ما كنت اعرف .. ما كنت أعلم أن القطار يمر من هنا ..بقلم : ابتسام شاكوش – كاتبة سورية تقيم في تركيا

فن وثقافة …..
بقلم : ابتسام شاكوش
لا..ماكنت أعرف , نزهة خلوية أردتها للانفراد بنفسي , كم أشتاق إلى نفسي , صديقي الأمثل , نتناقش في كل الأمور العامة والخاصة , نختصم , نصطلح , ثم نتفق من جديد , جئت بنفسي إلى هذه البقعة من الكورنيش الجنوبي لمدينة اللاذقية , أتنزه على حافة هذا الجرف الصخري الهائل , أرقب النوارس في حركتها الدائمة حول صخرة الانتحار , في منأى عن المؤسسة المنخورة الأساس , والأموال التي تسيل خفية وجهرا إلى الجيوب , بغباء منقطع النظير , أقف لأتفرج على هذا السيل كما أتفرج على مجرى ساقية كسول تفترش سطحها مراكب من الورق , ألقى بها أولاد من قرية بعيدة , حملوها أمنياتهم وأحلامهم , ضاق السطح بزحامها , غرق بعضها و التقطت أيدي قراصنة التفتيش بغضا آخر , والقليل الذي سلم , ظل يتهادى , ساريا مع التيار , تفشت ا لخطوط التي نقشت بها الأمنيات , غلب لون الحبر على البياض , فأنبت حقولا من الإسمنت , وقطيعا من الحديد السيار , وارتجت الأرض تحت قدمي فأجفلتني.

* * *
ما كنت أعرف أن للقطار طريق يوصله إلى هنا
كنت في حالة شرود أفكر بالحب :: ما هو الحب ؟؟ أهو الحرارة المتدفقة مع كلمات أبي حين يشد يده مصافحا بعد صفقة عالية الدسم ؟ أم هو الرعشة في شفاه مريديه حين يأخذون نصيبهم بعد تلك المصافحة كاظمين الغيظ ؟
أم هو البريق المتكسر على وجنتي أمي حين يضيء وجهها الفرح بزيارة أختي نافلة محملة بما غلته من بيتها , وإدراكها أن صهرها لا يحصي ما يغله من عرق ودموع ؟
أم هو…
* * *
ألتفت بسرعة بحثا عن بؤرة الزلزلة
تحت قدمي , بل تحت الجسر الذي يحمل قدمي , اكتشفت سكة الحديد , خطان متوازيان لامعان , هل قال علماء الرياضيات أن المتوازيات لا تلتقي مهما امتدت ؟ المتوازيان هنا يتلاقيان بعد كل نصف متر , عبر عوارض كانت تصنع من الحديد الصلب , وبعد النزف الذي أصاب الإدارة استبدلت بعوارض إسمنتية قد تنفرط لدى مرور القطار ,عساف في الطرف الآخر للخريطة , يجرجر عباءة التقوى ويكيل الشتائم لآبي , يعبر الشارع الخلفي للمؤسسة , يدخل مكتب أبي من أبواب مواربة ثم يخرج ممتلئ الجيوب مستغفرا.
القطار يركض على سكته الحديدية قادما ألي ,هل قال علماء الرياضيات أن المتوازيات لا تلتقي ؟
* * *
ما كنت أحدس أن تغمر نزهتي بهذا السيل من الصخب , خرجت للبحث عن نفسي داخل نفسي , أين ما أبحث عنه ؟ البحر يخاصر اللاذقية بخليجين هلاليين أزرقين , تصطف المقاهي والمطاعم على امتدادهما كحراس قدامى استولى عليهم الملل , الأجساد تبدو من بعيد , لامعة مبللة بالملح , محمرة من لهيب الشمس , يخبرني هذا العرق المتقاطر من جبيني… لا..لا يخبرني بشيء , ما يسيل على جبيني رذاذ مطر صيفي أجج في نفوس السابحين فرحا , وأهدى ألي المزيد من الذهول , أخمن نشوة السابحين وأدير ظهري , البحر صفحة زرقاء غبية , ألفها نظري منذ وقت طويل , ما عدت أجد فيها ما يثير التفاتي .
* * *
الصفير يصم أذني , يملؤني رعبا , الجسر يهتز تحت قدمي فأشعر بدوار , يقال أن الجسور تنحني لشعورها أن من يمشي عليها يحمل بين جنبيه عشقا طاغيا , أحقا ما قالوا ؟ القطار يدنو من حاشية ظلي , يمشي فوقه , يسحقه , غريب شكل هذه العربات , أسطوانية مغلقة بلا أبواب ولا نوافذ , تذكرت نفسي , والمدة التي قتلتها في مؤسسة تنضح جدرانها شحوبا , يمطر سقفها شيبا , زملائي وزميلاتي القدامى معظمهم ختم دفتر أعماله وسلمه لزوج من الملائكة , ثم سافر بجسده إلى التراب , القطار يزحف تحت قدمي , الهدير يملأ كل فراغ هنا , أنا في مأمن من نظرات الاستهجان , أطلقتها:
_ آآآآآآآآ……ه
طويلة حادة محرقة , أخرجت بها معظم سكان صدري , سكان آخرون تزاحموا مستطلعين , ضاقت بهم مآقي فتراكضوا منسفحين على وجنتي مؤازرين ماخرج من صدري , يا الهي .. كيف كنت أحتفظ بكل هذه الكائنات سجينة قهري ؟ ظننت أن لدي من القوة والمناعة ما يحصنني من غزوها , متى جاءتني ؟ بأي حق استوطنت أجفاني ؟
* * *
خلف غلالة من الغبش اختفى القطار , والمتوازيات , والجسر , أرى نفسي الآن بوضوح , بساط واسع مزركش بكل درجات ألوان الطيف , على أي رسم من رسوم القهر أركز انتباهي ؟؟
ركضت إلى الحافة الأخرى للجسر , القطار يسرع في سيره باتجاه البحر ترك ظلي وراءه , وراح مبتعدا , تركني بين تلال التراب , فوق الجسر أرقب الخواء لحقت به أسترحمه أطلقتها مرة أخرى
_آآآآ…ه
إلى أين تمضي أيها القطار؟

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة