الشليل وينو؟ بقلم : ابتسام شاكوش

فن وثقافة …..
بقلم : ابتسام شاكوش – كاتبة سورية تقيم في تركيا …..
وهذه ليلة أخرى مظلمة, قمرها في المحاق, أهازيج الصبيان تقرع طبلتي أذني منصور, تكاد تثقبها, قادمة من ساحة القرية, يتململ في مجلسه, يجيل بصره في زوايا الغرفة, ثم يعود ليثبت النظر في الأزرار النحاسية اللامعة لبزة أبيه التي لا يخلعها في البيت ولا في مكان خارج البيت, وتصل الأهزوجة عبر النافذة المفتوحة, لتزيد من وجعه وحرقة قلبه.
-الشليل وينو؟
-أكله الدودو
-الشليل وين راح؟
-أكله التمساح
يحمل أحد الصبيان كعبا من العظام, يرميه بعيداً, على الأرض الرملية في الظلمة, ويبحث عنه الأولاد وهم يهزجون ويغنون, تتباعد أصواتهم.. وتستمر أهازيجهم رقيقة ناعمة تصل إلى مسمعه, يخمن ما يجري, لقد ابتعدوا بحثا عن الكعب, سيجده أحدهم, فيهتف فرحا, ويسرع للركوب على ظهر أقربهم إليه يعود به في احتفالية صغيرة إلى حيث انطلقوا, وما يزال الفائز منهم يحمل الكعب, ليرميه بكل قوته في الظلام, لتبدأ رحلة بحث جديدة.
كثيرا ما شاركهم منصور هذه اللعبة, وكم أحبها, لكنه في كل مرة كان يعود مركوبا لا راكبا, من يعثر على الكعب يجب أن يكون في المقدمة, ومنصور يخاف من الظلام فلا يجرؤ على تقدم المجموعة, يمشي دائما في الوسط.. أو في الخلف, أزعجه الأمر فابتلع خيبته في نفسه وانطوى بعيدا عنهم وعن ألعابهم الليلية تلك.
انتبهت أمه لحزنه, انتحت به بعيداً عن عين وأذن أبيه, هي مثله, تخشى جبروت هذا الرجل الجالس دوما على أعلى كرسي في البيت, يلقي بأوامره على أفراد عائلته الجاثية رعبا على الحصير, تخشى كمثل أبنائها سوطه المعلق في الصدر من البيت, تخشى كفه التي ترن على وجهها ووجوه أطفالها بسبب وبلا سبب.
منصور أكثرهم رعبا, هو أكبر الأولاد, ونصيبه من العقاب هو النصيب الأكبر دوما, منصور يؤمن تمام الإيمان أن أباه يقرأ أفكاره, ويعلم ما تحدثه به نفسه, لو علم أبوه أنه يخشى الظلام لأعاد سجنه في الحمام وأطفأ النور, لو علم أنه مهزوم في لعبه مع فتيان الحي لأشبعه ضرباً, لا يجوز لابن الشرطي الذي يخيف الناس أن يخاف, لا يجوز لابن الشرطي أن يُغلب, وأبوه يَذلُّ ويقهر الجميع, مشهراً في وجوههم سيف الحكومة التي خلعت عليه هذه الثياب اللامعة الأزرار.
أشارت عليه أمه بالصبر, ربما في يوم قريب يأتيها زوجها باللحم, وهو لا يختار من اللحوم سوى أرجل الأغنام, لأنها أوفر دسما وأرخص ثمنا, في كل قدم منها كعب كالذي يلعب به الصبيان, وستكون غنيمتك كبيرة يا بني نام منصور على أمل, فهو يصدق أمه في كل ما تقول, نام على أمل جميل يدغدغ أحلامه, وقبل وجبة غداء النهار التالي كانت أربعة كعاب نظيفة, مغسولة لامعة, تستقر في جيبه, وراح يرقب الشمس مستعجلا غروبها, ليخرج ويشارك الصبية لعبتهم, وليكون الغالب لا المغلوب.
في المساء التحق منصور بمجموعة الصبيان, واقترح عليهم لعبة الكعب, رمى أحدهم الكعب, وركض الجميع ليبحثوا عنه بين الرمال وهم يهزجون ويغنون, ركض منصور وراءهم, أخرج كعباً من جيبه وصرخ, هذا هو, وجدته, وعاد الى نقطة الانطلاق محمولاً على ظهر أحدهم.
في الدور الثاني, رمى منصور بالكعب, ركض الأولاد, وركض متأخراً عنهم قليلاً, مد يده في جيبه, أخرج الكعب الثاني وهتف, وجدته.. وعاد إلى نقطة الانطلاق محمولاً لا حاملاً, يضحك في سره مزهواً بشطارته, ساخراً من غفلتهم.
وتكرر الأمر في الدور الثالث, وقبل بداية الدور الرابع.. انتبه الأولاد, ما الذي تغير؟ لماذا يمشي منصور خلفهم ويرى الكعب وهم لا يرونه؟ في الأمر سر لا بد من كشفه.
خلف أحمد عن الأولاد اللاعبين, ركضوا كلهم يبحثون عن الكعب, ينكثون في الرمل بأقدامهم, وركض منصور في المؤخرة, مد يده في جيبه, أخرج الكعب الرابع, وهتف هتاف المنتصر: وجدته… هذا هو.. سأركب ظهوركم جميعا.
أحمد هو الأطول بين الصبيان, وهو الأقوى, وهو المتفوق في الدرس, أحمد واقف عن بعد يراقب الأولاد الباحثين عن الكعب, أحمد كان أول من رمى بالكعب, ويعرف أنه رماه لمسافة بعيدة لم يصلها منصور, كيف يعثر منصور على الكعب بعد مسافة لا تقارب قوة ذراع أحمد؟ ركض أحمد مسرعاً, أمسك بتلابيب منصور وراح يكيله ضرباً, من أين جاءتك هذه الشطارة؟ بالغش تريد ركوب ظهورنا, تخرج الكعب من جيبك وتدعي أنك وجدته؟ ابحثوا يا أولاد, ابحثوا عن خمسة كعاب وليس كعباً واحداً, منصور يخبئ الكعاب في جيبه ويدعي أنه وجدها, هذا الجبان يسير في المؤخرة, خوفا من الظلام.
عاد منصور إلى بيته باكياً, متألماً من الضرب, كمثل ألمه من سخرية الأولاد, متألما من اتفاقهم ألا يشاركوه لعبهم بعد اليوم, وألا يناديه أحد منهم باسم سوى الغشاش, لم يخبر أباه ولا أمه بما جرى, لعلمه أنهما سيضربانه أكثر مما ضربه أحمد, والده شرطي, يقسو عليه ليجعله مثله, يخيف كل من يسكنون حوله, ومنصور لا يملك من القوة ولا من الشجاعة ما يخيف بها فرخ دجاج, كفّ عن الخروج ليلاً لمشاركتهم اللعب, وأنف الجميع مشاركته ألعاب النهار, ظل قابعا في بيته يعين أمه في أعمالها, حتى غادر ذلك الحي, منتقلا مع أسرته إلى حيث انتقل عمل أبيه.
***
الشليل وينو؟
أكلو الدودو
لشليل وين راح؟
أكلو التمساح
كبر أحمد, نأت به سنوات عمره عن الشليل ولياليه الممتعة, وراح يمضي الوقت على درب القرية, ذاهبا إلى الجامعة وآيبا منها, منتظرا الحافلة الوحيدة في رواحها وعودتها, ناظراً بأمل كبير إلى المستقبل, حاملا بين جنبيه طموح كل الشباب في مثل سنه, سيغير وجه البلاد حين يتخرج,
سيرفع المظالم ويرد الحقوق لأصحابها, أسس تنظيمات, انتسب إلى مجموعات سياسية, طار بأحلامه وطارت به إلى قلب مدينة فاضلة, سوف يقيمها ليكون فيها أميرها.
الشليل وينو؟
أكلو الدودو
الشليل وين راح؟
أكلو التمساح
أحمد يمضي لياليه ساهراً مع رفاقه في السجن, يتدارسون ما يحفظون من العلوم, يتبادلون الحكايات, ينتظرون معجزة تخرجهم من سجنهم وتعيدهم لمقاعد جامعتهم, يتسلون بمتابعة زميل لهم, ينفر من تجمعاتهم وحكاياتهم, يمضي الوقت في السير بخطوات قلقة ضمن المساحة الضيقة المتاحة بين السجناء, وينتظرون عفو الحاكم عنهم, فالنشاط السياسي الذي مارسوه في الجامعة, والأحلام التي تشغل تفكيرهم, تندرج في خانة المحظور, منصور نسي الشليل ولم يدخل الجامعة, بل توجه فوراً إلى الكلية العسكرية, ليتخرج منها ببزة مثل بزة أبيه, أزرارها أكثر لمعانا, وزادت عليها نجمة استقرت فوق كتفه.
الشليل وينو؟ أكلو الدودو
الشليل وين راح؟
أكلو التمساح
عاد أحمد ورفاقه إلى الجامعة, بعدما تعهدوا بالابتعاد عن أي عمل سياسي, كانوا يلوون بأكتافهم غير عابئين بالقوانين ولا بالعسكر, متعاهدين على الحنث بذلك التعهد, إرادتهم أقوى من العقبات, طموحهم أعنف من الاعصار, لا بد من العمل على ما ينقذ البلاد من طغمة الأشرار المتحكمين بها, لابد من تطبيق القانون على الجميع, للارتقاء بالبلاد حتى يكون الانتماء لها فخرا لكل مواطنيها.
الشليل وينو؟
أكلو الدودو
الشليل وين راح؟
أكلو التمساح
أجيال من الأطفال تولد وتنمو في هذه القرية, تمارس الألعاب ذاتها, تغني الأهازيج ذاتها, كان الأطفال يغنون ويركضون ضاحكين متدافعين باحثين عن الشليل, وكان أحمد يختار أفضل ثمار حقله, يرتبها في سلة أنيقة, ليقدمها هدية لمنصور, رفيق الطفولة, عساه يتوسط له في فرع الأمن, ليرفعوا عن اسمه الاشارة الحمراء, لعله بعدها يستطيع الحصول على رخصة عمل, أو رخصة لبناء بيت, أو يحصل على جواز سفر, منصور جاء الى القرية حاملا على كتفيه بضعة نجوم, ليكون حاكما لتلك البلدة التي أطلقت عليه لقب الغشاش.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة