الفيلم الايطالي المافيوزي اللافت: – دوغمان(2018)/رجل الكلب:- بقلم : مهند النابلسي

فن وثقافة …..
بقلم : مهند النابلسي – الاردن ….
*ملخص انطباعي:
في قرية ساحلية منسية على مشارف مدينة ايطالية، حيث يبدو أن القانون الوحيد السائد هو البقاء للأصلح، يعد مارسلو الرجل الصغير اللطيف المسالم ، الذي يقسم ايامه ما بين العمل في صالونه المتواضع لتربية وبيع الكلاب والاعتناء بها، ورعاية ابنته أليدا (وهو المطلق بسلام من زوجته)، ونراه يجبر غصبا على المشاركة بمخططات واعمال اجرامية بسيطة وجنائية من قبل الفتوة المحلي المتنفذ الشرس الطباع “سيمون سينو”، وهو ملاكم سابق يرهب الحي بممارساته العنيفة المؤذية…حيث يصل الأمر والادمان والاستقواء لوصول مارسيلو لنقطة الانهيار عندما يدخل السجن لعام كامل لحماية هذا البلطجي سيمون خوفا منه،ثم نراه لا يكف أذاه عنه حيث يمتنع عن دفع نصيبه المالي من سرقة المجوهرات من المحل المجاور، بل يؤذيه بضراوة واستهتار ، فيقرر سيمون أخيرا الثأر والدفاع عن كرامته المهدورة، ويخطط لعمل انتقامي فريد ومحكم/ ينتج عنه عواقب وخيمة وصادمة وذات مغزى فريد في نمط افلام الجريمة المشوقة…
*التفاصيل المشوقة:
في الزوايا القاتمة لايطاليا، ما بين المباني الخرسانية المتآكلة والمنازل القديمة المتهالكة والطرق المغبرة المهملة، يعيش مربي الكلاب الرجل الصغير الحجم الوديع المسالم المهتم بجيرانه، فيما معظم الناس أقل لطفا معه، لكن لديه دائرته من الصدقاء ومنهم الشلة التي يلعب معها كرة القدم في الملعب البلدي، كما وابنة جميلة متفهمة تحبه، يمارس معها دوريا رياضة الغطس، كما زوجته السابقة الهادئة التي ترحب به بازدراء معبر…ويبدو أن ليس كل شيء على ما يرام مع رجل الكلب هذا مارسيليو (مارسيلو فونتي)، كما يشير عنوان متجره، فهو يقوم بعمل جانبي خطير يتمثل ببيع الكوكايين، مما يورطه مع عميل صعب للغاية يدعى سيمونسينو (ادوارد بيسيه)،الذي يواظب على زيارته متطلبا وممتنعا عن دفع ثمن الكوكايين المدمن عليه مما جلب كراهية البلدة وأصحاب المتاجر المجاورة لمارسيليو، لكنه من منطلق الشعور بالضعف والنقص معجب حقا بالقوة الكاسحة اللامبالية التي يتمتع بها هذا الشخص الضخم المتنفذ في بدلته الرياضية (كونه ملاكم سابق)، حيث يحاول جهده باخلاص الوصول للجانب الجيد من قوة هذا الشخص الشرير، حتى لو كان ذلك يعني خسارة أشياء كثيرة هامة.
*مثل نمط أفلام هذا المخرج الفذ “ماتو جاروني” يمثل سيمونسينو أساسا كل ما يمكن ان تقدمه المافيا، مثل الحماية والتأثير والعلاقات، ففي أحد المشاهد اللافتة في بداية الشريط يصطحب سيمو مارسيليو لنادي راقص راقي ترقص فيه نساء جميلات مثيرات بملابس ضيقة وكاشفة حيث يسهل له الرقص مع فاتنة بايماءة خاصة من سيمونسينو، فهذا النوع الفريد من القوة المحتكرة والتي يعجز شخصيا عن التمتع بها بتفسه وشخصيته الهزيلة، وفيما يتحدث أصدقائه في مقهى علانية عن امكانية التخلص من البلطجي بواسطة قاتل مأجور، يحاول مارسيلو جهده لكسب وده وتعزيز صداقته مع الرجل العنيف المدمن على الكوكايين!
*ألوان معبرة وتصميم انتاج ذكي:

قام المصور الفذ “نيكولاي بروبل” بتعزيز اجواء الفيلم النكدة المريرة، فصور المشاهد الحضرية من ظلال بمرشح كاميرا أصفر قاتم في وضح النهار، ومن ثم “”ظلال قذرة” لألوان زرقاء وخضراء في المساء والليل ليضعنا ضمن الجو الدرامي الترقبي المطلوب…حيث تعزز هذه الألوان المشبعة كافة المشاهد لتقديم لتقديم الخصائص السينمائية للقصة المشوقة، حيث هناك صراع ظاهر وخفي على السلطة ورغبة بالانتقام، كما عمل مصمم الانتاج “ديمتري كابواني” بجهد محترف لتعزيز ملائمة المشاهد للحالة التعبيرية،بحيث بدا عالم مارسيلو بلا نظافة وترتيب يحفل باللامبالاة واللوم والاتهام، حيث بدت معظم الزوايا المصورة مهملة بقصد بلا نظافة وكذلك مكائن غسل الملابس، فصورها قاتمة من معظم الزوايا لتجعلنا نجخل بريبة لجواء الفيلم الكئيبة والمخيفة…وهذا ما لا ينتبه له العديد من المصورين ومصممي الانتاج العرب عموما حيث لا نرى الألوان والأجواء والديكورات تنسجم احيانا مع الحالة المزاجية السائدة في هذه الأفلام والمسلسلات بل وتتناقض معها احيانا!
*تميز اداء فونتي الصامت:
يمنح أداء فونتي الراقي الحساس شعورا قويا بالتعاطف، فنفهم لماذا يفعل ما يفعله دون ان يصرح بذلك علانية: فهو يظهر معظم الوقت خائفا وقلقا قبل ان يرتكب أسوا اخطائه، ونشعر بالضيق والتعاطف معه عندما نراه جاهدا يحاول اسعاد وارضاء المتنمر اللامبالي “سيمون سينو” مما يعرضه لكافة أنواع المشاكل، لماذا؟ لأن سلوكيات فونتي الانسان الحنون تجعله يعود بسرعة مجازفا لمكان جريمة سرقة لانقاذ كلب صغير أسود تم تجميده بلا رحمة من قبل اللصوص، فكل شيء يقف عائقا امام تحول فونتي لشخصية قاتمة لامبالية، فهو يجسد عموما الألم الداخلي المتمثل بالرغبة في الاحترام والانتماء والقبول مما يقوده تدريجيا لمصير رهيب لا يستحقه!
ومضات نقدية في الصميم:*
*فيلم غير سار لكوميديا سوداء قاتمة عن البلطجة في أقوى تجلياتها الواقعية وممارساتها الخاصة القبيحة، مصنوع جيدا وينفذ لداخل جلدك كمشاهد.
*عرض أخلاقي نادر ومسرحي ضمن دراما خشنة مقتبسة من عالم الغوغاء الاجرامي.
*يبدأ بسرد سلوكي لأثمان الولاء والاذعان والتسويات الشخصية، ثم ينطلق ليتحدث عن الطبيعة البشرية ففي حالاتها المالوفة وهزيمتها وتجلياتها الغريبة.
*تحفة سينمائية جديد لماتيو غاروني يستعرض فيها باتقان وحرفية واقعية المعاناة العنيفة والنشوة المتواضعة في ابهى تجلياتها الانسانية والسينمائية…
*يبشر الفيلم لحالة غريبة تجمع بين عظمة الأداء التمثيلي المبهر والحكايةالواقعية الطافحة بالفن السينمائي الفريد.
*تكمن الطرافة التي لا يلحظها أحد في هذا الفيلم بكون ” حارس ومربي الكلاب” مارسيلو ذا دوغمان قد اكتسب من الكلاب التي يربيها محجموعة كاملة من الغرائز الكلبية الفريدة، التي ساعدته ربما على التغلب على خصمه الشرس بصورة غير متوقعة!
*يمثل هذا الشريط نموذج سينمائي فريد للفكاهة السوداء الشيقة، يحفل بالتوتر والعاطفة والنهاية الغير متوقعة.
*فالفيلم يغرقنا بأجواء كئيبة مزرية بالرغم من بصيص الأمل المتمثل بلقاء البطل مع ابنته البريئة ، كما يبحث بالبعد السيكلوجي الخاص لعنصري الولاء والاستقواء. كما يتناول تفاصيل حياة مارسيليو المسالم مربي الكلاب المتواضع الدمث الذي يعيش بين انياب الكلاب البشرية مسلطا الضؤ على خفايا تجارة المخدرات…
*ما الذي حاول المخرج “جاروني” فعله عقليا بهذا الشريط المشوق؟ فقد قدم دوافع شخصية محيرة وتائهة وغير مقنعة تماما لشخصية البطل “مارسيلو فونتي” الذي بد احيانا غبيا ومترددا وجبانا وتائها في بيئة غوغائية يسودها “الاستقواء والعنف واللامبالاة”، وعاد ربما هنا ليذكرنا بأحداث فيلمه المافيوزي الشهير “جومورا أنابولي”(2008).
*أخيرا وفي الخلاصة فدوجمان هي قصة أخلاقية تحذرنا من العنف والتواطؤ من مصير مرعب يواجهنا كمارسيلو…حيث النهاية المفجعة قد تقودنا لمصير محتمل كابوسي كان لا يرغب ابدا بالانزلاق اليه…وعلى الرغم من الرسالة الصعبة التي اوصلها الفيلم، فهو يلخص باختصار مصير أي روح انسانيية لطيفة تحاول التوصل لاتفاق مع الشيطان، مما يشعرنا بتعاطف كبير نعجز عن استيعابه، وهذا ما يجب ان نعمله للاستماع بانصات كبير لتحذير هذا الفيلم لكي لا ينتهي المطاف بنا لمصير مارسيلو المسكين!
مهند النابلسي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة