لحن الأردن الجميل- بقلم : سهى الجندي

آراء حرة …..
بقلم : سهى الجندي
في الأردن شيء ما يأسرك دون أن تعرف ما هو بالضبط، لكنك تعرف أنك تشعر شعورا جديدا حين تتعامل مع الناس وتعيش معهم، فهم مدركون لما يدور حولهم ولكنك تظن صمتهم جبنا، وما هو بالجبن ولكنه وعي عميق بكل جوانب الواقع، وفهم للإمكانيات وما يمكن إنجازه بها، لذا فإنهم اعتادوا على وضع حد لسقف الطموح، مع أنهم يستحقون الأفضل بما لديهم من حكمة وإدراك.
في الأردن فقط، خرج الكركيون يرجمون باصا يقل حجاجا ايرانيين الى مزار جعفر الطيار المقدس لدى الشيعة، ليس كرها للشيعة ولكن كرها لدولة دمرت من بلاد العرب ما لا يمكن ترميمه.
في الأردن فقط يسمي الناس مواليدهم “صدام” لأنه دافع عن العرب ووقف في وجه المد الفارسي حتى آخر رمق.
في الأردن فقط، يقتل العدو الصهيوني الفلسطينيين وهم يصلون، فيخرج آلاف الأردنيين في حالة غليان ويطالبون بالثأر لقتلاهم.
أذكر يوما في بداية حياتي كمعلمة في وزارة التربية والتعليم حادثة لا تنسى، فقد وقعت في يد المعلمات صور خليعة لإحدى الطالبات وصرن يتداولنها فيما بينهن، وعندما حضرت المديرة وجهت إنذارا خطيا لكل المعلمات على عدم الستر وهي مهمة المعلم الأولى المكلف بتربية الأجيال وليس تدميرهم، وكانت تلك المديرة من قبيلة بني حسن العريقة الماجدة.
حين تشاهد مظاهرات المعلمين، يختلف شعورك عن باقي المشاهدين اذا كنت يوما ما منهم، لأنك تدرك بالضبط كيف هي حياة المعلمين، فهم يعملون من الصباح الى ما بعد الظهر، ثم يعودون الى منازلهم ليرتاحوا قليلا ثم ينطلقون في رحلة التدريس الخاص في منازل الطلاب لأن رواتبهم لا تكفي متطلبات عائلاتهم، ويستوي في ذلك المعلمون والمعلمات.
أما اذا كان المعلم يشتغل في مدرسة خاصة، فهنا يجب عليه أن يقوم بمهام إضافية ابرزها الصبر على بعض أبناء الذوات وتحمل نزقهم وسوء تربيتهم، لكي لا يفقدوا وظائفهم التي غالبا ما تكون رواتبها أقل من رواتب المدارس الحكومية على ضعفها.
لكن معلمي الأردن يخطئون حين يهتفون للحرية، فالذي يهتف للحرية فهو يطالب برفع القيود عن التعبير والتملك والتنقل وهذه ليست مطالب المعلمين، بل إنهم يطالبون بزيادة رواتبهم لأنهم يكدحون ليلا ونهارا ولا يستطيعون الوفاء بمتطلبات العيش الكريم، أما المطالبة بالحرية فقد أصبحت ترفا لا يطالب به المرء إلا بعد الحصول على الحد المعقول من مستلزمات الحياة.
ليس فقط المعلمون من يعيشون في ظروف قاسية، بل أن هناك آلاف الخريجين يحلمون بالحصول على وظيفة معلم على علاتها، وهذا اجحاف وظلم لشعب لم يعرف عنه سوى السعي والكد والكدح. ولو كان الأردنيون جميعا سواءا في مستوى العيش لما هبوا هبة واحدة يدفعهم القهر والظلم.
لماذا لا يواجه المسؤولون في الأردن الحقيقة؟ فسبب المشكلة واضح وضوح الشمس، فهناك مجموعة من المسؤولين استولوا على موازنات الدولة عبر عقود من الزمن، ويجب عليهم إعادة ما استولوا عليه.
الأردني غير ملوم على هذه المطالبة فقد شاهد اخوته في عدد من الدول العربية جلبوا الفاسدين وأجبروهم على إعادة ما نهبوه من خزينة الدولة، وبات الأردني يشعر بالدونية لأنه لم يقدر أن يقوم بما قام به اخوته العرب، فهو مقهور ومحروم مثلهم، وهو يحاول جاهدا منذ بداية هذا العقد ومن غير المتوقع أن يخف زخم هذا الحراك الشعبي المتقد منذ عشر سنوات.
اذا شاءت الحكومات الأردنية المتتالية أن تحل مشكلة الأردنيين فعليها أن تجلب من أفرغ خزائن الدولة وتستعيد منه الأموال المنهوبة، وتلبي للشعب مطالبه من مسكن وتأمين صحي وتعليم مجاني.
الشعب الأردني لا يطالب بمعاقبة أحد ولا بإعدام أحد، فهو شعب مسالم وقانع، ولكن لا يجوز استغلال طيبته الى هذا الحد. –

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة