دمية على الدرب – قصة : ابتسام شاكوش

القصة ……
بقلم : ابتسام شاكوكش – كاتبة سورية تقيم في تركيا …..
أسرعي يا خديجة, الجميع سبقنا يا ابنتي, الدرب وعر, والغابة وارفة وأخشى ان نضيع بين أشجارها
لم تجب خديجة بغير البكاء, , كلت قدماها من مشقة السير, وما عادت تقدر على تحمل المزيد من العناء, توقفت بعد خطوات, تركت ذيل ثوب أمها وصاحت مبتهجة
-امي انظري الى هذه الدمية, سآخذها لي
-حسنا خذيها وأسرعي في المسير, علينا أن نلحق بأبناء قريتنا قبل حلول الظلام
حملت الصغيرة دميتها, عانقتها كما تعانق ام رضيعها بعد مدة من الغياب, راحت تغني لها ما تحفظ من الأغنيات, , وتحكي لها الحكايات, تعدها بتعليق أرجوحة لها على غصن شجرة التوت في باحة الدار, وبأنها سوف تطلب من أبيها صنع سرير أنيق يليق بها, وبأنها لن تسمح للقطة بتمزيق ثوبها أو خمش وجهها الجميل
-امي…ما عدت أقدر على حمل دميتي, احمليها انت
ألا ترينني أحمل أختك الصغرى وصرة الثياب؟ هي دميتك فاحمليها بنفسك
-ماذا لو أضجعتها على جانب الدرب لنأخذها حين نعود؟
-حسنا, أضجعيها واتبعيني
أضجعت خديجة دميتها على جانب الدرب, وسارت بضع خطوات تتلفت بحرقة الى الخلف, لطالما حلمت بامتلاك دمية مثلها, وحين امتلكتها عجزت عن حملها بقية الرحلة, بعد قليل تركت ذيل ثوب أمها واقتعدت الأرض لتجلس, بل لتنام على التراب من شدة الارهاق, ولتكمل رحلة النزوح محمولة على كتف أحد الشبان اللذين يحرسون الموكب.
…………
-أبي, أنزلني عن كتفك لآخذ هذه الدمية
نزلت عائشة عن كتف أبيها, وركضت الى حيث تركت خديجة الدمية, حملتها بشوق وغنت لها مسافة من الطريق, وحين أنهكها المسير أضجعت دميتها في ظل شجرة, ودعتها باكية ثم عادت للجلوس على كتف أبيها لتكمل الرحلة
…………
-توقفي يا جدتي, سآخذ هذه الدمية معي
-خذيها يا خنساء, ولكن انتبهي الى زجاجة الماء, تمسكي بها جيدا مخافة الظمأ, أمامنا طريق طويل
-وهل تظنين اني صغيرة يا جدتي, سأدخل المدرسة هذا العام, لكن أبي سافر قبل ان يشتري لي الحقيبة والدفاتر, أين أبي يا جدتي؟ وأين أمي؟
-تمسكي بزجاجة الماء ولا تكثري من الأسئلة, هيا اتبعيني
سار الموكب مسافة أخرى, تعبت خنساء وعجزت عن حمل الدمية مع زجاجة الماء, خيرتها الجدة بين الاثنتين فاختارت الدمية, وأضجعت زجاجة الماء على جانب الدرب, لتسير مسافة أخرى, ارتفع بكاء الأطفال من الجوع والتعب, توقف الموكب للاستراحة, تناولت خنساء لقيمات صغيرة وغلبها النوم, علا أزيز الرصاص يطارد موكب النازحين, أسرع الجميع للاحتماء بعمق الغابة, كانت خنساء نائمة, حملها أحد الرجال وجرى مسرعا, تاركا خلفه بقايا الطعام وزجاجات الماء والحليب, والدمية.
………..
-أمي, وجدت هذه الدمية هنا تحت الشجرة, سأخذها معي
-دعها في مكانها يا أحمد, الصبيان لا يلعبون بالدمى
-ليست لي, بل سأخذها لأختي فاطمة
-أختك لا تحتاج دمية
-أين أختي؟ لماذا لم تأت معنا؟
-هي في الجنة يا بني
-هل ذهبت الى الجنة بثوبها الذي توسخه الدماء؟
-أجل
-لماذا لم تغسليها وتستبدلي ثوبها بثوب نظيف؟ ستلوث ارض الجنة ومقاعدها وسريرها
-الشهداء يذهبون الى الجنة بدمائهم يا ولدي, وهناك يلبسون ثيابا جديدة
ركض أحمد فسبق أمه و انضم الى ثلة من الصبيان, ليحكي لهم عن الجنة وعن أخته الشهيدة, وليريهم الدمية التي سيقدمها لها هدية
-انظروا يا أولاد, أحمد صار بنتا, انه يحمل دمية
-هذه الدمية ليست لي, سأعطيها لأختي فاطمة حين نعود
-أختك ماتت أيها الأحمق
-انت تكذب, كلكم تكذبون, أختي لم تمت, أمي قالت بأن الشهداء لا يموتون, بل يذهبون الى الجنة
-بل ماتت, ودفنت قبل رحيلنا, أنا رأيت الرجال وهم يضعونها في القبر الى جانب قبر جدتي
تراجع باكيا, يحتضن الدمية بحرص, ليمسك بذيل ثوب أمه, ويغرق في صمت رهيب
-أمي لقد تعبت
-قريبا نصل يا ولدي, اصبر قليلا
-انا جائع
-الطعام هناك, حين نصل الى المخيم ستأكل حتى تشبع, كلما أسرعنا في سيرنا اقتربنا من الزاد, اهدأ يا ولدي
-لماذا لم تأت معنا أختي فاطمة لتحمل دميتها؟ تعبت
-ضع الدمية على حافة الدرب واتبعني
-سأذهب الى أختي في الجنة لأعطيها دميتها.
ما زالت مواكب العائلات السورية النازحة, تطرق هذا الدرب الحراجي الوعر, الواصل بين الأرض السورية والتركية, وما زالت هذه الدمية التي اشتراها أحد الآباء لابنته بمناسبة دخولها روضة الأطفال, ما زالت الدمية تنتقل من حضن الى حضن, وترمى على حافة الدرب, مرة في طريق الذهاب الى تركيا هربا من القصف, ومن نيران البنادق, ومن المداهمات تقوم بها دوريات الأمن التي لا تعترف بحرمة بيت ولا شخص, لا تفرق بين رجل وطفل وامرأة, ومرة في درب العودة هربا من جحيم المخيمات وشظف العيش فيها, لم تصل تلك الدمية الى مكان آمن بعد, وما زالت, تبتسم ببلاهة, فاردة شعرها الخشن الأصفر, فاتحة عينيها الزرقاوين المستديرتين, ترصد بهما الأحداث من حولها, لكن رأسها البلاستيكي الخالي من الدماغ, لم يتمكن من تدوين أي شيء.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة