجية المعالجة في هذا الكتاب سوف تكون قائمة على جدلية المجتمع والسلطة
حيث إن المبدأ العام في هذه العلاقة يرتكز على أن السلطة تنبثق من المجتمع، والمجتمع يتكوّن من مجموعة قوى تتفاعل في ما بينها، فمن الطبيعي أن تعكس هذه السلطة واقع هذا التفاعل. وفي هذا الصدد فإن الشركات عبر الوطنية هي جزء من المجتمع تتفاعل مع باقي الأجزاء، وهذا التفاعل أو التنافس تعبّر عنه السلطة. ومن هذا المنطلق يمكن إيجاد مقاربة لهذة الظاهرة بواقعية أكبر، عند دراسة العلاقة بين الشركات والدولة من جهة، وإمكانية الضبط والتحكّم من جهة أخرى. فعلى مستوى العلاقة بين الدولة والشركات، فإذا كانت الشركات جزءاً من القوى الفاعلة والمسيطرة داخل المجتمع، وهذا الواقع سوف ينعكس على السلطة بشكل طبيعي، فالسلطة تمثل مصالح مجتمعها، ويمكن التعبير عن هذا الواقع بمقاربتين الأولى: مصالح الدولة الخارجية واستراتيجيتها التي تعكس واقع مجتمعها، فإذا كانت الدولة تعبّر عن مصالح الشركات، فهل نحن أمام تراجع في سيطرة الدولة أم أمام ترابط في المصالح؟ أما المقاربة الثانية، فهي قائمة على طبيعة العلاقة داخل المجتمع وصراع السلطة. وفي هذا الجانب يمكن التساؤل عن القوى الأخرى القادرة على وضع حد لسلطة الشركات وتزايد نفوذها: جدلية السلطة والسلطات المضادة؟
في هذه الدراسة سوف يتم استخدام المنهج العلمي القائم على استخدام المنهج الواقعي عند التحليل، ومنهجي المقارنة والتحليل الكمي عند التعاطي مع الأرقام والمعطيات توخياً للايضاح والمقاربة. أما المصادر المعتمدة في هذا الكتاب فهي متنوعة مع التركيز على التقارير والدراسات الصادرة عن المنظمات الدولية.
الدراسة في الكتاب قائمة على تناول نفوذ الشركات عبر الوطنية من خلال التعرف على العلاقة بين المنظور الكمي والظواهر الإنسانية سواء على صعيد تشخيص الظاهرة او المقاربة بين استخدام المنهج المثالي والواقع. حيث إن استخدام المنظور الكمي في مقام التعامل مع معظم الظواهر الإنسانية ومنها حقول التاريخ والاجتماع والسياسة والتنمية الإنسانية أمر محفوف بالتحفظات والمحاذير، وذلك على خلاف التقدم المذهل الذي نجم عن استخدام المنظور ذاته على صعيد الظواهر الطبيعة. فالإنسانيات أكثر تعقيداً وأبعد عمقاً من أن تخضع للمعادلات الإحصائية الرقمية بكل جفافها وصرامتها، وهذا ما ينطبق على كيفية مقاربة ظاهرة العولمة بما فيها العلاقة بين الدولة والشركات عبر الوطنية؟ كذلك يتم تناول نفوذ الشركات عبر الوطنية من خلال التعرف على استراتيجيات الشركات وتوضيح طبيعة العلاقة القائمة بين الشركات والمتغيرات العالمية في الأسواق المالية، والثورة الجذرية في عالم العمل والاستثمار الاجنبي المباشر، ومعرفة أين هي الشركات عبر الوطنية من المجابهة الضريبية والاتجاهات الحمائية، وتحول القوة الاقتصادية إلى ميزة سياسية غير متساوية, وتحول السلطة من أيدي الجمهور إلى المؤسسات التجارية. والتطرق إلى إشكالية ما يعرف بضعف الدولة في ظل العولمة من خلال دراسة التدخل السياسي للشركات عبر الوطنية. وتسليط الاضواء على النسق الدولي الجديد في العلاقات الدولية .
تكمن الصعوبة في بحث كهذا يتناول ظاهرة من ظواهر العلاقات الدولية ـ هذه العلاقات التي لا تخضع في آخر الأمر إلا لقانون المصالح ـ في القدرة على وضع العواطف والقناعات في منزلة هامشية وأن ندع وراء أذهاننا معتقداتنا الشخصية أو قناعاتنا الأيديولوجية، من أجل الوصول إلى حقائق الأمور وفهم الواقع واغتنام الفرص السانحة لخدمة مصالحنا.
في هذا الكتاب سوف نتناول ظاهرة الشركات عبر الوطنية في سياق الواقع الاقتصادي العالمي بوصفها من اللاعبيين الرئيسيين في الاقتصاد العالمي وإحدى تجليات العولمة. فالنشاط الاقتصادي العابر للوطنيات الذي تقوم به هذه الشركات هو تعبير عن جوهر العولمة الليبرالية.
هذا الكتاب محاولة أو دراسة نضعها بين يدي القارئ عسى أن تساهم في فتح آفاق جديدة أمام الدارسين,والباحثين .
خاتمة الكتاب
يتسم عالم ما بعد الحرب الباردة بأنه عالم المتناقضات فقد تفجرت تناقضات جمة,بعضها لم يكن موجوداً من قبل حين كان البعض الاخر مقيداً بقواعد السياسات القائمة وانماطها خلال الحقبة السابقة, وظهرت التيارات المتناقضة على سطح السياسة الدولية بشكل حاد, في هذه المرحلة التي يمكن وصفها بمرحلة انتقالية. ومن هذه التناقضات تيار اندماجي على الصعيد الإقليمي والعالمي يسمى بالعولمة ((GLOBALIZATION.
لقد انتقلت البشرية من عصر الصناعة الى عصر ما بعد الصناعة, عصر معتمد على موارد غير ملموسة وغير مرئية اهمها المعرفة والمعلومات, عصر اعاد صوغ الكثير من مفردات حياة البشر ومقوماتها المادية وغير المادية, وافسح المجال امام اندفاع سريع للتغيير الذي يصيب كل شيء فينا ومن حولنا, وهذا التغيير قد وصل إلى الدولة . وبعيداً عن الاختلافات الفقهية والقانونية وتجاوزاً لمتاهات الفكر السياسي, فكل المؤشرات تكشف أن هناك اختراقاً لمكانة الدولة ووظائفها الداخلية والخارجية. وصارت هذه الحقيقة تطاول جميع الدول سواء كانت كبيرة إم صغيرة, وتلك القوية أو الضعيفة.
هذا الاختراق لا يمكن ان تقوضه بعض الادوار التي تقوم بها الشركات عبر الوطنية والمؤساسات غير الحكومية في مختلف المجالات سواء على الصعيد الصحي او التعليمي أو حتى الأمني. من هنا فان الحاجة لوجود الدولة ستظل قائمة والمطلوب تغيير الدولة لتصبح قادرة على الوفاء بالتزاماتها. كما أن التطور التقني والمبادلات الدولية وحرية حركة الرساميل والاتصالات, لا تهدد بالقضاء على سياسة الدول, فالعولمة هي واقع لا جدال فية واصبحت ممكنة بفضل التقدم العلمي وهي لا تقضي على الاوطان بل تضعها على جبهة المنافسة وتدفعها إلى تحقيق الأفضل لديها.
الإنسانية تواجة قضايا ومسائل متعددة : البيئة, الهجرة, التفجر السكاني,الإرهاب,التنمية المستدامة, المأسسة السياسية للتمايزات الثقافية والتطلعات الاتنية......الخ والدول لا يمكنها منفردة الرد على هذه التحديات, ولكن أي ارادة دولية جماعية لا يمكنها هي ايضاً أن ترقى إلى المستوى المطلوب معالجتة من دون الاعتماد على مؤسسة الدولة. ومن هنا ليس على من يدافع عن سيادة الدول إن يكتفي بل تحذير والتخويف والجنوح نحو التهويل من اثار العولمة المتمثلة بالنفوذ العالمي للشركات عبر الوطنية بل يجب على الجميع ليس فقط ان يفتشوا عن مكان في هذه الحقيقة بل علينا ان نفتش ونركز مكاننا فيها.
ونتيجة للظروف الناتجة عن اختلال التوازنات الاجتماعية وتزايد الاعتماد المتبادل بين مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية, تم التعجيل بالتفكير في مبدأ إدارة شؤون الدولة والمجتمع كمنط لتجديد اساليب الحكم وتفعيلها بشكل أفضل من خلال صياغة أشكال جدية في المشاركة , قائمة على التضامن والنهوض بالاحتياجات الاساسية للمواطن.
ومن الواضح بقدر ما هناك قوة في طموحات المشاريع الكونية على كافة الصعد الا أن هناك قصور _ إلى حد ما _ حين تتجسد في الواقع .
فعندما نتكلم عن المضامين الجديدة للأمن العالمي هناك كثير من التساؤلات تطرح:
تاريخيا هل تم تحقيق الأمن العالمي؟؟
المضامين الجديدة للأمن العالمي هل متفق عليها عالمياً ؟؟
هل يمكن مقابلة منظور السيادة الوطنية بمواطنية كونية شبة مكتملة ؟
وإذا كان هناك انماط معقدة من إنسنة الواقع الدولي فهل نكون قد انتقلنا من منظور كلاسيكي يدافع بقوة عن عدم التطابق بين حقوق الإنسان والسياسة الدولية إلى نوع من التجاوب الفعلي والمستمر وغير المستقر بينهما ؟
هل مرجعية المضامين الجديدة للأمن العالمي ستنمو بسرعة واقعية السياسة الدولية؟
عندما يتم التكلم عن المضامين الجديدة للأمن العالمي يجب علينا الاخذ بعين الأعتبار حالتين :
1- الأمن العالمي القائم على العلاقة بين الإنسان والطبيعة ( البيئة ) .
2- الأمن العالمي القائم على العلاقة فيما بين الإنسان واخيه الإنسان من جهه والدول فيما بينها (الأمن السياسي) من جهه اخرى .
فيما يتعلق بالعلاقة القائمة بين الإنسان والبيئة هناك تحديات تواجه الأمن العالمي, وقد يكون التضامن العالمي لإيجاد حلول لمواجهة التحديات في هذا الصدد أكثر إمكانية منه على صعيد الأمن السياسي بين الدول. والعقد الاجتماعي هوي أساس شرعية القانون في المجتمعات البشرية, وفي النظام الدولي التقليدي, الدول تتمتع بقدر من الحرية والسيادة , ولا توجد أي سلطة فوقها , ولا قانون دولي الا ما تختاره على أساس اتفاقيات أو معاهدات تم مناقشتها بحرية تامة أو أعراف تم قبولها ضمنياً, فحرية الدولة لا تحدها سوى حرية الدول الآخرى, وإذا كانت الحالة الطبيعية قد تم تجاوزها في النظام الداخلي فليس الامر كذلك في النظام الدولي حيث القوة هي المقياس الوحيد للتصرف, على الرغم من أن الأمور قد تغيرت مع ظهور المنظمات غير الحكومية الا أن علاقة القوة داخل هذه المظومة ستبقى موجودة.
وإذا كان هناك حرص على المصلحة والسلطة والأمن القومي, إلا انه على الجانب الآخر هناك تشديد على الحق والعدالة ومراقبة الحكام والتركيز على حقوق الإنسان ,وهذا ما نجده في الصراع الفكري التاريخي بين هوبز الذي يرفض منح حقوق الإنسان أي اعتبار دولي باعتبار الأمن القومي هو وحده الذي يمنح المعنى للمصالح الوطنية. وبين غروسيوس الذي كان مناصراً للمواطنة العالمية ولنظام عادل يسمو فوق كل السلطات والسيادات.
على صعيد المضامين الجديدة للأمن العالمي هناك إشكالية على مستوى تأقلم الضوابط القانونية مع القضايا أو المشكلات العارضة , فكيف يتم معالجة قضايا في ظل غياب قواعد قانونية تضبط هذه الأوضاع العارضة مثل قضية اللحوم الملوثة هرمونيا التي انقسم حولها الرأي العالمي بين الولايات المتحدة وكندا من جانب والمجموعة الأوروبية من جانب آخر.
هناك كثير من القضايا الشائكة التي تطرح علامات استفهام حول إمكانية الاتفاق عليها خاصة على الصعيد الثقافي , والخلاف الدائر ما بين منظمة الصحة العالمية ومصر حول ختان الإناث يعبر عن واقع هذه التناقضات, حيث تعارض منظمة الصحة العالمية هذه العملية من منطلق الدفاع عن حقوق الإنسان وتحديداً حقوق المرأة , بينما تدافع مصر عن موقفها من منطلق التمتع بالحقوق الثقافية الخصوصية للمجتمعات التي كرسها الأعلان العالمي لحقوق الإنسان.
الجانب الاستراتيجي والمصلحي ما زال فاعلاً وحاضراً بقوة وكثيراً ما تتحول حقوق الإنسان إلى أداة لضغط الأقوياء على الضعفاء وهو ما يخلق التداخل بين ما هو دولي وما هو إنساني وبالتالي من الطبيعي أن ينعكس ذلك فيما بعد على الأمن العالمي.
ان الأمن العالمي التي بدأت تتضح معالمة يوماً بعد يوم والذي يجعلنا اكثر تفاؤلاً بمستقبل التعاون الدولي, وسيبقى القانون الدولي دعامة لهذا المستقبل وهنا نتساءل :
كيف يمكن للقانون الدولي ان يتطور؟
هل يمكن للقانون الدولي أن يتطور إلا في ظل الحياد السياسي الذي يسمح له بالمحافظة على استقلاليتة ؟هل ذلك ممكن ؟ تاريخياً هل تم تحقيق ذلك؟
بين التنظير والواقع فجوة وعلى الدول والأفراد أن يواجهوا الواقع بكل جرأة والبدء بمعالجة الذات وليس جلد الذات , هنالك دول وشعوب صعدت إلى سطح القمر وكواكب اخرى في السماء بينما دول وشعوب تحث الخطى على الارض , لا يمكننا ان نقفز عن الواقع فالسير مهما كان بطيئاً أفضل من المراوحة في المكان وبدل البكاء على الاطلال الأفضل اضاءة ولو شمعة والتحرك إلى الامام .
خلفية الكتاب
تُعبّر الشركات عبر الوطنية عن التعارض التام بين التطور الرأسمالي من ناحية وبين التنظيم السياسي الدولي الذي ما يزال يعطي الدولة القومية مغزى ووظيفة اقتصادية جوهرية، وهذا التناقض في المجال الاقتصادي يترجم في المجال الاجتماعي حيث يمثل اختراقاً فعالاً وفعلياً لهيكلة ونسيج الدولة الاجتماعي. وهذا متوقف على تعددية جنسية الشركات الكبرى أي التعددية الفعلية للمالكين والمديرين من حيث الجنسية في هيكل الشركة، فكلما ظلت الشركة متبلورة حول مُلاّك ومديرين من جنسية واحده تصبح الشركات التابعة تمثل اختراقاً أجنبياً خالصاً ليكون الاختراق الاجتماعي محدوداً للغاية. أما إذا اشترك قطاع كبير من المُلّاك والمديرين المحليين في السيطرة والإدارة في الشركة، فإن ذلك سيشكل اختراقاً هاماً وفعالاً من الناحية الاجتماعية وذلك ببساطة لأن الشركة تمثل إطاراً للولاء وللسياسات التي تتقاطع جذرياً مع بنية الدولة القومية.
إن تركيز الشركات وهدفها الأساسي قائم على مبدأ الربحية الذي يجعل من استراتيجية الشركات التأقلم مع أية ظروف من أجل تحقيق أعلى عائد، وبالتالي فإن نظرية الهيمنة الثقافية للشركات قابلة للنقاش؟ ولكن لا بد من الإشارة إلى أن أخطر ما يكون في استرتيجية الشركات هو التنافس على الثقافة من خلال بناء علامات تجارية عالمية، تكون الاسترايجية مرتكزة على الهدف الذي تقوم على أساسه العلامة التجارية، وليس على الأداء الذي تحققه. وبالتالي تصبح استراتيجية الشركات قائمة بدلاً من محاولة الحصول على أكبر جزء من السوق الذي تعمل فيه إلى أن تجعل من نفسها جزءاً من ثقافة المجتمع
فصل من فصول العولمة يدور حالياً في أفريقيا ويكتب هذا الفصل الصينيون المتواجدون في مختلف أنحاء أفريقيا. والاستثمارات الصينية وسّعت نطاق أعمالها في أفريقيا وتسللت إلى حياة القارة الأفريقية اليومية. والاستثمارات الصينية في القاره السمراء تعبّر عن بعد نظر الدولة الصينية وعن تحقيق أهداف بعيدة المدى. فهي تحاول الاستثمار بالمواد الأولية الأفريقية، والاستثمارت الصينية في أفريقيا تدخل ضمن الرؤية الاستراتيجيه للدولة الصينية، وهذه الاستثمارات لا تخرج عن حيّز المنافسة بين الصين والمجموعة الأوروبية والولايات المتحدة. ولعل النفوذ الاستثماري الصيني في القارة الأفريقية هو بمثابة زلزال جيوسياسي وإنجاز من إنجازات العولمة قلب الموازين العالمية الاقتصادية والسياسية, والتساؤل مشروع حول الاستثمارات التي تقوم بها الشركات عبر الوطنية من الدول النامية، هل هذه الاستثمارات تدخل في إطار التعاون وتبادل المصالح أم تدخل في إطار السيطرة والاستغلال؟ ولماذا في حال شرّعت الدول النامية أسواقها أمام الشركات الأوروبية أو الأمريكية يعتير ذلك نوعاً من الاستعمار، وفي حال شرّعت الدول النامية أبوابها أمام الشركات الهندية والصينية والآسيوية يصبح ذلك نوعاً من التعاون والتكامل
* www.salamalrabadi.blogspot.com