قصة حدثت : تغريبة إبراهيم بن المهلهل – كان هذا في منتصف القرن العشرين – بقلم : وليد رباح

فلسطين ….القصة …
بقلم : وليد رباح – الولايات المتحدة الامريكية …
في سالف الزمان الذي كان.. وربما مضى عليه خمسون سنة أو اكثر.. كان هنالك شاب يدعى إبراهيم.. فلسطيني ارتحل إلى السعودية لكي يبني حياة جديدة.. سمع بالريالات ونقود النفط فظن أن الوطن العربي جنة الله على ارضه.. وكانت الاذاعات العربية وقتها لم تزل تحكي عن نكبة فلسطين.. ووقوف الحكومات إلى جانب الشعب الفلسطيني. بالاضافة لذلك فقد كانت الاذاعات تغني (يا فلسطين جينالك) و(يا أم العبايا.. حلوه عباتك) و(على النجده هيا يا رجال) و(سمراء من قوم عيسى.) وصدق المسكين الحكايه.. وانطبعت في ذهنه على انه جد لا هزل.. فشد رحاله إلى (حيث الثروة)

وفي الطريق إلى حيث يريد.. كان يحول الريالات في ذهنه إلى دنانير اردنية لكي يحسب ما يمكن أن يجمعه في خلال سنة اويزيد.. وكان خياله واسعا لدرجة انه بنى دارا واشترى ارضا وتزوج وعلم اطفاله ونبغ احدهم في الطب فاصبح طبيبا متخصصا والاخر مهندسا والثالث معلما والرابع مديرا لاحدى الدوائر حتى بات الرجل حكومة باكملها.. وافاق من ظنونه وخياله فاذا بالسائق يخبر الركاب أن الوقت قد حان للنزول..

على حدود السعودية.. حيث الصحراء تمتد مثل الطوفان.. تناول الشرطي جواز سفر إبراهيم ثم تفحصه بشىء من القرف وقال: وثيقة سفر فلسطينية ؟ من هوالحمار الذي سمح لك بالقدوم إلى المملكه ؟ فرد إبراهيم على الفور بشىء من السذاجة.. سفيركم يا سيدي.. جئت بناء على كفالة اصدرها سعودي من اب وام سعوديه.. وهومشهور في بلادكم ويدعى الشيخ (هلفوت)(وهذا اسم وليس شتيمه).. هل تعرفه يا سيدي.. رد الشرطي بشىء من الاستعلاء والقرف: كلا لا اعرفه.. وعلى اية حال فان جوازك ممهور بفيزا من سفارتنا في عمان.. ولك الحق في أن تدخل سواء بعت ارضك لليهود أم لم تبعها.. سلمت ارضك لبن غوريون أم لم تسلمها.. فلا دخل لي في ذلك.. وسكت إبراهيم لانه راى في يد الشرطي عصا ممشوقة مثل عود الخيزران.

في ضواحي الرياض نزل إبراهيم من السيارة.. ثم فتش في جيبه ليعثر على ورقة صغيرة بها عنوان الشيخ هلفوت.. بحث عنه في متجره الكبير حتى وجده.. كان إبراهيم يتوقع التأهيل والترحيب بعد الرحلة الطويلة التي قطعها وهويمني نفسه بالثروة والبدء بالعمل.. ولكن الشيخ هلفوت قال له بقرف .. عليك بالصبر والصلاة والانتظار.. فقد افتتحت مشروعا جديدا للمقاولات وسوف ابدأ عما قريب..

لم يجلس إبراهيم في الغرفة التي استؤجرت له مع ستة عمال من المصريين سوى شهرين.. بدأ بعدها العمل كسائق في مشروع الشيخ هلفوت الجديد.. وخلال انقضاء شهر من الزمان.. ادرك الشيخ هلفوت أن إبراهيم (ميكانيكي جيد..) فعرض عليه أن يعمل ميكانيكيا بدلا من عمله في السياقه.. فوافق إبراهيم على الفور.. واصبح إبراهيم ميكانيكي المشروع الكبير الذي يحوي ما ينوف على خمسين سيارة من النوع الكبير..

وظل على حاله سنة كاملة.. فانتهى المشروع ولكن يد إبراهيم الماهرة في تصليح السيارات جعلت العديد من المتنفذين يتخطفونه حتى قرر اخيرا أن يفتتح كراجا خاصا له بكفالة احد السعوديين شرط أن يعطي إبراهيم لذلك الكفيل خمسين الف ريال سنويا.. فوافق إبراهيم على ذلك

في السنة الاولى ازدهرت اعمال إبراهيم فاخذ يوظف العمال العرب في كراجه.. يأخذ جوازات سفرهم ويعطيها للكفيل فيقوم الاخير باجراء اللازم من حيث منحهم الاقامات اللازمة للعمل.. وانقضى على هذا الحال عشر سنوات.. واصبح إبراهيم من اشهر اصحاب الكراجات في المملكه.. يأتيه القاصي والداني وكأنه طبيب ماهر في معرفة الامراض التي تعاني منها سيارات الناس.. وتطور به الامر فسمع به بعض الامراء فاخذوا يحضرون له السيارات من كل صنف ولون لاضافة ما لم يكن مضافا من الكماليات اليها.. وغدا إبراهيم غنيا يلعب بالريالات مثلما يلعب الاطفال بالحصى.. وبنى امبراطورية ميكانيكية ليس لها نظير هناك.. كل ذلك والخمسين الف ريال تعطى سنويا للكفيل لقاء منحه وعماله الاقامة اللازمة، اي بمعنى أن الكفيل اومن ينوب عنه يعمل يوما واحدا في السنة فيذهب إلى دائرة الهجرة والجوازات لمنح العمال اقامات سنوية جديده.. ثم يتقاضى عن اليوم الذي يعمله خمسين الف ريال حلالا زلالا..

وفي يوم عيد.. قام إبراهيم بوضع النقود في مظروف وذهب ليقول للكفيل كل عام وانت بخير.. وبعد أن شرب قهوته المرة ناول المظروف للكفيل فرفض هذا بحجة أن الزمن تغير وان الخمسين الف ريال لا تساوي شيئا.. وطلب منه أن يعطيه مائة الف ريال لقاء كفالته له.. اومغادرة المملكة الجنه.. ولكن إبراهيم لم يكن يمتلك في ذلك اليوم من النقود سوى ما معه.. فطلب من الكفيل الانتظار بضعة ايام اخرى لكي يسحب له المبلغ من البنك اويستدينه من احد الناس.. فقال الكفيل انه يعطيه ثلاثة ايام لفعل ذلك.. فان لم يستطع فاولى به أن يترك كل شىء مكانه ويغادر المملكة بسلام.

ولم يمض على العيد سوى ثلاثة ايام حتى جاء إبراهيم صباحا ليفتح كراجه الكبير.. ولكنه فوجىء بوجود اولاد الكفيل الثلاثه يقفون على باب الكراج ويطلبون منه المفاتيح لان الكراج يعود لهم.. وان المهلة التي اعطاها والدهم لإبراهيم قد انقضى اجلها.. اذ كان يفترض أن يأتي بالمبلغ كاملا بالامس وليس اليوم.. ولما حاول إبراهيم افهامهم أن الدوائر في العيد لا تفتح ابوابها.. وان البنوك تعطل فلا يستطيع سحب النقود جوبه بالضحك والاستهزاء.. وهكذا وبعد نصف ساعة كانت الشرطة تقف على باب الكراج لتقول لإبراهيم عليك بترك الكراج لاصحابه. اذ سحب الكفيل كفالته لك ومطلوب منك أن تغادر المملكة خلال سبعة ايام.. ثم سحب على وجهه إلى مركز الشرطة وتم ختم جواز سفره بالمغادرة قسرا..

حاول إبراهيم أن يدور في شوارع الرياض بحثا عمن يقوم بالتوسط له.. ولكن الجميع اغمض عينيه على تلك (الجريمة النكراء) فلم يمد له احد يده بالمساعده.. خاصة وان الشيخ الكفيل ينتمي في اصوله وفروعه إلى (طرف قرابة) لامير ربما كان اسمه سحتوت.

عاد إبراهيم إلى الاردن بعد غياب دام خمسة عشر عاما في صحاري السعوديه وهوخاوي الوفاض.. لا درهم لديه ولا دينار.. لا ريال ولا دولار.. وكانت السيارة تذرع الارض في الصحراء وإبراهيم يفكر طويلا في ما آل اليه حاله.. حتى سيارته الجديدة التي كانت تقف امام الكراج استولى عليها الكفيل.. وها هويعود إلى اهله بعد خمسة عشر عاما راكبا سيارة اجرة.

اما عن احلامه فقد تبخرت وذهبت ادراج الرياح.. لم يتزوج إبراهيم ولم يستطع أن يجعل اولاده من خريجي الجامعات.. وكان إبراهيم يطوف شوارع عمان تعسا حزينا.. وكلما سمع اغنية من مذياع عربي تحكي عن العروبة والاخوة.. كان يهجم على المذياع ويكسره فتلقي الشرطة القبض عليه بحجة اتلاف ممتلكات الناس.. وهكذا اصبح زائرا دائما للسجون بدءا من سجن المحطة في ذلك الزمن وانتهاء بمعتقل (الخرانه) مع تشديد الراء..

هكذا انتهت تغريبة إبراهيم الفلسطيني الذي حلم بالثروة في بلاد النفط إلى مستشفى الامراض العقلية .. حيث يتعلم هناك كيف يصلح لعب الاطفال التي يؤتى اليه بها على شكل سيارات ولوريات كبيره.. حتى وافاه الاجل ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة