الرابط : فن وثقافة
• صالح القرة غولي
من النحاتين العراقيين الذين تركوا الأثر الأكبر في مزاوجة الإرث الحضاري العراقي مضمونا وبأسلوب فني متفرد هو النحات صالح القرة غولي (من مواليد 1933 حاصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة من بغداد وحصل على الماجستير في النحت من باريس، انجز تمثال ابو بكر الرازي، توفي عام 2003) فرغم الاستطالات التي سبق وان نادى بها جياكومتي لكن الخصوصية تكمن في طريقة احترافه ببدائل الخامة والشخوص الإفريقية التي قد تحملنا عليه كثرة التركيز من النظر اليها والتشييد بها على انها تكاد تكون افريقية هذه المزاوجة في المدارس الفنية، وطرق المعالجة لم تحيد الفنان عن مادة موضوعه السامية الا وهي الموضوعة العراقية الخالصة الذي يمثل (الاهوار1993)، لا يمكن أنسابها ابدا لغير البيئة العراقية بما تحمله من خصوصية في استخدام المفردات: الفاله والشباك لتجسيد منظر صائدي الأسماك في الاهوار.
كما أنه تميز في استثمار خامات متعددة لم يدركها أحد من قبلة وخاصة في النحت العراقي، وللخامة دور كبير في أعمال القرة غولي أذ يجد فيها خدمة لصالح (الفكر والمكان) فكلاهما معبر عنهما باختيارات نحتية قد تعد سبقاً في المسار العام للنحت العراقي بمعنى الاعتياد الذي ألفناه في الخامات الثقيلة، أن القرة غولي لشدة موضوعيته والتزامه الأخلاقي بالفكر الإنساني ولخصوبة خياله حيال الموضوعات ذات الجذر البيئي أو الإنساني، نحا منحىً لم يحدث أن تجرأ أحد على خرق عوالمه، انه في أسفارة حول المادة مثلاً قد تحدث بلغة المحيط، بما لها من مواصفات في الملمس والروح والمقاومة والجمال، كالقار، شعر الماعز، الوبر،... الخ، يكون قد خط أولى التجارب في مضمار النحت البيئي الذي يمكن أن يستثمر بوصفة خطابا عصرياً يجري الآن الحديث عنه بكثرة، مع هذا فالفنان في مذهبه هذا انما يمثل كشفاً عن هاجس التجريد في داخله على وفق هذا النزوع نحو عد المادة قطباً لا يصح تهميش فاعليته في كلية الخطاب، لهذا يخطئ من يظن أن البحث في المادة أو الخامة عند القرة غولي سيسوقنا إلى موقف شكلي... لماذا ؟ لأننا حين نفصل طرفاً من أطراف البحث التشكيلي، فكأننا قد أسقطنا أسس اللغة في النحت، وهي الخامة التي يجابه الفنان العالم بها ولهذا أيضاً، مضى النحات بعيداً وربما وحيداً في خلوته وهو يؤسس مناطق بحثه بلا أحالات أو مراجع ضاغطة، أنما بصفات أسلوبية باتت تمثل نسقاً من أنساق الخطاب العام في النحت العراقي.
أن شخوصه ذات القامة الممشوقة ووجوهه التي لها عمق التاريخ و أرديتها المستلة من البيئة الحارة... تعد فرضيات ولاء خالصة للأرض، التي عاش عليها الفنان مثل أجيال امتدت لعهود غابرة. وأيضا نجد في أعماله العملاقة التي تبدو مظهرياً كما لو كانت قادمة من بيئات غريبة قد طبع فيها خاصية العصر الذي لا بد أن يلقى بظلاله على الحياة برمتها، وهذا ما يؤكد عدم رغبة الفنان في الاتكاء على المثال في الخارج بل العمل على أحاطته بلغة بصرية تدفع به قدماً باتجاه مثال أخر جذوره ضاربة في التاريخ والذات أيضاً، مثال ينهل من الواقع والتعبير بما يجعله يقف على الضفة الأخرى للواقع، بل أن الفنان يسعى إلى جعله أكثر إثارة وثباتاً وربما تكون شخوصه العملاقة قد اوحت لنا بهذا الانطباع، وهذا ما نجده في العديد من أعمالة.
وكما هو واضح في تمثاله (بلقيس والهدهد 1993)، الذي يتصف بكبر حجم التمثال وتعددية الخامات المستخدمة كالحديد والحبال والأسلاك والقير، كما وأنة أستطاع أن يحقق شكلاً واقعياً إلى حد ما تمثل في ضبط نسبة التشريحية في معظم مناطق الجسد من الرأس وعموم الجسد كالصدر والأطراف السفلى وكذلك عملية تحقيق الرداء، إذ نلاحظ أنه "كان متفرداً على صعيد المادة الخام و تركيب العمل الفني وطريقة تجميعه وعلى صعيد صياغاته التي لا يمكن تصنيفها ضمن فئة أسلوبية معينة وهي مواد تعد من مقترحاته الأسلوبية بمعنى أنها ليست مسبوقة في أنشاء العمل النحتي فليس هناك عمل نحتي يقوم أنشاؤه على خامة واحدة متعارف عليها في النحت كالمرمر أو الخشب أو البرونز أو الحجر... الخ".
إذ نرى ذلك متجلياً في عمله (كائن أسطوري 1968) الذي أعده القرة غولي من عدة مواد كالقرون الطبيعية وعجلة من النفايات إضافة إلى قطع من الصفائح الحديدية، جاعلاً منها تكويناً أشبه بالبشري من حيث الهيئة، محققاً تكويناً حداثوياً تجريدياً رمزياً من خلال الاستعانة بالكائنات المركبة التي تعد من التراث العراقي القديم وتجريد الشكل من كل التفاصيل التشبيهيه والمحاكاة.
فضلاً عن استخدامه لتقنية مخلفات التكنولوجيا والمواد العضوية الطبيعية وهذا يعد ابتكاراً محسوباً له إذ أنه قد ابتكر وخلق أسلوباً منفرداً لم يكن مشهود له من قبل إذ "كانت استعارته لمواد من الطبيعة كالقرون والعظام والجلد متفردة في النحت العراقي وغير مسبوقة، ورائدة إزاء النحت العالمي إضافة لإستعارته لمواد خام لها وظائفها في الحياة اليومية كالعتلات والعجلات المعدنية و أنابيب الألمنيوم والحبال، وشباك الصيد، وعدة صيد السمك (الفالات) والخيوط الصوفية وأن كان عمله التجميعي على صعيد المواد الخام مسبوقاً في أوربا، غير أن طريقته تختلف بالصياغة، فالتجميع لمواد خام متعددة لإنجاز عمل فني واحد كانت قد ظهرت في أوربا وظهر معها مصطلح (التجميع) التلصيق في أواخر الخمسينات من القرن الماضي 1950".
• أن النحات العراقي قد تجرأ كثيرا في محاولة الاختلاط بالفنون الأوربية أو بالمدارس التي ظهرت فيها فتارة يحاول التقليد وأخرى يحاول التجريب واعتقد ان محاولة التجريب هي السائدة على اعتبار ان موضوعة الانعتاق من قيود الشكل الملزمة والوتيرة المتسارعة في الحياة والاطلاع على تجارب الآخرين، اكسب الفنان تلك الجرأة على اعتبار ان الشكل ومطاوعته ينتج من الذاتية التأثيرية لدى الفنان بمختلف المراحل فيحاول بشتى الطرق تحقيق رغبة الوصول إلى ما يرضي ذاته، فنراه يحاول مجربا الكثير من الاتجاهات للوصول إلى غايته الذاتية ومحررا إشكالاً تلبي نزعته للوصول إلى الحقيقة.
كما وأن لهؤلاء النحاتين دوراً بارزاً في أظهار طبيعة الفن العراقي المعاصر وتحديد مساره الفني، رغم تنوع الأساليب والاتجاهات التي جاءت بها مختلف المدارس والتي تبناها العديد من النحاتين ولكن كل مبدع عمل وفق أسس وقواعد خاصة به أغلبها كانت تمت للإرث الحضاري من جانب، كي يتمكن من مخاطبة المتلقي وأيضا إيصال المفاهيم العراقية إلى العالمية، ومن خلال تلك المنجزات تمكن النحاتين العراقيين أن يخرجوا من واقع المحاكاة التشخيصية رغم الإمكانيات العالية التي يمتلكوها في النقل الحرفي للواقع، معتمدين على العلاقات الجمالية الجديدة في المنجز النحتي المعاصر.
وكان على الباحث أن يسلط الضوء على بعض هؤلاء النحاتين الذين كان لهم دوراً واسعاً في أغناء الفن العراقي بتشكيلات تجريدية ذات مضامين تعبيرية
7-2-2010