الفيلم الصيني: الوداع/فيرويل/2019: بقلم : مهند النابلسي

فن وثقافة …….
بقلم : مهند النابلسي – الاردن …
*حقق 98% على موقع “الطماطم الفاسدة” النقدي العالمي!
*مزيج نادر من الكآبة الجميلة والكوميديا الذكية والتمثيل المؤثر والبعد الثقافي للحضارة الصينية (المغتربة) الحديثة!
*هذا الفيلم اللافت مبني على كذبة معلبة، فالكاتبة والمخرجة الصينية “لولو وانغ” شخصية ثقافية متفاعلة، تحقق هنا عالمية ورنين من خلال تصويرها الحي للعائلة الممتدة في خضم ازمة…هي أزمتها في الواقع: فعندما كانت جدتها المحبوبة تموت في الصين، فقد قررت العائلة ألا تخبرها لحمايتها من الهلع خلال أيامها المتبقية، وبدلا من ذلك فقد خططوا لحفل زفاف فخم كذريعة لجمع الأقارب مرة واحدة أخيرة.
*لقد اخذت وانغ قصص “التفاني والخداع وحسن النية” وصهرتها معا لتخرج لنا بهذه التحفة الاجتماعية الدرامية الكوميدية المؤثرة، وقامت الممثلة آكوفينا (نورا لوم) بتمثيل درامي معبر وآخاذ جاذب ومغناطيسي حزين.
*بينما تعالج بيلي ووالديها المذهولين الأخبار المزعجة عن والدة والدها (جدتها) المريضة في الصين، فتخطط معهم للعودة للصين لحضور زفاف ابن عمها الذي اعلنه على عجل، فقد صدمت من الكذبة الهائلة التي يستعد الجميع لاعلانها، حيث نلاحظ ان بيلي تكذب ببراعة بشأن تفاصيل بسيطة في حياتها، وتستغل كونها كاتبة طموحة في نيويورك، لتظهر تناقضات رائعة، فهي تتحدث عن ديناميكية في العلاقة مع والديها، وكل ذلك يظهر جليا من خلال لغة الجسد والنظرات الخفية، أي من خلال ما لا يقال بصوت مرتفع!
*تستكشف وانغ بهذا الشريط الاختلافات الثقافية بين الشرق والغرب، كما بين الأجيال دون توجيه صفة حكمية متحيزة، وهي تكشف عن ذلك بقلب طيب وعقل منفتح، وتجعلك كمشاهد منغمس بالبلدة وقصصها وكما لو انك تتعامل شخصيا مع هذه المعضلة بنفسك: تكمن صعوبة التخلص من الفكاهة السيريالية الناتجة عن المواقف الحزينة بنزع سلاحها الساخر: سواء عن طريق صورة فوتوغرافية رائعة ومتقنة للعروس والعريس أو يمشاهد من حفل الزفاف نفسه برقصات سخيفة ونخب خمور وغناء اوبرالي حزين ودموع متفاعلة غزيرة…لكن مصدر الضحك يكمن في استعراض الألعاب النارية في منتصف الفيلم…حيث نرى العجوز ناي التي لعبت بكاريزما تلقائية وعلى الرغم من مرضها وعمرها المتقدم، الا انها بدت واعية وفطنة تماما، وما زالت قادرة على اعطاء الملاحظات والنصائح الودودة…لكني استغربت من أنه بالرغم من ذكاء ودهاء الجدة وحساسيتها المرهفة يقراء ة الوجوه والانفعالات الا انها لم تلتقط حقيقة كونها مريضة بالسرطان في مراحله الأخيرة!
*هناك كيمياء دافئة ومشرقة يتمتع بها كل من “تشاو و آوكوافينا”، لكن لو كنت تملك مثل هذه الجدة في حياتك، فستجد نفسك تبتسم بسعادة غامرة، لأنها مبهجة تماما، ولكن قلبك ستمزق حزنا مع النهاية الحزينة.
*ومن خلال مشاركتها لنا بهذه القصة المؤثرة، فوانغ تحقق توازنا رائعا في فيلم الوداع هذا، فهو يتحدث عن موت مضىء خاص، حيث تحفل القصة بالصدام الثقافي دون أن تتورط بنقد الصور النمطية والكليشيهات الغربية، وقد تجنبت ذلك بذكاء، وقدمت مشاهد متالقة لفريقها العائلي المتكامل الكبير، وأخرجت فيلما اجتماعيا مميزا وشيقا يغوص بعناصر حضارة اخرى!
*يعتبر هذا الفيلم بمثابة عناق كبير دافىء وجميل ومفاجاة عام 2019 لطرح قصة مزدوجة الثقافة، وهو ليس “ميلو دراما” كما يفهم من السياق وانما مزيج ساحر من “الكوميديا والكآبة” مقدم بشكل مشوق ومبهج، ويحفل بالمشاهد الطريفة المتناثرة: فعندما تزور العائلة مقبرة الجد للصلاة، يقول أحدهم لا تعطوه سجائر لأنه استقال وامتنع عن التدخين، ونتمعن بطقوس توزيع الطعام على القبر وبالطقوس الدينية الصينية الطريفة المدهشة! وفي مكان آخر يتحدث “بيلي وناي ياي” بسخرية عن صور العرس فيما يتم التقاط الصور خلفهما حيث تحدث حركات مرحة متناقضة…كما توجد اشارة لجنون سائقي سيارات الاجرة الصينية اللذين يتنافسون بحدة لالتقاط الزبائن في المطار، ولطبيعة الثرثرة والضوضاء عند الصينيين عموما، وهناك عرض جميل للجداريات اللافتة طوال الفيلم…
*أكاذيب بيضاء ومحنة الموت بالسرطان وحفل الزفاف المصطنع وابتسامات مرسومة مضللة:
*انها قصة امرأة “صينية-أمريكية” تعود الى الصين من نيويورك لحضور حفل زفاف، حيث تظهر المشاعر المكبوتة مثل والدها الذي يتحول للكحول كادمان، أما هي فتكتفي بالبيانو فقط وبالمشاركة مع “ناي تاي”، فبعض هذه المشاهد الصغيرة يحرك المشاعر لصدقيته، ولقد مرت الكاتبة المخرجة نفسها بهذه التجربة بالذات مع تظاهر الأطباء بالصمت حيال اصابة الجدة بالسرطان، علما بأن “لولوانغ” قد سبق وسردت تفاصيل محنتها الشخصية وثائقيا في برنامج اذاعي امريكي يدعى “الحياة الأمريكية”، مما قادها لاحقا لفكرة اخراج فيلم روائي “خيالي- واقعي” يتمتع بروح الفكاهة والسخرية، والمدهش ان والدة بيلي جيان (لين) بدت متماسكة وحنونة تملك قلبا نابضا بالعواطف، وحتى معظم الشخصيات الاخرى ذات اللمسات البسيطة بدت جذابة تلتصق بالذاكرة (مثل الصديق الحميم وغيره).
*انها أكاذيب بيضاء تستخدم للتهدئة والتعاطف ولجعل الشخص المعني يشعر بالتحسن، فناي ناي تعاني من سرطان الرئة، مع ربما ثلاثة أشهر لتعيش فقط، وقد قررت عائلتها ألا تخبرها، وبدلا من ذلك تطير ابنتها بيلي مع والدها الى الصين، للانضمام لبقية “العشيرة” مع قصة حفل زفاف تم تنظيمه على عجل مع المحافظة على ابتسامات ثابتة مرسومة على الوجوه!
*تقرر أسرة بيلي العودة إلى الصين بعد علمهم بإصابة الجدة بمرض السرطان ويتبقى لها ثلاثة أشهر فقط، وتتفق العائلة التي تنقسم إلى أسرة هايان والد بيلي وأسرة العم هاي بين الذين هاجروا إلى اليابان، على العودة إلى الصين بحجة إتمام زواج شكلي (استعراضي) لإبن العم هاو هاو على صديقته اليابانية إيكو حتى يمكثوا مع الجدة لعدة أيام دون إخبارها بحقيقة مرضها ثم ليتم التلاعب في نتائج الفحوصات كنوع من أنواع الوداع النبيل الخاص، علما بأن اخفاء طبيعة المرض “غير متقبل” اطلاقا في الثقافة “الطبية-الاجتماعية” الأمريكية، وقد يتعرض المعنيين للمسائلة القانونية تباعا!
*ملخص القصة والاستهلال “وتبادل الكرة عبر المحيط”!

*تسير بيلي (أوكوافينا) وهي امراة صينية شابة تعيش في نيويورك، في احد شوارع مانهاتن، حيث تتصل بها جدتها التي تقيم في الصين، واسمها (تشاوشوارين) والمعروفة باسم “ناي ناي” وتدعوها للحاق بالركب، ويبدو جليا انهم جميعا كعائلة متماسكون ويحبون بعضهم البعض، فيستمر تبادل كرات الطاولة عبر المحيط الهادىء…ويتدحرج الخداع: فتدعي بيلي انها ترتدي قبعة وهي ليست كذلك، وتدعي “ناي ناي” أنها تحترق في المنزل، فيما تقيم بجناح معقم في مستشفى وهلم جرا…
*هكذا يتم استهلال هذا الفيلم اللافت: فعندما علمت الكاتبة الصينية “اوكوافينا” (بيلي) أن جدتها تموت، فانها تكسب ما يكفي لكي تسافر الى الصين (لتشانغ شون) لزيارة اخيرة، وتكمن المشكلة بكونها تلتزم بتعليمات صارمة لعدم الكشف لجدتها المحتضرة عن طبيعة مرضها الخطير لكي لا تفسد عليها نهاية حياتها…وبمقابل التستر على طبيعة مرضها الخطير فقد ظهر موضوع تحديد موعد عاجل لحفل زفاف استعراضي مرتجل كعمل بديل قبل ان ترحل الجدة، فتشعر”بيلي” وكأنها اصبحت سمكة خارج مياه بلدها الام وقد أصابها الارباك، لكنها تنجح باخفاء الحقيقة التزاما بقرار العائلة…لقد التقط هذا الفيلم ببراعة فائقة “ديناميكيات” الاسرة الممتدة من خلال استعراض دراما مؤثرة ومتقنة، تزاوج ما بين الخصوصيات الثقافية للواقع بصبغة عالمية تجمع ثيمات الشرق والغرب “العاطفية والاجتماعية” بطريقة غير مسبوقة في الطرح السينمائي الحديث…نرى في المشهد الأخير المعبر والبطلة تسير منفردة في شارع نيويوركي مكتظ بالمشاة من شتى الأعراق والملل!
*ملخص نقدي مكثف: يتحدث الفيلم عن القيم الثقافية والطقوس العائلية وثيمات الغربة والتشتت، ضمن سياق جذاب وحوار معبر يجسد واقع ديناميكية عائلة “وانغ” الصينية، كما يشير لشجاعة وثقة ومحبة الجدة المحتضرة ضمن كوميديا دافئة وصادقة، ويكشف النقاب عن اهمية الحقيقة العاطفية في العلاقات الاسرية مع مراعاة حالات ” الذعر والشكوك الطبيعية”، باختصار انه احتفال صادق وحميمي بالتقاليد والعلاقات الصينية (الآسيوية) التلقائية التي تتضارب مع الثقافة الاجتماعية الغربية السائدة والتي شبعنا من تكرار ثيماتها وقصصها…لكل هذه الأسباب الوجيهة فهذا الشريط مرشح لنيل الجوائز السينمائية والاحتفاء به كعمل اجتماعي “عالمي” منافس وفريد وممتع. أخيرا سالجأ لمقولة فيلسوف السينما “دولوز”: السينما حياة والحياة سينما , فمن يسعى إلى التفريق بينهما سيكون مصيره هو الحرمان من المحبة , محبة السينما ومحبة الحياة ,فعندما نحب الحياة نذهب إلى السينما مع دلوز!
مهند النابلسي/كاتب وباحث وناقد سينمائي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة