جدي علي (أبو فتحي) وكيانات التطبيع – بقلم : مهند ابراهيم ابو لطيفه

فلسطين ….
مهند إبراهيم أبو لطيفة – الاردن …
مع تسرع الحجيج إلى تل أبيب تطبيعا، ومع متابعتي للمشهد الساسي العربي، اتذكر عبارات جدي (رحمه الله)، عندما كنا نسأله في صغرنا، أن يحكي لنا عن فلسطين، الوطن الذي اُقتلع منه كباقي شعبنا. كان يصمت قليلا والحسرة بادية عليه، ويقول بلهجته القروية الجميلة: يابا العرب لا بيش ولا بكديش..لا بنباعوا ولا بنشروا…ولا بتاجر فيهم. أي أن حكام العرب لا يمكن المراهنة عليهم.
ربما كان (رحمه الله) يتجنب الحديث مفصلا لكي لا يتذكر تراجيديا النكبة وتفاصيلها، وربما رفقا بحفيده الصغير، وعلى الرغم أنه بعد مرحلة اللجوء الاولى، عاش في سلام وبحبوحة ، إلا أنه لم يفقد بملامحه ولهجته وزيه الذي اعتاد أن يلبسه، ذلك الحنين لقريته وتراب أرضه،ونادرا ما كان يستحضر احداث نكبة فلسطين، ولكن قسمات وجهه عندما نحاول أن نستفهم نحن أمامه ، كانت تقول كل شيء، مرات كثيرة سمعته يردد تلك العبارة عن الكيانات العربية وكأن ذهوله من ضياع وطنه ما زال يرافقه.
وها نحن يا جدي كبرنا، ومنذ بدايات وعينا السياسي بمآساة شعبنا حتى اليوم، نتأكد بشكل عملي وملموس، أن مقولتك خالدة في نفوسنا، يرددها أحفادك كلما مر قطار التطبيع من أمامهم فوق جراحات شعبنا ،فوق دماء شهدائنا، آمال أسرانا، وسنين منفانا الطويلة.
نعم يا جدي، بينما كان عرقك يروي تراب أرضك الجميلة، كانوا يتأمرون عليك، من أجل قيام أو الحفاظ على كياناتهم اللقيطة، قدموا لسيدهم المستعمر دمنا قربانا، وربطوا مستقبلهم وأمنهم بإرادة المحتل الغاصب لأرضنا، وبعد سنوات طويلة من المتاجرة بقضيتنا، نراهم يكررون نكبتنا من جديد.
كم كنت أتمنى يا جدي، أن ازف لك نبأ أنهم تغيروا، وأنهم فهموا معنى عروبتهم وأدركوا أهمية الحفاظ على ما تبقى لنا ولهم ومساندة كفاح الشعب الفلسطيني، وأن يتمسكوا بقلعتهم الأخيرة، ولكنهم يمعنون وبكل وقاحة بالمتاجرة بقضيتنا الوطنية، ويبررون هزيمتهم وتبعيتهم وفشلهم، بالصالح الفلسطيني.
لم تحتاج يا جدي (الطيب طيبة ارضنا)، أن تراجع تاريخ الحركة الصهيونية، ولا أدبيات المقاومة ولا تاريخ الإستعمار في منطقتنا، ولا وثائق ومراجع المكتبات ومراكز الدراسات،، ولا تداخلات العلاقات الدولية، لتُلخص لنا جوهر الموقف، عرفتها بكل بساطة من واقع تجربتك ومن وجعك، أنهم عبيد روما الجديدة.
لم يكتفي عبيد روما بإعلان التطبيع، ولكنهم بدأوا بشن حملة ممنهجة، نتابعها في وسائل إعلامهم طوال الوقت، على كل ما لك يا جدي، ولنا: على فلسطين الهوية والتاريخ، على تراثنا وعروبتنا، على مقدساتنا، وكفاح شعبنا الطويل، على إنتمائنا لأرضنا، وعشقنا لها، على آمالنا وأحلامنا وتطلعنا نحو الحرية والإستقلال، وأفسدوا كل ما هو جميل في ثورتنا بمالهم المشبوه تحت شعار ” تدجين الثورة”، ومبادراتهم التصفوية المتكررة منذ عام 1919 ، عندما وقعوا في مؤتمر باريس إتفاقية مع رئيس المنظمة الصهيونية “حاييم وايزمن” وتوافقوا على التعايش والإقرار بوعد بلفور مقابل أحلامهم بالممالك، ومن ثم انقلبوا علينا.
نشاهدهم يا جدي، كيف يتلون شيوخ السلطان و تجار الدين من جوقتهم التطبيعية،وكيف يشوهون مضامين الآيات القرانية والأحاديث النبوية، لتبريرإنحناء حكامهم، حتى المُقدس لم يسلم من تشويهاتهم، ها هم يسقطون آخر أوراق التوت، لقد بدأ جيش الظل يتكشف، فلا عروبة ولا إسلام، حتى جامعتهم العربية، ذلك الطبل الأجوف، لا تجرؤ على التعليق ولو تنديدا أو إستنكارا أو تحفظا كما عودتنا.، وليس ذلك عليهم بغريب.
في مذكراته حول سنين عمله في الشرق، تحدث الجنرال ” غلوب باشا ” في صفحة 220عن حرب عام 1948، وبالرغم من دوره المعروف فيها، ولكن يكتب مستغربا: “في اليوم الثالث عشر من شهر أيار سنة 1948، وقبل يومين من موعد إنتهاء الإنتداب على فلسطين، وصل عبد الرحمن عزام باشا، الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى عمان، وقد أنبأنا بأن جامعة الدول العربية قررت أن تقاتل، وأن الجيش المصري سوف يغزو فلسطين…سأل عبد الرحمن عزام عن عدد القوات المتوفرة لدينا، فأجبته بأن لدينا ما عدا قوات الشرطة حوالي أربعة آلاف وخمسمائة نفر، بين ضابط وجندي، وقد علق على ذلك قائلا: ” كنت أعتقد بأن لديكم أكثر من هذا العدد بكثير!”. بهذه العقلية تفكر الحكومات العربية! عن جيوش الدول العربية في ذلك الوقت، ليس هذا فحسب، بل لم يكن لدى أي جيش من الجيوش العربية آنذاك، حتى خريطة عسكرية واحدة عن فلسطين، في الوقت الذي كان فيه اليهود ، يمتلكون معلومات دقيقة جدا، عن كل جيش من الجيوش العربية، ومقدار ما تملكه من سلاح وذخيرة ورجال.
ومن ثم سألني عزام باشا عن عدد اليهود، فأجبته أقول: ربما ستين ألف نفر من مستويات مختلفة، ولقد أصابته الدهشة لدى سماع ذلك فقال: ” لم أكن أعرف بأن اليهود لديهم هذا العدد الكبير”. لقد تأثرت كثيرا بالحقيقة الواقعة وهي: أن الجامعة العربية قررت أن تخوض القتال من دون أن تسأل عن عدد الرجل لديها، أو عن العدد الذي يؤلفه رجال العدو.
وفي الفصل الثالث عشر من مذكراته التي حملت عنوان” حياتي في المشرق العربي”، كتب غلوب : ” انفجرت عاصفة من الحنق والغضب ضد الفيلق العربي، الذي اتهم بالخيانة لتخليه عن اللد والرملة، ولقد قُذفت أنا نفسي بالحجارة ، حين كنت في سيارتي، أما رجل الفيلق العربي، الذين قاتلوا في ظروف عسيرة، فقد اتهموا بالخيانة وحُملوا بالشتائم لأنهم لم يدافعوا عن مدينتي اللد والرملة”.
سنوات طويلة ، وهم يهاجمون أقطاب الحركة الوطنية الفلسطينية، ويزاودون عليها ومنذ عام 1936 ويتم ابتزازها سياسيا بحجج مفضوحة من مثل: إضاعة الفرص التاريخية ، أو الإنقسام يعطل الدعم ، أو أنهم يرتمون في حضن إيران عدوة العرب، والحقيقة أنهم شركاء أصليون في النكبة، والنكسة، والمجازر التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، وأياديهم ملوثة بدم اللاجئين وظروفهم الصعبة، وعذابات وحصارأهلنا في غزة، وأنهم لم يقتنعوا يوما بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
من يراجع بدقة تجربة الحاج أمين الحسيني، وكفاح الشهيد الكبيرعبد القادرالحسيني، مرورا بالإضراب الكبير عام 1936، وما بعده من محطات النضال الفلسطيني، وصولا إلى مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002، وكيف تعاملوا مع الراحل أبو عمار، سيدرك تماما أننا نواجه كيانات وظيفية تتكامل في ادوارها مع الدور الوظيفي للكيان الصهيوني ، حتى ولو بدا أنها تختلف في خطابها الإعلامي.
سنبقى يا جدي نكررمقولتك الشهيرة حول هذه الأنظمة، التي ترى قضيتنا عبء عليها، لتكون درسا مستمرا ، بأن على الفلسطيني أن يقف كالسنديانة ولو وحده، يواصل كفاحه من أجل حريته وإستقلاله.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة