حالة استنفار – بقلم : نور الدين بوصباع – المغرب

فن وثقافة …..
بقلم : نور الدين بوصباع – المغرب ::::
لن أرسم حبيبتي صورتك غامضة أو أنبس باسمك مختزلا وكأنك مقطوعة من شجرة، ولن أفعل ما كان يفعله الفرنسيون حين كانوا يرددون في إعجاب و انشداد اسم بريجيت باردو bb هكذا جافا..ثم هل تعرفين ماهو اسمي الحقيقي ومن أكون! المهم أني أحبك حتى النخاع..ربما أكون رقما مجهولا من العشاق الذين طرقوا باب قلبك الكبير فلا شيء يدعو إلى الاستغراب، ربما أكون ماءا منفلتا من بين أصابع الوقت أو غيما يتفجر غيظا عندما تغضبين أو ورقة مهملة من أوراق العمر الشائخة، لكنك حبيبتي شجرة الخلد التي أحتمي بظلالها من قيظ الحر والقنطرة التي أعبر بها نهر الحياة نحو هيولى الموت وشغب الآخرة، في بعض الأحيان تنطق الحجارة، وترقص الأطيار وتشحب أمام عيناي أعشاب القلب فأطفق ألاحق ظلك الهارب و العياء يبطئ خطواتي المجهدة وأنا مابين صرخة الميلاد وزفرات الاستسلام للموت أعانق وألثم وجنتيك المرمريتين حد الفناء..هل ستولد حكاية عشق أخرى فوق السحاب الأبيض وقبالة الشمس الذهبية وهي تزحف نحو المغيب!..حبيبتي لا شيء يفصل بيننا سوى هذا الحصاد المر، وهذه السماء الجرداء، وذاك الأفق البعيد القابل للاشتعال ” انظري لا دخان بدون نار ولا نار بدون دخان، هذا هو المنطق الذي علمتني إياه التجربة مذ اكتويت حبيبتي بفراقك، أعرف أنك تعشقينني ولو لم تبوحين لي بذلك وأعرف أنك كنت مرغمة لاصطناع الأعذار للتهرب من ذلك.صراخ عارم ينبعث من أعماقي السحيقة فيكاد يجلجل كياني، وهواجس نافرة تفتنني وتغريني لأركب المخاطرة من أجل سواد عيناك، لا تقلقي ولا يساورك الشك في قدراتي، كوني متيقنة أني لن أقع في ما وقع فيه العاشق أورفيوس الذي سعى لاستنقاذ عشيقته من الموت فوقع هو ذاته بين براثن الموت ففي رأسي أكثر من خطة للخلاص من رحى العذاب الأزلي ودمـوع القهر الدافئة المنسـكبة من عيناك.. الأفكار تتناسل في رأسي، والخطة تمحو الخطة، وقهوة المساء لن تجود حتى الآن بفكرة صائبة..رائحة الليل الفاتنة تملئ صدري بالغواية فأتنفس عبير الحرية والقطار يأخذني حيث لا أدري من محطة إلى أخرى!.. مغامرة الولادة من رحم المنفى، ثم عندما فتحت عيناي وبدأت أدرك سر الأرقام وخيط الأفكار، كان الميلاد مجرد تاريخ مقلوب..طفولة كالمومياء..شباب ينفجر كما فقاعات الهواء المشبع بالرطوبة..شيخوخة تنهار كما لو أنني أركب العاصفة وأحلق نحو اللامنتهى، هل هذه سيرة الأحياء أم الأموات!..حبيبتي لا تلقي لكلام الناس بالا فتصرفي نظرك عني، صمي أذني ولو وشى الحساد أني كائن ورقي ولغتي خشبية، الناس يقتلون الميت ويمشون وراء جنازته وهم يرددون في صنع مناقبه..سيأتي يوم ولو بعد حين، سأنهض من بين أنقاض الريح لأنتفض على زمن الهزيمة و أثأر ممن كانوا السبب في فراقنا..قد أخسر معركة أو معركتين، لكني لن أخسر الحرب، رائحة البارود تنعشني، وأزيز الرصاص يطربني كسمفونية متوثبة ثم لا تستهيني بقدرات عسكري ركبت لغة الحرب رأسه ركوب النحس..سامحهم الله كيف يرقدون على جنوبهم مرتاحين، هانئين وأنا أبقى أقاوم حتى أخر المطاف..صوت رهيب يدوي في السماء دويا مزلزلا..الناس يهربون في كل اتجاه اتقاء الغارة، قنابل ذكية، قنابل النابالم، العنقودية..الطائرة المغيرة وأنا أحملق إليها في اهتمام لم تكن سوى طائرة ورقية، تداعب في غنج أسراب السحاب وهو شاق طريقه نحو المغيب المترامي الأطراف..المضادات الأرضية بدأت تطلق قذائفها نحو الطائرة الشبح التي بدأت تناور في رشاقة وبهلوانية مصادر النيران الكثيفة محاولة الإفلات من ضربة قاصمة..هل نحن في حالة استنفار قصوى حبيبتي رغم أن الجو في الخارج هادئ وآمن..أصوات الآذان المنبعثة من مساجد المدينة ونواقيس الكنائس تملئ صدور المؤمنين بالإيمان والرهبة..بين صفوف المؤمنين سأندس ثم أبوء إليك يا ربي في خشوع، سأضع قلبي بين يديك وسأنزع عني قناع الزيف والرياء وأرنو إلى وجهك الكريم، سأظل مشدوها وعيناي لا ترفان مخافة أن تغيب عني صورتك البهية ويغرب عن مرءاي جمالك الذي لا يوصف..حبيبتي ليس الخارج كالداخل، في دواخلنا يزهر الحب، وتشب نار الاشتياق، أما الخارج فمجرد مظهر خادع ينساق وراءه البرابرة آكلو لحوم البشر..لن يكون مجديا الاستمرار في المخادعة طالما انكشفت الحقيقة، لا داعي حبيبتي لتبريراتك الواهية، و مرواغاتك الشيطانية..الآن لوحدنا نتقاسم مساحة هذا المكان المعزول، لماذا تصرين على الهروب إلى الأمام! ..الطريق التي سلكناها خفية بالسيارة ووسط الضباب الكثيف ثم المسافة اللامحدودة التي قطعناها بعيدا عن أعين الناس، لا أعتقد أنها ستترك أثرا يمكن أن يوقعنا في الفخ، كوني على يقين على أني أحرص منك على سمعتك وسمعة أسرتك، عليك أن تطمئني ويهدأ بالك، الطائرة المغيرة لن تستهدفنا، الطائرة ليست أكثر من لعبة يتسلى بها الأطفال عندما يملون من الجلوس أمام جهاز التلفاز المتلون..هذا كل ما في جعبة رأسي من تطمينات، بحت بها إليك حتى يطمئن قلبك فلا تعلقي تهربك مني على شماعة الطائرة وعيون الناس، ثم بعد ذلك لاشيء مما يدور في رأسك الصغير وتخشينا عواقبه يمكن أن يقع ونحن وجها لوجه، وبيننا هذا الشيطان المارد، لقد قتلت كل رغبة جامحة في صدري منذ زمن بعيد عندما فشلت في قصة حب رائعة مع فتاة جميلة، حدث ذلك في مكان أرحب وأمام أعين الناس عكس ما نحن الآن فيه، في هذا المكان الضيق والمعزول، متوارين عن أعين الناس..لست متأكدا إن كنت مخطوبة أم لا!..كل ما أعرف أني كلما حاولت أن أمزح مع فتاة وأعرض عليها صفقة الزواج واجهتني أن عدد الخطاب الذين تقدموا لخطبتها لا يعدون، منهم المهندس والطبيب ورجل الأعمال والطيار، وعندما أستفسر ها لماذا لم تتزوج بواحد منهم! تجيب في رباطة جأش أنها لم تقتنع بأي واحد منهم وتسترسل في حديثها أن الزواج دون تفاهم لا معنى له، ثم وهي تنصرف تردد في مسامعي ” اللهم التبن والراحة أولا الشعير والفضيحة ” فألبث في مكاني متسمرا كمسمار صدأ أفكك كلامها دون أن أظفر بإجابة شافية..حبيبتي هل مازلت مصرة على رأيك وتهربك اللانهائي ولم تقتنعي بشخصي بعد، ثم ماذا ستفعلين الآن وقد استدرجتك إلى هذا المكان المعزول..المكان الذي نحتمي بين أركانه وإن بدا ضيقا وعائما في قتامته صالح الآن لأن يكون مسرحا لجريمة..لا لا فقط أمزح معك، بل مسرحا يلعب فيه كل واحد دوره الطبيعي..ثم أي نوع من المسارح يروق لك! مسرح البولشوي، أم المسرح الفقير، أم مسرح الميم، أم المسرح الاحتفالي!..لنحرق أوراق ميلادنا، وليرتدي كل واحد منا قناعه..هل تحفظين دورك جيدا أم سترتجلين الدور..وراء الكواليس كل الترتيبات ينبغي أن تتم في أسرع وقت..لا تنسي الاستعداد النفسي والتركيز في الأداء وأن تتجردي من الأوهام التي قد توقعك في الارتباك..المسرح الذي سنلعبه الآن هو مسرح الحياة، ولا علاقة له بالمسارح التي ذكرتها لك..كل الأنظار ستتصوب نحونا كسهام حادة وسيشيع بين الجمهور القيل والقال، لكن لا تعيري لكلامهم أي اهتمام..نحن نلعب لعبة نظيفة باسم الفن، وهل هناك شيء أرقى وأسمى من الفن! حيث تتطهر النفس من الخطيئة، وتحلق الروح حيث اللانهائي..الآن حبيبتي العد العكسي للمسرحية قد ابتدأ، وما هي إلا لحظات ويرفع الستار..ماذا حل بك، مالي أراك جامدة في مكانك! أتوسل إليك ردي على كلامي، هيا تقدمي ألا تسمعي صراخ وصفير المتفرجين ألم يعجبك الدور الذي ستلعبينه..لا بد من عرض المسرحية وإلا وقعت الكارثة، كان عليك من قبل أن ترفضي لعب الدور..أي عناد هذا الذي يعشش في رأسك! ما أتعسكن أيتها النسوة توقعن الواحد في الحب ثم تتهربن من بعد، ما هذا المنطق الأعرج!..الآن لاشيء يحول بيني وبينك، سوف لن أدع الفرصة تفلت مني..القدر نفسه سيسخر مني إن تركتك ترحلين..لم يعد ثمة وقت زائد يسمح لك بالمناورة إلا تستسلمي إلي طائعة قبل أن يشتد غضبي، وتتوتر أعصابي، وعندئذ لن ينفعك الاستجداء ثم كيف أحافظ على رباطة جأشي! وأكبت نزواتي في أعماق هذه الدهاليز المهجورة ونحن وجها لوجه..أشطبي من رأسك الصغير أني كائن ورقي بلا تاريخ ميلاد أو هوية، اغسلي دماغك من يوطوبيا الحب والاحتراق، تلك نكتة مضحكة وسخيفة..الحب يتبخر في رمشة عين، يصبح أمرا يثير الغثيان والقرف..العشاق المساكين يبنون أحلامهم على السراب..لاتهم التفاصيل، كيف يبدأ الحب شعلة متوقدة، وكيف ينتهي رمادا و غبارا، بل حالات الجنون التي يتمزق لها القلب ثم كيف لي أن أنزع هذا القلب من صدري كي لا يورطني في الجنون والهذيان، هذا ما يتردد في دو اخلي كلما هممت لخوض مغامرة جديدة، لكن الآن في هذه الفسحة الصغيرة وقد توقفت الغارات فلاشيء يدغدغ دو اخل محارب صنديد مثلي إلى امرأة يلبسها وتلبسه حد الحلول..أتدرين معنى الحلول! روحان تتماوجان..تتراقصان..يجمعهما الفناء حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود، ولتمطرنا الطائرات بقنابلها الغبية…

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة