رحلة إلى منشأ الأرض في نَصَبها لذة للسائحين – بقلم د . نضير الخزرجي

دراسات …..
د. نضير الخزرجي – لندن …
من طبيعة السفر أنه يفتح آفاق المرء على عوالم لم يرها من قبل ويحتك بمجتمع غير مجتمعه، وعادات غير العادات التي تطبّع عليها، وعلى عمران أو بقايا خرائب غير التي في بلده، وعلى شوارع وأزقة لم يسر فيها من قبل، ولعلّ أجلى دوافع السفر هو البحث عن الراحة النفسية والجسدية بعيدا عن مشاغل الحياة وهمومها وغمومها، ويعد السفر واحدة من الوصفات الطبية التي يقدمها حكماء الأبدان والأرواح في وقت اشتدت مصاعب الحياة وصار الفرار من الواقع المر مكسبا وغنيمة.
وإذا كان السفر إلى السواحل والشواطئ والسير في أرض الله والتطلع إلى آثار الأمم السابقة ينعش النفس ويزيدها بهجة ويشبع جوع المسافر إلى التهام ما تراه عيناه، وهو سفر ليس فيه كبير عناء وشديد تعب، فهناك سفر آخر في تعبه الشديد متعة وفي كثرة أعماله المرهقة لذة، إنه سفر الحج إلى الديار المقدسة وحج بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي الأكرم محمد (ص) وزيارة قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام وكرام الصحابة في البقيع، فالحج هو رحلة روحية وبدنية تنطوي على مجموعة أعمال وفعاليات عبادية في ظاهرها التعب والنصب والإرهاق وفي باطنها الرغبة الروحية إلى لقاء المحبوب، ومن سافر إلى الشاطئ وسافر إلى حج بيت الله الحرام، يدرك حجم المعاناة في الثاني ويدرك معه حجم الهجيان الروحي والنفسي والمعنوي القادر على إذابة جليد الإرهاق بأشعة شمس الرغبة المعنوية والطاقة الروحية، فيهون عنده الطواف حول الكعبة والسعي بين جبلي الصفا والمروة والمبيت في منى ورمي الجمرات وغيرها من أعمال العمرة والحج.
وأكثر ما يبهج النفس ويبعث فيها الإنشراح هو النظر إلى الكعبة الشريفة قبلة المسلمين، وهو شعور لا يمكن وصفه أو رسم معالمه إلا من جرّب رحلة الحج وطاف حول (أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) سورة آل عمران: 96، وجلس جانبا من المسجد الحرام يتطلع إلى جموع المعتمرين والحجاج وهم يطوفون بلباس واحد عكس عقارب الساعة يتساوى فيه الغني والفقير، الراعي والرعية، الأبيض والأسود، الذكر والأنثى، الكبير والصغير.
ولكن .. وأعوذ من “لكن” في موضع جعله الله مثابة وأمنا للناس وعهد: (إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) سورة البقرة: 125، في موضع فيه قبر النبي إسماعيل والكثير من الأنبياء، في موضع شهد انفراج جدار الكعبة للسيدة فاطمة بنت أسد الهاشمية وفي داخلها وضعت وليدها حيدرة، في وقت تمنعت جدران بيت المقدس على السيدة العذراء وجنينها المبارك (فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً) سورة مريم: 22، في هذا الموضع تحلو العبادة والصلاة وبخاصة صلاة الجماعة على اختلاف المباني الفقهية بين من يرى جوازها بحلقات دائرية حول الكعبة وبين من يرى ضرورة الإصطفاف خلف الإمام بصورة افقية فيتحقق عندها في كل ضلع من أضلاع الكعبة صلاة جماعة، أي أربع صلوات بأربعة أئمة في آن واحد.
ومع رغبتي الشديدة لإقامة صلاة الجماعة عند حلول وقتها داخل الحرم المكي، لكن ما رأيته من تجاوز لأصول الصلاة عند الركوع والسجود جعلني أعزف عن إقامتها ساعة الذروة حيث تغيب المسافة بين صفوف المصلين فلا يعد هناك مندوحة إلا وضع مقادم البدن بين مؤخرة المتقدم عند الركوع، ووضع الجبهة على مؤخرته عند السجود، وهو منظر لا ترتضيه النفس الشفافة ويخل بقواعد الصلاة وإن رأى فيه البعض حلا قسريا لتجاوز الزحمة، وفي مرة من المرات من عام 2001م حيث حلت صلاة الجماعة فضلت الوقوف متسمِّرا في مكاني بالقرب من حجر إسماعيل (ع) حتى انفلت الحجاج من صلاتهم، فلست براغب لأن أدسَّ رأسي في مكان محظور ولا أن تكون مؤخرتي موضع رأس أو جبهة لآخر.
هذه الذكريات بحلوها ومرّها، قفزت إلى ذهني وأنا أتابع كتيب “شريعة القبلة” للمحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر في بيروت نهاية العام 1440هـ/2019م عن بيت العلم للنابهين في 44 صفحة وفيه 99 مسألة شرعية و17 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، وقد تصدر الكتيب بمقدمة للناشر ومثلها للمعلق مع تمهيد للمصنف وضع النقاط على الحروف في مسألة القبلة ومتعلقاتها.

الرمز الشاخص
يشاهد الزائر للمدينة المنورة وعلى بعد أربع كيلومترات من المسجد النبوي الشريف مسجد القبلتين في منطقة بني سلمة، وهو مسجد شهد فيه صلاة النبي محمد (ص) في بادئ الأمر نحو المسجد الأقصى حتى إذا كان النصف من شعبان في السنة الثانية للهجرة وهو في الركعة الثانية أتاه جبريل عليه السلام ليتحول إلى المسجد الحرام، وفيه نزل قوله تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) سورة البقرة: 114، فالكعبة إذن كما جاء في التمهيد: (الجهة التي يستقبلها المسلم بوجهه، والمقصود بها في الشريعة التوجه نحو الكعبة أو جهتها).
والمقصد أو القبلة والحج أمر فطري محسوس، فكل إنسان يغمره شعور داخلي بالتوجه إلى مقصد أو نقطعة معينة عند العبادة إو لاستمداد العون المادي والمعنوي، وهذا الشعور لا يقتصر على اليهودي الذي يحج إلى حائط المبكى في بيت المقدس أو المسيحي الذي يتوجه إلى بيت المقدس أو بيت لحم أو الفاتيكان أو نهر الأردن الذي شهد عندهم تعميد السيد المسيح عليه السلام، ولا على المسلم الذي يتوجه إلى البيت الحرام عبادة وحجا، فالهندوسي الذي يعبد البقر يتوجه إلى نهر الغانج في الهند يغسل بمياهه ذنوبه، ويتوجه الصابئة في حجهم إلى نهري دجلة والفرات في العراق ونهر كارون في إيران يتطهرون بمياهها من أدران الحياة، ويحج السيخ إلى المعبد الذهبي في مدينة إمريتسار شمال غرب الهند في مقاطعة البنجاب.
إذن المقصد أو المحج طبيعة بشرية، وإن كان ظاهره بناء أو حجارة او نهر، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (ومن الواضح جدا أن الإنسان يحتاج إلى وجود رمز مادي يتوجه إليه وهو في عالم يتعايش مع الماديات، إذ لابد له من مكان للعبادة، فشرّع الله لهم بناء المساجد، كما شرّعها من قبل لليهود والنصارى، فكان لهم البيع والكنائس، كما يقول جل جلاله: “وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً” الحج: 40)، مضيفاً: (كما حدد لهم جهة يتوجهون إليها لأمرين: الحاجة إلى شيء مادّي يتوجهون إليه، ولفرض النظام)، وذلك لأن: (القوانين الإسلامية تأخذ بنظر الإعتبار المعنويات والماديات والنظام، ولا تشذ عن هذه القاعدة لأن الإنسان مكوّن من المادة “الجسم” واللا مادة (الروح) ضمن نظام دقيق، فلا بد أن تكون حياته على هذه الشاكلة)، فالحاج على سبيل المثال يرمي أعمدة الشيطان الثلاثة بالحصى، وهي مادة، ولكن المراد هو شيطان النفس، والنفس الأمارة بالسوء، وعموم شياطين الجنس والإنس المرئية وغير المرئية، وهكذا في بقية العبادات التي تنطوي على ماديات في ظاهرها والمعنويات في باطنها.
ولا يقتصر المكان على الإنسان الذي أهبطه الله إلى الأرض، فحتى الملائكة تتوجه إلى مقصد، وهو موازٍ تماما لمقصد الإنسان أي الكعبة الشريفة، فكما: (أمر الله الناس بأن يطوفوا بالطواف حولها، فرض على الملائكة الموكلين بشؤون العباد في السماء الرابعة بالطواف حول البيت المعمور، وجعل الضراح الذي هو مطاف الملائكة العليين في السماء السابعة، بينما جعل العرش الذي هو أعلى درجة من السماوات والذي هو مصدر القرار مطافا للملائكة المقربين).

قبلة واتجاه
تجد في عدد من الخطوط الجوية عقربا في سقف الطائرة متوجها نحو المسجد الحرام يتحرك باتجاه القبلة حيثما انحرفت الطائرة في الجو شرقا أو غربا شمال أو جنوبا، فيسهل على المسلم معرفة القبلة حين حلول موعد الصلاة، وهي خدمة طيبة تضاف إلى الخدمات التي توفرها الخطوط الجوية وبها تمتاز عن غيرها.
ويعطي أمر القبلة انطباعا كبيرا بأن القبلة اتجاها مختصا بالصلاة دون غيرها، فإذا ذكرت القبلة ذكرت الصلاة والعكس صحيح، ولكن بالنظر إلى الأحكام العامة للقبلة، نجد أن الصلاة إنما هي شاهود مسبحة العبادات، فكما: (يجب على المصلي استقبال القبلة في حالة الصلاة من تكبيرة الإحرام وحتى السلام)، فإنه: (لا يجوز استقبال القبلة حال التخلي سواء كان بالبول أو الغائط)، كما: (لا يجوز استدبار القبلة حال التخلي في الحالتين)، وحيث يأثم إن استقبل القبلة أو استدبرها فإنه: (إذا اضطر المتخلي الجلوس نحو القبلة أو عسكها فلا إثم عليه)، ولهذا فإن المسلمين يحرصون عند بناء المنازل والدور توجيه مقعد المرحاض بعكس القبلة ليسهل التخلي دون حرف الجسد، من هنا: (يكره بناء المرحاض باتجاه القبلة، بينما يحرم التخلي نحو القبلة).
وتسجل القبلة حضوراً عند الذبيحة وتناول اللحم الحلال، إذ: (من شرائط حلية المذبوح أن تكون مقاديم الحيوان باتجاه القبلة، أي رقبة الحيوان ورجلاه ويداه وبطنه)، كما: (يستحب للذابح أن يتوجه إلى القبلة حين الذبح).
وتحضر القبلة عند الإحتضار وعند الدفن، فعند الأول: (يجب أن يوضع الميت باتجاه القبلة في حالة الإحتضار ووجوبه كفائي) ويتحقق توجه المحتضر نحو القبلة عبر: (مد رجليه نحو القبلة، أي يكون باطن رجليه إليها مستلقيا على ظهره)، وعند الصلاة: (يجب أن يوضع مستلقيا على الظهر، رأسه إلى جهة يمين المصلّي ورجلاه إلى جهة اليسار)، وعند الثاني: (يجب أن يكون وجه الميت ومقاديمه إلى جهة القبلة بشكل تكون الجهة اليمنى منه على الأرض ويكون رأسه إلى جهة المصلّي، ورجلاه إلى يساره).
وتحضر القبلة في فراش الزوجية، حيث: (يُكره الجُماع نحو القبلة أو استدبارها وذلك بأن يكون رأساهما أو رجلاهما إلى جهة القبلة).
وتحضر القبلة عند النوم، حيث: (يستحب النوم باتجاه القبلة وذلك بأن تكون رجلاه نحو القبلة، وإذا نام على يده اليمنى توجه بوجهه نحو القبلة)، وفي هذا رُوِيَ عَنِ الامام علي بن موسى الرِّضَا عليه السلام، عَنْ آبَائِهِ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الإمام علي عليه السلام عَنِ النَّوْمِ عَلَى كَمْ وَجْهٍ هُوَ؟ قَالَ: “النَّوْمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ عَلَى أَقْفِيَتِهِمْ مُسْتَلْقِينَ وَأَعْيُنُهَا لَا تَنَامُ مُتَوَقِّعَةً لِوَحْيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمُؤْمِنُ يَنَامُ عَلَى يَمِينِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَالْمُلُوكُ وَأَبْنَاؤُهَا تَنَامُ عَلَى شَمَائِلِهِمْ لِيَسْتَمْرِئوا مَا يَأْكُلُونَ‏، وَإِبْلِيسُ مَعَ إِخْوَانِهِ وَكُلُّ مَجْنُونٍ وَذُو عَاهَةٍ يَنَامُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْبَطِحاً”.
وتحضر القبلة عند الدعاء، حيث: (يستحب التوجه إلى القبلة حال الدعاء، سواء في حالة الوقوف أو الجلوس).
وتحضر القبلة عند رفع الأذان والإقامة، حيث: (يستحب لمن يؤذن أن يستقبل القبلة) كذلك: (يستحب لمن يقيم للصلاة أن يستقبل القبلة).
وتحضر القبلة عند تلاوة القرآن، حيث (يستحب قراءة القرآن مستقبلا القبلة).
وتحضر القبلة استقبالا واستدبارا عند أمور أخرى، استحبابا أو كراهة، مثل كراهة الاستقبال عند لبس السروال الداخلي، وكراهة الاستقبال عند البصاق وإلقاء النخامة، وكراهة تعليق السلاح في جهة قبلة المسجد، واستحباب جلوس القاضي وقت الحكم مستدبرا القبلة داخل المسجد ومستقبلها في خارجه، واستحباب استدبار إمام الجمعة أو العيدين عند إلقاء الخطبة، وغير ذلك.
ويبقى أن الكعبة هي نقطة دحو الأرض ومنها تشكلت كرتنا بيابسها ومائها، كما في قوله تعالى: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) سورة النازعات: 30.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة