. وَهْمُ “النفوذ الإسرائيلي في الصين” وتصديره إلى المستقبل.. بقلم : بكر السباتين

دراسات …..
بقلم : بكر السباتين – الاردن ….
القليل من الوعي فقط! فالمستقبل ليس حكراً على أحد! والسوبرمان الاقتصادي الإسرائيلي أكذوبة العصر! فهل يرضخ لها العقل العربي!
أحدهم أرسل لي فيديو عبر تطبيق “مسنجر”يتحدث عن اللوبي الصهيوني وسيطرته على رؤية الصين الاقتصادية من خلال الشراكة الاقتصادية ورغبة الطرفين في تدمير أمريكا مستشهداً بما قامت به العائلات اليهودية في إحكام سيطرتها على الغرب والاستحواذ على قراراته السياسية لصالح وجود الكيان الإسرائيلي. وفوجئت بأن الفيديو انتشر كالنار في الهشيم عبر التطبيقات المتاحة في مواقع التواصل الاجتماعي.. وكان نشر ليشوش بعض الشيء على صدى اتفاقية السلام الثلاثي بين الاحتلال الإسرائيلي وحليفيه الإمارات والبحرين! في إطار تضليل إعلامي جديد أو للإيهام بعدو اقتصادي جديد محتمل في المستقبل يتمثل بالصين؛ مع أنه الشريك الاقتصادي الأكبر للدول العربية والمناصر للقضايا العربية العادلة، والذي يحيد نفسه دائما عن التحالفات المتكالبة على مصالحنا العربية، لأن غاياته تتجلى في فتح جسور التلاقي لأجل الاقتصاد الصيني المتمدد دون عوائق.. ولأن العقل العربي يسهل خداعه فقد ظهرت مثل هذه التوجهات الإعلامة التضليلية التي أتلمس خطورتها في الجوهر رغم بساطتها شكلياً.
وفي حقيقة الأمر أن صديقي واهم فيما ذهب إليه، وفي نشر الفيديو التضليلي خلط وإيهام للعقل العربي للإيهام بأن خيوط المستقبل لا بد ويتحكم بها العقل الصهيوني وإن العالم ما هو إلا مسرح للدمى بين يديه.. وهذا هراء.
فمنذ ولادة الفكرة الصهيونية في عقل هيرتزل، تم تبنيها استراتيجياً من قبل عائلة روتشيلد التي دعمت مؤتمر بال عام 1891 الذي ترأسه هيرتزل وبموجبه أعلن عن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، فيما كانت التوراة تعتبر تلك الأرض التي تم احتلالها من قبلهم “أرض الميعاد” ل”شعب الله المختار”. وهو ما كان يتوافق مع البروتستانتية التي ما تزال سائدة في بريطانيا وأمريكا.. لذلك فإن تمدد الكيان الإسرائيلي في أمريكا البروتسينية كان الأكثر توافقاً أيدلوجياً مع الدين اليهودي والفكرة الصهيونية القومية التوراتية.. وهذا عامل تفتقر إليه العلاقة الإسرائيلية مع الصين البوذية؛ فتظل الروابط قائمة على المصالح الاقتصادية وتتقلب وفق ما يستجد عليها، وتعتمد مخرجاتها على مؤشرات الفشل والنجاح البيانية التي تحدد ممستقبلها استشرافياً.
وعليه فقد نجحت أكبر ثلاث عائلات يهودية بالتمركز في كل من أمريكا وأوروبا وهي: عائلة روتـشــيـــلد (التي كانت تدعم أطراف أي نزاع مفترض لتحظى بالربح الخيالي من الطرفين كما حصل في معركة وترلو بين فرنسا وبريطانيا في 18 يونيو عام 1815)، وعائلتا روكفللر ومورغان، حيث تمتلك العائلات 90 % من أسهم البنوك المركزية في أغنى دول العالم بما فيها ( أمريكا و أوروبـا ) لذالك فهي صاحبة حق طباعة العملة الورقية لتلك الدول التي كانت تمول أطراف الحروب من بنوكها الإقليمية حتى تصب الأرباح الخيالية في بنوكهم وتحول مباشرة إلى ذهب خالص.. أما الصين فهي قوة اقتصادية ومالية عملاقة لم تقم على أكتاف تلك العائلات اليهودية المتمددة عبر القارات كما يتوهم صاحبنا، لذلك فإن الشركاء الإقليميين للصين لا بد ويضعوا خيوط الشراكة في اليد الصينية تمشياً مع تماسك الاقتصاد الصيني ووحدته وشروطه الخاصة التي لا تعرف القيود.. من هنا نجت الصين من الضربة التي وجهها ترامب للاقتصاد الصيني على خلفية سحب الاستثمارات الأمريكية من الصين بذريعة انتشار وباء كورونا، فاشترتها الحكومة الصينية بأقل من قيمتها السوقية في الظروف الموضوعية وتكبد العم سام الخسارة في هذه الصفقة النادرة التي أربكت دوناند ترامب في حربه الاقتصادية ضد الصين.
لقد تمكن اللوبي الصهيوني من التحكم النسبي بالقرار الأمريكي لأن المجتمع هناك متدين ويعتبر قيام “إسرائيل” يمهد لعودة المسيح.. ففي أمريكا تنتشر البروتستانية وتؤث عادة على موازين القوى التي تصب كثيراً في صالح الجمهوريين، وهو مالا يتوفر في الصين البوذية ذات الأيدلوجية الشيوعية. ذات الاقتصاد الذي يزاوج بين الرأسمالية والاشتراكية في الوقت الذي يحافظ فيه الصينيون على الهوية الشيوعية القائمة على فكر ماوتسي تونغ وكتابه الأحمر، ليس كمرجعية بل من باب الانسجام الفكري مع تاريخ الصين، وحتى لا تتغلغل أفكار خارجية قد تصدرها الليبرالية الأوربية أو الصهيونية إليهم؛ فتتحول الصين إلى هجين يصعب التحكم به مثل هونكونغ.. ويصبح عرضة لتغلغل الخصوم الغربيين ومدخل خطير للتخريب.. فالصين لا تنسى حروب الأفيون ضدها من قبل فرنسا وبريطانيا لضرب الاقتصاد الصيني في العمق بداية القرن التاسعة عشر.
والحقيقة أن الكيان الإسرائيلي يراهن في المستقبل على مشروع إسرائيل الكبرى بعيداً عن الصين، من خلال التمدد الاقتصادي في الوطن العربي ومنافسة الصين في بعض البلدان الأفريقية؛ لذلك ينصب اهتمام هذا الكيان بالدرجة الأولى على التطبيع مع الدول العربية كونها تمثل الصندوق الممول لطموحات بلاده الاقتصادية باعتراف نتنياهو نفسه في معرض حديثه عن اتفاقية السلام الإماراتية الإسرائيلية التي أبرمت قبل أيام.. من هنا تأتي أهمية مشروع نيوم في منطقة البحر الأحمر الذي يمثل جزءاً من خريطة إسرائيل الكبرى التي نشرها إيتمار بن آفي أحد رموز الحركة الصهيونية منذ 100 عام والتي ينفذها بن سلمان حرفيا، في الجزء الجنوبي منها.. ويرى الكيان الإسرائيلي بأن الطريق إلى هذا المشروع لا بد ويكون عبر البحر الأحمر فخليج إيلات ثم براً إلى البحر المتوسط بواسطة القطارات السريعة العملاقة، بينما يتعارض مع هذا الخيار الإسرائيلي ما تنفذه الصين في إطار طريق الحرير والمتمثل بإقامة جسر الملك سلمان العملاق عبر البحر الأحمر انطلاقاً من منطقة مشروع نيوم وصولاً إلى مصر.. وهو يشكل أيضاً تعارضاً في المصالح بين الكيان الصهيوني الضئيل أمام العملاق الصيني المتمدد اقتصادياً عبر القرات بحنكة واقتدار.. فما هو حجم الشراكة الإسرائيلية الصينية إذن؛ كي يضع العقل العربي النقاط على الحروف فيقف واعياً على مشارف الحقيقة الواقعية!
وعليه فينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن فوائد الشراكة الصينية الإسرائيلية على الكيان الإسرائيلي تتجلى في النقاط التالية:
– في عام 1992، كانت نقطة بداية العلاقات الدبلوماسية، وبلغ التبادل التجاري بين تل أبيب وبيجين حوالي 50 مليون دولار.
– وصل التبادل عام 2017 حتى 9.67 مليار دولار بزيادة 7% عن تجارة عام 2016.
– تعتمد حوالي 67٪ من التجارة على واردات البضائع من الصين مقابل 33٪ على الصادرات من إسرائيل إلى الصين.
لذلك فإن دور الكيان الإسرائيلي في الاقتصاد الصيني صغير جداً، ولعل وجود بعض الميزات تضع تل أبيب في صلب الاهتمام الصيني، وهي:
1- لا يشكل الكيان الإسرائيلي تهديداً للصين كونه دولة صغيرة الحجم، عدا عن كونه مركزا دوليا للابتكار.. إلا أن هذا الدور سيبدو هامشياً أما الدور الأمريكي العملاق في رفد التكنلوجيا الصينية بالابتكارات إما عن طريق استثمارها كمشاريع أمريكية في الصين أو سرقة أسرارها كما هو دأب الصينيين في ذلك.
2- الانفتاح الاقتصادي النسبي على الاستثمارات الصينية، وتشكيل جسر اقتصادي بين الصين وأسواق غربية أكبر من السوق الإسرائيلي..
هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشركات الصينية لضخامتها هي التي تستحوذ على الشركات التي يمتلكها الشركاء الصغار.. وهو ذاته ما يحدث مع الشركات الإسرائيلية حينما يطرق أبوابها الصينيون بما لديهم من خبرات ورساميل ضخمة.. فقد استحوذت الصين عام 2014، عبر شركة (برايت للأغذية الصينية) على أكبر وأشهر شركة أغذية في دولة الاحتلال الإسرائيلي، “تنوفا”.
1- في عام 2016، استحوذت بكين، على شركة “أهافا” الإسرائيلية الشهيرة لمستحضرات التجميل، المتخصصة بتصنيع منتجات العناية بالبشرة باستخدام مركبات طينية من البحر الميت، من قبل شركة (بوسون الدولية) الصينية.
2- كانت الشركات الإسرائيلية، أصغر حجمًا وليس لديها الموارد المالية اللازمة، لاختراق السوق الصينية بشكل مستقل، ما جعل الصين تفضل هذا النوع من التعاون.. الذي من شأنه أن يبقي زمام الأمور في يده وحتى لا تحدث اختراقات لمعرفة الصين بأن الكيان الإسرائيلي يمثل رأس حربة في كل الصعد لخصمهم المباشر المتمثل بأمريكا.. والعين الصينية ليست بغافلة عن ذلك.
قد تكون هناك شراكات اقتصادية هنا وهناك فتعود بالنفع على كل الأطراف دون أن يتحكم طرف بالآخر ما دامت القيادة للاستثمار تسير وفق الشروط الصينية.. وكانت الشراكة الصينية مع الاقتصاد الأمريكي الأكثر انفتاحاً، فماذا يمثل الكيان الإسرائيلي أمام هذا الحجم الخيالي من التداخل الاقتصادي الصيني الأمريكي الذي يصعب الفكاك منه!
فحذاري أخيراً من رسم صورة موهومة للسوبرمان الصهيويني وربطه بالمعجزة الصينية ليحتل الصهاينة عقول الأجيال العربية القادمة قبل أن تتحرر من أقمطتها.. ويرسخوا في عقولنا عدواً جديداً يتمثل بالباندا الصيني الحليف التقليدي للعرب.. عجبي!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة