حوار مع الكاتب : سنان صفاء الخطيب – العراق – حاوره بسام الطعان

فن وثقافة …..
حاوره بسام الطعان ….
***
الصورة الشعرية هي عمليّة تفاعل متبادل بين الشاعر والمُتلقِّي .
سنان صفاء الخطيب: منذ القدم والعراق يزخر بأسماء عظيمة في مجال الفن والأدب..
شاعر وكاتب عراقي من مواليد مدينة هيت/ محافظة الأنبار، ينظم الشعر العمودي الفصيح، له أربعة دواوين شعرية، حاصل على عدة جوائز أدبية في مجال الشعر، شارك في العديد من المهرجات الثقافية محلياً وعربياً، وينشر نتاجه في الكثير من الصحف والدوريات المحلية والعربية.
ـ في الماضي كانت القصيدة تفاخر رثاء، حكمة، حث على البطولة والفداء أو الحرب، وارتزاق سواء كان مدحا أم هجاءً، ولهذا قالوا الشعر ديوان العرب، والآن في هذا الزمن المعلب، ما هي القصيدة؟
*كانت القصيدة ومنذ القدم تعرف بالقصيدة العمودية الموزونة المقفاة، والقصيدة التي تخرج عن هذا السياق لا تسمى قصيدة، حتى جاء عهد السياب ونازك الملائكة وغيرهم من الشعراء فكانت معهم الانتقالية إلى ما يسمى بالشعر الحر فكانت له أصداء عند الشعراء لما فيه من حرية أوسع في الكتابة فقد اعتمدت في وضع القافية والتفعيلة والصياغة والبحر تحت خدمة الموضوع فكانت له الحرية الاكبر في تناول موضوعه وسمي بشعر التفعيلة فممكن أن تكون تفعيلة غير كاملة في نهاية البيت الأول ليقوم بتكملتها في البيت الثاني وهكذا مع تنوع القافية وبساطة الالفاظ واستخدام الصور الشعرية بكثرة فكان التغير تغيراً حاسماً للقصيدة فاستحسنها أكثر الشعراء وكتبوا فيها ببراعة للأسباب الآنفة الذكر. اما اليوم فان القصيدة قد ظُلمت عند البعض لأنهم لم يفهموا أنها وإن كانت حرة لكنها مقيدة بنظام التفعيلة فخرجوا عن هذا السياق إلى كتابة النثر دون دراية وعلم حتى بالنحو واللغة مع تداول المكتوب دون رقابة أضعف القصيدة كثيرا، إذن ظهور القصيدة الحرة وقتها صارت لها أصداؤها في الوسط الأدبي
ـ جذوة الكتابة الشعرية لن تموت في العراق رغم شبح الموت الذي خيّم على الحياة العراقية ولعقود طويلة ، ومع هذا ظهرت أجيال شعرية متعددة منذ مطلع خمسينات القرن الماضي ، أي مع ظهور السياب ونازك والبياتي والنواب والصائغ وسعدي يوسف والحيدري وغيرهم ، ثم جاءت أجيال أخرى ، وقد عاشت كل هذه الأجيال مرارة الواقع السياسي العراقي بكل تناقضاته وتعقيداته، ومع كل هذا ظل العراق يرفد الحركة الشعرية العراقية بشعراء مميزين، واليوم في العراق جيلٌ يأخذ بالشعر العراقي نحو آفاق حداثوية جميلة. ما رأيكِ؟
*العراق كان وما يزال يتقدم البلدان بكل نواحي الأدب وخاصة الشعر، فمنذ القدم والعراق يزخر بالشعراء وبأسماء عظيمة في مجال الفن والأدب ومنهم أبو الطيب المتنبي والفرزدق وغيرهم بالنسبة للعصر العباسي، ثم العصر الحديث المتمثل بعبد الوهاب البياتي والجواهري ونازك وأحمد مطر والسياب والزهاوي وغيرهم، فالعراق بلد الشعراء، أما الآن فأننا نجد ثورة شعرية عارمة فيها الذي يكتب القصيدة بإتقان، وفيها الذي حط من القصيدة وجعلها في مستوى ضحل، هناك الأخطاء الكثيرة لغوياً وعروضياً، فكل من هبّ ودبّ كتب الشعر وأصبح شاعراً دون الاكتراث لما يؤول إليه ما يكتب من مشاكل، بالنسبة للحداثة ومفهومها الخاطئ اهبطوا من مستوى القصيدة لأنهم أخذوا الحداثة على أنها التغير في مفهوم القصيدة الخليلية وهذا يقلل من شأنها ، وبعضهم على العكس أبقى القصيدة العمودية كما هي ولكنه طوّر في عمق الصورة الشعرية.
ـ كثيراً ما نجد في الشعر العراقي مساحة كبيرة من الحزن وهي اكبر مساحة الفرح، ووجدنا أجمل ما قيل في هذا الشعر نصوصاً أحاطها الحزن والشعور بالحيف أو الغربة أو فراق الأحبة؟
* إن ظاهرة الفرح والحزن طاغية وموجودة على الشعر المعاصر بصورة عامة وليست بالشعر العراقي فقط ومساحة الحزن اكبر بكثير من مساحة الفرح ، ولقد تفرد فيها الشعر العراقي لما يحمله من آلام وأحزان فالمعاناة هي التي تفرز ما يبوح به الشاعر ، ولقد انعكست هذه المعاناة على الشاعر في نصوصه الشعرية ونجد نغمة الحزن موجودة مع أكثر الشعراء في تركيبتهم وهي التي تحرضهم على الابداع.
ـ هل في العراق ثقافة طائفية يروج لها، والبعض يقول إن الذي يجري في العراق عوده إلى الوراء، إلى محاكم تفتيش جديده ،إلى زمن الكهوف واللطم والدفوف ، إلى زمن الفرمانات والسلاطين الذين لا يرد لهم أمر؟
* بالنسبة لعالم الشعراء لم ألمس هذا الفكر، فالجميع يهدف إلى عراق واحد موحد لا فرق بين ابنائه إلا بحبه وانتمائه لبلده.
ـ ما هو المناخ الأفضل لينمو فيه الأدب، وما هي الظروف التي يجب أن يترعرع فيها؟
* ان المناخ الأفضل لينمو فيه الأدب إن كان رواية أم شعراً لا ينمو إلا في ظل مجتمع مثقف ، يبحث عن الرقي في الفكر والسلوك ، ولا يمكن للأدب ان ينمو بغير ذلك فما نفع الكتب من دون المتلقي ، والذي يجب أن يكون في ظروف هادئة ، تسمح له بالمطالعة ، والبحث عن المعرفة الفكرية .
ـ القصيدة والموسيقى توأمان، والحضور الإيقاعي في النص الشعري يمشي جنبًا إلى جنب مع الصّور الشّعريّة، يتناغمان، فيستدعي أحدُهما الآخر، والقصيدة التي لا تُطرِبُ سامعَها لا يحقُّ لها الانتماءُ إلى الّشعر، أليس كذلك؟
* نعم، فالموسيقى اقةٌ روحيّةٌ موجودةٌ للرّوح. أمّا الكلمة فهي للعقلِ بكلِّ ملكاتِه، حتّى الملكة العاطفيّة. الموسيقى جزءٌ أساسيٌّ من الشّعر، لكنّ الشّعرَ يضيفُ إليها الكلمة. وبناءً على ذلك فإنّ العقلَ يجبي لغةُ الرّوح. وإذا كانَ الشّعرُ فيضَ العاطفة، فهذا الفيضُ لا يخرجُ إلاّ على نغمِ الرّوح.
ـ قصيدة النثر قيل عنها الكثير سلبا وإيجابا؟ برأيك هل استطاعت قصيدة النثر أن تؤسس لنفسها وجوداً وحضوراً فاعلاً في المشهد الشعري؟
* استطاعت قصيدة النثر أن تؤسس لنفسها وجوداً وحضوراً فاعلاً في المشهد الشعري، وهذا الشكل الشعري تطورا لأشكال مشابهة او قريبة في تراثنا الابداعي. ولا نعتقد ان جنسا ادبيا يوغل في الهدم الى درجة فقدان الهوية فمازالت المقامات موجودة كشكل ابداعي وان انسحبت الى الظل لظروف وقبل ان نقف عند آراء بعض النقاد والشعراء حول هذا السؤال الجديد القديم يمكننا القول ان الازمة هي ازمة نقد اولا لان النقد لم يقف لمساءلة التجربة الشعرية المعاصرة برمتها وبكل اشكالها (العمودي – التفعيلي ـ النثري).إننا لو سقنا هنا ما جمع من آراء حول قصيدة النثر (مثلا) لاحتجنا الى مساحات تفوق اضعاف هذه المساحة بعشرات المرات. وقراءة سريعة لما تلقاه الناقد والشاعر عز الدين المعاصرة على اسئلة مشابهة (وان كانت اكثر عمقا) وجمعها في كتابه (اشكاليات قصيدة النثر) وشارك في الاجابة عنها اكثر من اربعين شاعرا وناقدا من ارجاء العالم العربي ـ نجد ان ثمة اتفاقا حول مصطلح قصيدة النتر وحول غياب المعايير التي تحكم هذه القصيدة فهناك من يرى انها شعر خالص وهناك من يرى انها (نثر خالص) وهناك رأي ثالث يرى انها جنس أدبي ثالث مستقل، ولم يقل احد بإلغاء او موت قصيدة النثر او القصيدة العمودية. ان اتجاه القصيدة العمودية كتراث عميق في أغوار تاريخنا الابداعي تحدد وتؤطر وفق معايير ومقاييس شكلية معينة بخلاف (قصيدة النثر) المصطلح الاكثر شيوعا في النقد المعاصر والتي اطلق عليها منذ نشأتها (1905) بكتابه لأمين الريحاني وحتى الآن كما يرصد د. عز الدين المعاصرة في كتابه قصيدة النثر ما يقرب من (25) اسما. منها: الشعر المنثور ـ النثر الفني، الكتابة الحرة، الجنس الثالث، النثيرة… الى آخره. ـ ما هي المزايا التي تجعل القصيدة ناجحة بكلّ المقاييس، هل هي الحالة الشعرية، وهي حالةُ الانفعال العاطفي، أم براعة لغوية، وكما نعلم اللغة العربية عبقرية لمن يتقنها، أم الفكرة اللامعة أم الخيال الذي يرى ما وراء الغيوم أم ماذا؟ وهل اسم الشاعر يكفي ؟
* ان المزايا التي تجعل القصيدة ناجحة بكل المقاييس هي بالتأكيد الحالة الشعرية وهي حالة الانفعال العاطفي وايضا يستلزم براعة لغوية لان اللغة العربية عبقرية لمن يتقنها ويجب اتقانها بشكل جيد والشعر لابد ان يكون بإيقاع موسيقي ، والشاعر هو يولد شاعرا والشعر موهبة من الله تعالى وفطرة يولد عليها
ـ اللغة هي ركن أساس في بنية النص الأدبي كيفما كان جنسه ولونه، اللغة كأحد اللبنات في النص الشعري كيف تراها، وكيف تنظر إلى دورها في نصوصك الشعرية؟
* بالتأكيد اللغة هي ركن اساسي في بنية النص الادبي واحدى اللبنات في النص الشعري . وهي الأساس التي يستند إليه في تحقيق التعبير, ومن هنا فأن مهمة المبدع – شاعرا كان أم ناثرا- تكمن في أن يصير من هذه اللغة سمات تهدف إلى الكشف عن العلاقات التي تربط بين الظواهر والأشياء, وصولا إلى تحقيق النص وظيفته التعبيرية, مرورا بالتعامل الدقيق مع معاني الكلم حيث تناسقت دلالتها في هيئات يجري فيها الكلام في وجوه كثيرة
ـ كيف تنظر إلى مفهوم الصورة في النص الشعري، وهل تعدد الصور يسيء إلى النص؟ * الصورة الشعرية هي عمليّة تفاعل متبادل بين الشاعر والمُتلقِّي للأفكار والحواس، من خلال قدرة الشاعر على التعبير عن هذا التفاعل بلغة شعريّة تستند مثلاً إلى المجاز، والاستعارة، والتشبيه؛ بهدف استثارة إحساس المُتلقِّي واستجابته، ومن العناصر التي تتكوّن منها الصورة الشعريّة تتمثّل في اللغة، والموسيقى، وما تشتمل عليه من وزن، وقافية، وإيقاع، والصورة الشعريّة مُرتبِطة بالخيال؛ فهي وليدة خيال الشاعر وأفكاره؛
ـ ديوانك الشعري الذي يحمل العنوان ” صدى الخطيب” .. هل لك أن تحدّثنا عن هذا الديوان، وماذا أضافَ إلى تجربتك الشعرية؟
* ديواني الشعري (صدى الخطيب)، اخترت اسمه من اسم عائلتي وهم ال الخطيب سادة حسنية من العراق ولقد وضعت حلَّتي بكوامنها ومشاعري بعنفوانها وأسرار حياتي هو يحكي الواقع بنصوص شعرية تترجم المشاعر والأحاسيس محاكاة لواقع عشته بكل تفاصيله سلبياته وإيجابياته. أما إضافته اليّ، فأعتبره هو عصارة افكاري وصدى مشاعري الذي أرجو أن ينال رضى القراء.
ـ ما أكثر الشعراء ، وما أندر الشعر في وقتنا الراهن.. دائماً نجد ندرة في الشعر الجيد والجديد، وندرة في الشعراء الذي تهمهم تجاربهم الشعرية ويعملون عليها بكدّ وجدّ ومثابرة وتضحية بعيداً عن الضجيج والنفخ في القرب الفارغة، ما رأيك؟
* بالتأكيد نجد ندرة في الشعر الجيد والجديد ولقد ظهر شعراء اكفاء ومقتدرين وشعراء شباب يجب الوقوف معهم وتشجيعهم بما يستحقون في ظل الكم الهائل من الادباء والشعراء ويجب توفير الظروف الملائمة الجيدة وتشجيع الشعراء والمثقفين والوقوف معهم في كافة المجالات وتطوير الحركة الادبية والادب بصورة عامة نحو الاحسن والافضل
ـ ما أكثر النقاد في بلادنا العربية ، ولكن أحيانا نرى بعضهم وقد امتاز بصفات غريبة، على سبيل المثال يتناول ناقد ما عملاً لا يستحق القراءة، فنجده وقد فقد اتزانه من شدة الإعجاب والانبهار بهذا العمل، وخاصة إذا كان هذا العمل لكاتبة أو شاعرة، وفي عمل آخر يتناوله وهو عمل جاد لكنه يتجاهل كل جمال فيه ويستخف به. ما رأيك؟ هل هذا هو حال حركة النقد العربية؟
* النقد بصورة عامة هو دراسة موضوع معين ثم تعيين الايجاب والسلب ومكامن الجمال والضعف والجيد والرديء، بعدها وضع الحلول وبالنسبة للنقد الادبي لا يختلف عن النقد بصورة عامة أيضاً هو طريقة لإظهار مظاهر الجمال وتقييمها بشكل موضوعي يعتمد هذا على الناقد وذوقه وقدرته على تفنيد العمل الأدبي ودراسته له وتقدير النص بشكل صحيح وبيان القيمة الأدبية له بالتفسير للنص وتوجيهه أدبياً ثم ولكن للأسف الشديد ما نلاحظه اليوم هو وجود بعض النقاد على الساحة الأدبية يحاولون ابداء آرائهم بنصوص هم لا يعرفون كيف يتعاملون مع النصوص والبعض الاخر والقليل لا يعرف حتى العروض فتجدهم يمتدحون نصاً وينتقدون النص الاخر كأنه ليرضي أو يجامل صاحب النص،، وعليه أجد الحركة النقدية ليست بالمستوى المطلوب وهذا ينعكس على مستوى الحركة الأدبية وبالتأكيد هذا لا يشمل جميع النقاد في بلادنا العربية.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة