أن تكون عربيا في هذا الزمان… يعني أن تُصارع التنين – بقلم : مهند ابراهيم ابو لطيفة

آراء حرة …..
مهند إبراهيم أبو لطيفة – الاردن …
لا تكاد تجد ثقافة شعبية في مُختلف قارات العالم، تخلوا آدابها وحكاياها الشعبية القديمة من اسطورة التنين، بالرغم من عدم وجود تأكيد من علم الآثارعلى إكتشافات تؤكد حقيقة وجوده. ولكن بالنسبة لهذه الثقافات،هو حقيقة تاريخية على الأقل في وعيها البدائي القديم.
فمن منا لم يسمع عن التنين الصيني مثلا، الذي يظهر فيها التنين، في الإحتفالات الشعبية، إضافة للتنين الأوروبي في الإلياذة الإغريقية، تنين الأساطير البابلية، السومرية، الكنعانية، الفارسية، الروسية السلافية، تنين تايلاند، ماليزيا، اندونيسيا، سنغافورة…الخ
يُصور التنين في معظم هذه الأساطير، على أنه رمز للقوة، رمز للعُنف، رمز للغيب، للسيطرة على البر والبحر والجو،أحيانا يظهر بمظهر حيوان يُشبه الزواحف، له رأس أفعى، وله أجنحة، وأحيانا غير مجنح، عيونه مُخيفة تنم عن القسوة وعدم الرحمة، والشهوة للقتل، واحيانا أخرى نراه ينفث النار من أنفه وله عدة رؤوس.
تُصور بعض الحكايات الشعبية، الناس وهم يُقدمون للتنين القرابين وكأنه إله معبود تجنبا لشره وغضبه.
أتراني أبالغ لو شبهت حالتنا العربية في هذه المرحلة ، كمن يصارع التنين؟
من يراقب المشهد العربي، يلمس بوضوح حجم التحديات التي تواجه الإنسان العربي، من مشاكل سياسية، اقتصادية، ثقافية، نفسية، تجعل ذاته الواعية غائبة أو مُغيبة، وارادته مسلوبة في ظل الإستبداد والهيمنة والتبعية، فهو إما مهاجرأو يحلم بالهجرة، أو يعيش حالة إغتراب حقيقية، نتيجة الأزمات المتراكمة على مدارعشرات السنين والتي تزداد تععقيدا دون أن تجد لها حلول، وبالرغم من رغبته في التغيير، يتم الإلتفاف على إحتياجاته، وتمييع مطالبه، وبالتالي مصادرتها.
أسئلة كثير تخطر في البال، أطرحها على نفسي، كإنسان عربي، وربما تجول نفس هذه الأفكار في نفس وعقل الكثيرين:
لماذا لم نتعلم ثقافة الحوار، النقد الذاتي الموضوعي، والإستماع للآخر، كوسيلة أساسية للابداع؟
في بعض المدارس الاوروبية، يتعلم طلاب المرحلة المتوسطة، كيف يدافعون عن فكرة معينة، يقدمون الحجج المنطقية عليها لتأكيدها، وفي نفس الوقت عليهم تقديم الحجج المقابلة التي تنفيها، .يتعلمون تحكيم الأشياء للعقل والمنطق، ،أن يكون لهم وعيهم الفردي المُتميز، وهذا الاسلوب قديم ، وتم استخدامه في كثير من المدارس الدينية والفلسفية في العالم.
لماذا فُرضت علينا ثقافة الحفظ، وتكرار السائد، الخوف من حرية الفكر والإبداع، وانطلاق الذات للبحث عن آفاق أوسع، أكثر رحابة وسعة، تحتمل الخطأ والصواب، وتجعلنا نختبئ خلف أقنعة تقليدية، ونخاف البحث والاستفادة من تراكم الثقافة الإنسانية؟
لماذا نقبل أن يتم وباستمرار ربط ثقافتنا بالإستبداد، وأنها ثقافة لم تعرف الإنسانية؟، وللأسف يروج لهذه التهمة البعض منا، وكأن الإستبداد حكر عليىنا تاريخيا، وليس واقعا إنسانيا عاما، في سياق التطور التاريخي للبشر والمجتمعات، وله أسبابه الاقتصادية والإجتماعية.
لماذا يريدون إجبارنا أن نسعى دائما للهروب إلى الأمام ، نلهث خلف الأوهام، أو نبقى أسرى الماضي ، نتأبط حُلما لم يتحقق يوما؟. لماذا جعلونا نخاف أن نواجه الواقع السائد، نفككه على أسس علمية، نتعرف على بنيته الإقتصادية، الإجتماعية، السياسية والثقافية، بتغييب وعينا بإعلام يتقن فن الكذب والخداع، والتبرير للسلطة السياسية، والحاكم القائد الفذ، والزعيم الخالد؟، لماذا هذا القصف العشوائي اليومي المبرمج، بالأغاني والأناشيد للحاكم الفرد المتسلط ؟.
لماذا لم تتح لنا الفرصة أن نتعرف على سياق وجودنا التاريخي، حسب قوانين التطورالإجتماعي، وتتم مواجهة كل المحاولات بالقمع والسجون، أو الاتهام بالخيانة والعمالة والكفر، أو ممارسة اقسى أشكال الإستبداد، فلم يسلم مفكرأو تيار من هذا البطش، فالكل في الهم سواء (اسلاميون، قوميون، يساريون، اشتراكيون، علمانيون، سنة، شيعة ، صوفيون…الخ).
لماذ يسمحون بتراكم الأحقاد القطرية، العشائرية، الطائفية، ويتم تغذيتها،حتى جعلوا من العربي عدو نفسه؟ ،خصوصا الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة ، ومن المستفيد؟
لماذا يتم ترسيخ القُطرية، والتمسك بالكيانية الصغيرة، على حساب الضرورة التاريخية، بوجوب وجود إطار جامع أكبر، يوحد الطاقات والإمكانيات لتحقيق النهضة والتقدم والتنمية، ويكون له مشروعه الحضاري ورسالته الإنسانية؟
لماذا يجب أن يخاف المسيحي، والغير عربي، ويحقد على العروبة والعرب، أو يخاف من الإسلام ، مع أن العروبة والإسلام في الجوهر نزعة أنسانية؟، لماذا يجب أن لا نثق بوطنية الآخر، نكفره أو نُجرم في حقه، فلا يأمن على نفسه وماله وعياله، ووجوده، فيسعى للهجرة إلى مشارق الأرض ومغاربها، هربا من إرهاب يُحسب علينا؟، لماذا يجب أن يهرب اليزيدي، الصابئء، المسيحي الشرقي، القبطي إلى أقصى بقاع الأرض؟، لماذا يجب أن يتحول الُكوردي لعدوي؟ أو الشيعي للسني، والسني للشيعي، أو الأمازيغي والأفريقي؟. لماذا نضع رقبتنا الحضارية تحت المقصلة ونفقد أهم ما في منطقتنا: تنوعنا الثقافي والحضاري، ورود حديقتنا؟، من يريدنا أن نأكل انفسنا؟
لماذا تسود ثقافة التجهيل، الإقصاء، التهميش، التخويف من الحُرية الفكرية، وتزييف الوعي؟، ويتم تقديم تاريخنا على أساس أنه تاريخ الحروب والصراعات ومؤامرات جواري القصر؟، هل هذه هي حركة التاريخ؟ هل هذا هو عُمقنا الحضاري والثقافي؟، ولماذا يجب أن نعتز، غصبا عنا ب “كل التراث” دون أن نعرفه، وأن يكون لنا موقفا من بعضه، وأن نتناوله بالبحث والدراسة الموضوعية والنقد والتحليل.
لماذا يجب أن نخضع دائما لثقافة العجز والفشل، والهزائم، حتى أصبح عدد كبير من الناس يكره – مثلا- القضية الفلسطينية وحتى الشعب الفلسطيني، ويُحمل الضحية الذي قدم شلالات من الدم الغالي من أجل حريته والدفاع عن وجوده ووجود هذه المنطقة كلها؟، وما زال البعض يكرر بكل غباء، أن الفلسطيني “باع أرضه”،”ناكر للجميل” ” أضاع الفرص”، خوفا من أن تفضحهم وتفضح جيوشهم هذه النكبة الفلسطينية المتواصلة، وما خرجت هذه الإشاعة إلا من الدوائر التي تلطخت وجوهها بعار التخاذل والتأمر. الفسطيني باع أرضه وعاش في فقر الخيام وبؤس المخيمات، ومهانة المنفى ، حسب منطق ببغاوات الإقليمية البغيضة.،وحملوه نتائج فشلهم وفشل أنظمتهم الهزيلة الفاسدة، في تحقيق الإستقرار والتنمية والعدالة الإجتماعية.
لماذا لا يجب علينا أن نشارك العراقي، اليمني، السوري، المصري، السوداني، الجزائري، المغربي، التونسي، الليبي، الأردني ، الصوماي، القطري، السعودي وكل خليجي، اللبناني، نشاركهم وجدانيا على الأقل، في حقهم في نيل الإستقال، الحرية، العدالة؟. لماذا يجب أن نسد أفواهنا عن أن نقول لا وبصوت عال لاسترخاص دمائهم وكراماتهم؟،والنيل من حقهم في الحياة دون قمع وإرهاب وبطش وجرائم وحصار؟، لماذا ، حتى كيانات سايكس- بيكو، المطلوب أن نشارك في تفكيكها أكثر؟ ونُعمق التمزيق ولمصلحة من؟، لماذا يجب أن نخاف أن يكون لنا هويتنا الواحدة التي لم تتحق بعد، لا سيما واننا ما زلنا في طور الكينونة.
لماذا ممنوع علينا، أن نحتج ونرفض أن تتحول مؤسسات أوطاننا إلى أوكار للفساد والمحسوبية والسرقة، والرشوة، لماذا يجب أن يسكت المواطن العربي وهذه المؤسسات تذله وتنال من كرامته وأبسط حقوقه وتحرم عياله من لقمة العيش؟.
لماذا أصبحنا نخاف من القيم العظيمة، والمبادي السامية، وحق المقاومة للمحتل والغاصب؟ نخاف أن نطالب بحريتنا واستقلالنا، ضد الإستغلال والهيمنة؟ ونسعى لتحرر حقيقي، يعتمد على الذات، وتنمية طافاتنا البشرية، وبناء قاعدة إنتاجية علمية وتقنية لمجتمعاتنا، اسوة بباقي الشعوب؟.
لماذا يجب أن نقبل أن يلتصق ” الإرهاب” بنا، ونحن في معظمنا ضد هذا الإرهاب، ونخشى أن نصف الدوائر التي تُنتجه وتصنعة وتموله ، أو نسميها بالإسم؟ ماذا عن إرهاب الدولة وحروبها وتاريخها الإستعماري في منطقتانا؟ ومنذ مئات السنين، ماذا عن حاضرها وسياساتها الحالية؟، ماذا عن النفط مقابل دمنا؟
لماذا يجب أن نبقى مصدومين ومذهولين ومحبطين ، من الهزائم، وكما غنى عبد الحليم تبكي السماء علينا والناي الحزين؟ وكأننا الأمة الوحيدة في التاريخ التي عانت ويلات الحروب والهزائم وخيبات الأمل، ثم نهضت من جديد.
لماذا يحمل مُعظمنا حُلما مشتركا عنوانه النهضة والتقدم والحداثة، ونبقى أسرى طبقة تسيطر على مال الشعب، وحقه بالسيادة. تفرض جبروتها عليه، وما هي سوى فئات تعتبرامتدادا للاقطاع، والزعامات القبلية التقليدية، ووكلاء للشركات الإحتكارية، مجموعة من السماسرة والطفيليين، موظفين في شركة رأس مال العالمي، يقومون بأدوارهم الوظيفية مقابل بعض المكاسب والحفاظ على عروشهم، ومن مصلحتهم تكريس التجزئة، وعدم الـتأسيس لبنية انتاجية حقيقية، لنبقى نستهلك وهم يحققون المكاسب.
إلى متى نخشى التنين، ونقدم له القرابين خوفا من غضبه؟

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة