مخيمات اللاجئين.. والسعي من أجل العدل – بقلم : جيمس زغبي

فلسطين …..
جيمس زغبي – واشنطن …
رحلتي إلى فلسطين بدأت في الواقع مع زوجتي «إيلين» قبل 50 عاماً. ففي ذاك الوقت، كنت خريجاً جامعياً متزوجاً منذ فترة قصيرة. وبالإضافة إلى دراستي والتدريس، شاركت في الحركات المناهضة للحرب والداعمة للحقوق المدنية وحقوق الطلبة. وكنت أستريح من النشاط الحقوقي لأعد لامتحانات الماجستير. وبينما كنت أحاول المذاكرة، كانت «إيلين» تقرأ كتاباً عن خيانة ونزع ملكية سكان أميركا الأصليين.
كانت تمتلك حساً قوياً بالعدل، وكانت تقاطعني أثناء المذاكرة مرات، لتنقل إليّ غضبها من كل عمل وحشي وانتهاك لمعاهدة تصادفه أثناء القراءة. وحين أنهت هذا الكتاب، التقطت كتاباً آخر وهو كتاب «السلام المراوغ» لجون ديفيس، أول رئيس لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). وأثناء قراءتها هذا الكتاب، بدأ ثانيةً الغضب والمقاطعات. فقد هالها تشابهات خيانة العهود، وانتهاك المعاهدات، ونزع ملكية الأراضي من السكان الأصليين، وتشتيتهم بعيداً عن ديارهم أسلافهم. وأزعجها للغاية أن كلينا، كأشخاص متعلمين، لم نتعلم شيئاً من هذا التاريخ أثناء الدراسة النظامية. وأثناء قراءتها لكتاب «ديفيس» قالت لي: «لم نكن نعلم هذا، وهؤلاء أهلك، وأنت لا تفعل أي شيء حياله». ومنذئذ، بدأت رحلتي. ولم يكن هذا هو الدرس الأخير الذي تعلمته من «إيلين»، لقد لقيت ربها قبل أربعة شهور، وتركتني وأطفالنا الخمسة وأحفادنا الثلاثة عشر، وتركت حب العدل الذي يملأ قلوبنا، ويرشد أفعالنا.
وبعد الانتهاء من دراسة الماجستير، بدأت أعالج قضية فلسطين في اجتماعات الطلبة وغيرها، لكن اتضح لي أن لهذا ثمناً. وبعد شهور قليلة في ذكرى ميلاد «إيلين»، تلقينا خطاباً يهدد حياتي، جاء فيه: «أيها الكلب العربي. إذا وطأت قدمك الحرم الجامعي، ستلقى حتفك». وبعد ذلك بأيام، أثناء قيامي بالتدريس في الجامعة، احتشد أفراد من «رابطة الدفاع اليهودي» أمام غرفتي، ورددوا هتافات، وهددوا بالعنف. وخرج مجموعة من الطلاب السود من غرفتي الدراسية، ونجحوا في تفريق الحشد بسلام. لقد استمر الخوف بعد الحادثة، لكن أيضاً ظل الالتزام بالعدل باقياً.
وبعد ذلك بعام، جمعت أنا و«إيلين» متاعنا وتوجهنا إلى لبنان، وكان معنا أول أطفالنا. فقد تلقيت منحة تمكنني من قضاء وقت في مخيمات اللاجئين، كي أجمع قصصاً عن النكبة. وبعد أيام من المقابلات، وبينما كنت أغادر مخيم «عين الحلوة» في لبنان، أمسكت عجوز بذراعي وقالت: «قصصنا عليك قصتنا، فماذا أنت فاعل بها؟» وفي رحلة العودة، أخبرت «إيلين» أن حياتنا لن تكون كما كانت من قبل. وهذا ما حدث بالفعل. فبعد ذلك ببضع سنوات، بينما كنت أقوم بالتدريس في معهد جامعي بولاية بنسلفانيا، دشنتُ حملة «حقوق الإنسان الفلسطيني»، وهو ائتلاف من قيادات الحقوق المدنية ومناهضي الحرب والزعامات الدينية، ثم اتخذت قراري ببيع المنزل والمغامرة بانعدام الأمن لإدارة جماعة غير هادفة للربح، وانتقلت إلى واشنطن لإدارة حملة «حقوق الإنسان الفلسطيني». وكان لدينا في ذاك الوقت ثلاثة أطفال صغار، لكن «إيلين» أيدت قرارنا وظلت متمسكة بما أصبح التزامنا.
وأثناء العقود الأربعة التالية، ظلت «إيلين» بجانبي. ودشنّا «اللجنة الأميركية العربية ضد التمييز» عام 1980، ثم لجنة «أنقذوا لبنان» عام 1982 لتقديم العلاج الطبي للأطفال الضحايا آنذاك من القصف الإسرائيلي للبنان. وخلال هذه الفترة، قضيت بعض الوقت للقيام بدور نائب مدير حملة جيسي جاكسون الرئاسية عام 1984، وشاركت في رئاسة مشروع دشنه آل جور عام 1990. واستمرت تهديدات القتل، واستمرت معها فترات من عدم الاستقرار المالي
ومنذ بداية ممارستي إلقاء الخطب، كانت «إيلين» حاضرة هناك ترشدني. وفي السنوات الأولى، كنت أحياناً أقع في أخطاء استخدام لغة قاسية أو غير مصقولة، وحينها كنت أراها تبدي استياءها. وحين كنت أسرف في الإطالة، كانت تنقل إلي رسالة، مفادها أنه يجب إنهاء كلمتي. وكانت تُحصي المرات التي تستاء فيها وتخبرني بها. وفي نهاية المطاف، استطعت أن أنهي خطبة دون أن تبدي امتعاضها لمرة واحدة. وكانت تراجع كتاباتي أيضاً، حتى أصبحت في نهاية المطاف أفضل محرر لما أكتب.
ومع نمو أطفالنا، بدأنا نسافر معاً. وذهبنا إلى لبنان – وزرت هناك قرية والدي – والأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر وأيرلندا، حيث سعت «إيلين» إلى استكشاف جذورها، وكان لديها ولع خاص بأيرلندا وبتاريخها وبمعاناة الأيرلنديين على أيدي البريطانيين، ولذا ذهبنا إلى هذه البلاد مرات كثيرة. وخلال كل هذا، ظلت متمسكة بحب العدل، ودعمت جهودي التي أصبحت محور حياتي وعملي، ووجدت أيضاً قضايا جديدة تتبناها، مثل إصلاح الكنيسة الكاثوليكية، والحد من انتشار المسدسات، وإصلاح الرعاية الصحية، وحقوق أصحاب الحاجات الخاصة. وكانت متحمسة لبيرني ساندرز. وكانت أماً وجدة ممتازة وناقلاً للقيم في أسرتنا.
وتوقفتُ عن العمل بعد أن أصيبت «إيلين» بسكتة في نوفمبر 2019 وظللت بجانبها يومياً لعدة شهور. والرحلة الوحيدة التي قمت بها أثناء تواجدها في المستشفى، كانت بناء على إصرار منها. فقد طلبت مني أن أكون نائباً عن بيرني ساندرز لأتحدث في يوم مارتن لوثر كينج، تكريماً لجيسي جاكسون. وحين عدت وعرضت عليها مقطعاً مصوراً من كلمتي أعجبها ذلك. لقد ظلت «إيلين» تقوم بتعديل خطبي. وحبها للعدل ساعدني في تشكيل وتوجيه أطفالنا للسعي في سبيل العدل في مجالات مختلفة، مثل الحقوق المدنية، وفي إصلاح الهجرة وحقوق أصحاب الإعاقة، وحماية البيئة، والمساواة والعدل في التعليم العالي والابتدائي. إنهم جميعاً، وأنا أيضاً، من إرث «إيلين» وما كان لنا أن نكون على ما نحن عليه، لولا حبها وإيثارها.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة