بحثت عن طارق فوجدت قبيلة من القرود – بقلم : شوقيه عروق منصور – الناصرة

دراسات …..
شوقية عروق منصور – الناصرة – فلسطين المحتلة …
أي شعب في العالم يعتبر التاريخ جزءاً من هويته الحياتية اليومية ويتكىء عليه دائماً كي يوصل الماضي بالحاضر حتى يكون مستقبله مشرقاً ، يستمد من تاريخه القدرة على مواجهة الأحداث وخوض الصراعات لكي يعيش افضل ويبقى قوياً امام الشعوب الأخرى .
لكن المواطن العربي من المحيط الى الخليج ما زال يعتبر تاريخ الفتوحات والانتصارات غرفته المضيئة التي يدخلها كي يشعر بالقوة والأمان في زمن يتسم بالضعف والهزال السياسي والترهل الاجتماعي ، فما زال يعيش على هدير المعارك والفتوحات وصليل السيوف ونبض الآثار ووجوه الابطال والقادة العظماء والصور التي عانقت العز واستطاعت ان تفرض تفاصيلها على الغرب الذي كان يعيش آنذاك الظلام .
نعانق التاريخ فنتحول الى مجرد دمى محشوة بالعبارات المزينة ، لكن عندما نريد مصافحته والدخول في جدل معه يبدأ بالضغط علينا حتى يحولنا الى قزام في حلبة وهمية يبقى هو بطلها وهو قارع جرسها وهو الحكم والمشاهد .
وحده التاريخ يملك حق المكان والزمان ، لكن هنا في هذا المكان التاريخ عبارة عن فرصة سياحية عابرة مرهونة بربح موصول بجيوب اللذين يروجون لبضاعتهم ، في المقابل هناك عيب وخجل وقبضات من الغضب وزفرات حزن على ايام عربية كانت ترقص في اثواب العز والفخر والكبرياء .
المكان جبل طارق ….!!
الجبل الذي يحضن المضيق الشهير و الذي شكل في الروح العربية قمة الفتح الاسلامي واضاف للتاريخ العربي بوصلة الاصرار والقوة وتحدي الصعاب ومد جسور الازدهار .
جبل طارق يتحرك ويتنفس ويعيش في اعماقنا كنقطة لبداية الرسالة الاندلسية التي امتدت سنواتها طويلاً -800 عاماً- فجاءت فصلاً جميلاً في التاريخ الاسلامي يكسوه ثروة فكرية وانسانية وسياسية ومعمارية مذهلة .
طارق بن زياد ، ذلك القائد البربري ، العسكري بامتياز – لو لحق الرتب العسكرية لتقلد ارفع الاوسمة – الذي قرر ان يفتح الاندلس ، تلك البلاد الغريبة ، التي كانت يعاني سكانها من ظلم ملكهم – لذريق – ترسل للمسلمين كي يخلصونهم من الظلم ، وتتعاون معهم عبر حاكم سبتة – قريبة من طنجة – يوليان .
عندما يصل القائد طارق بن زياد الى الجبل والذي عرف بعد ذلك جبل طارق – في 5 من شهر رجب سنة 92 ه – 27 نيسان 711 م- اصدر اوامره بإحراق السفن – محل خلاف المؤرخين – وقال خطبته الشهيرة التي جاء في مطلعها (ايها الناس اين المفر البحر من ورائكم والعدو امامكم وليس لكم الا الله والصدق والصبر) .
لا يوجد قائد عسكري اليوم يلخص استراتيجيته القتالية لجيشه بهذا الاسلوب الصادم الواعي المتيقن من النجاح والانتصار .
في ظل تلك الحالة التاريخية الروحية ، سافرت كي ارى ذلك الجبل، الخطوة الأولى على طريق الأندلس ، او الباب الذي فتح على اسبانيا او الفردوس المفقود الذي نعشق الوقوع في احلامه ، كما نحب ان نتغنى بأمجادنا التي هربت من بين اصابعنا .
الصعود للجبل يصيبك بالدوار فالطريق ضيقة جداً لا تتسع لأكثر من سيارة ، تصبح رهينة بيد السائق البريطاني – جبل طارق محمية بريطانية – الذي يريد ان يقود بسرعة كي يصل بسرعة ويتخلص منك ، لكن لا يهم ، سنصل ونتمتع بهواء الماضي ، ونرى روح طارق بن زياد وهي تتجلى في الأفق وصوته الهادر يتغلغل في ايامنا المحبطة .
وصلنا الى القمة ، اشجار متناثرة وصورة بانورامية للمدينة من فوق ، مدينة راقدة على ميناء و شاطىء طويل وبيوت متراصة تبعث على التضامن ، المرشد يتجاهل اسم طارق بن زياد عمداً ، افتش عن حجر او اشارة او لوحة او علامة تدل على الوجود العربي فلم اجد ، بل استطاع المرشد ان يشد الانتباه الى القرود بدلاً من التاريخ ، حيث اخذ يتغزل بهذه القرود التي انتشرت و تتعامل مع السياح بخفة ورشاقة وخطف، فهي تخطف أي اكياس او حاجيات من المتواجدين، المرشد يشرح ويفصل ويؤكد ان للقرود اهمية خاصة هنا ، حتى ان السلطات المسؤولة عن الجبل عندما وجدت ان هناك تدنى في تناسل تلك القرود قررت ان تستورد فصيلة خاصة من القرود من دولة الجزائر وفعلاً تم الاستيراد ، وعادت القرود الى كامل عهدها وخفتها وقفزها .
الجبل الذي يعيش في احلام التاريخ تحول الى مصيدة للسياح اللذين يريدون الترويح عن النفس وليس التفتيش عن النفس مثلنا !!!،
الغياب العربي بارز بشكل محزن ويبعث على القهر من استخفاف الغير بنا والاستخفاف بإحلام وتاريخ العرب .
من يحلم بجبل طارق فان الجبل لا يمت لنا بصلة ، حتى في الهامش لا يوجد لنا مكان نلجأ اليه ونقول كنا هنا !! لقد قامت السلطات المعنية بحملة تنظيف للوجود العربي حتى انها لم تتنازل وتضع لوحة تشير الى اسم طارق بن زياد !!
ونسأل هنا بحسرة لماذا لا يقام صندوق عربي من قبل الجامعة العربية لرعاية الآثار والاسماء العربية وابرازها في الدول الغربية ؟؟ من الممكن التعاون الثقافي مع السلطات البريطانية عن طريق الدعم المالي ، والحرص على التوثيق !! من المخجل ان نبقى أسرى صفحات الكتب ، بينما الواقع يمد لسانه ويستهزء بنا .
ان ربيع الثورات العربية لم يكشف عن فشل الانظمة السياسية وعن توريط واسقاط المواطن في مستنقعات الفقر والبطالة والجوع والتهميش ، بل هذه الدول لم تعمل شيء لحماية تاريخنا في الدول الغربية ، لقد وضعت اموالها وارصدتها في بنوك الغرب لكن لم تقايض اموالها بالمحافظة على آثارنا ، نخجل امام الدول التي تتمسك بقبر او حجر في دول ثانية وتحاول ان تبنى الجسور للحجيج لهذا القبر او الحجر ، لأن المكان لا يبقى مجرد مكان عندها بل هو ذاكرة مقروءة ، ذاكرة تتحرك وتشير للأجيال ، ذاكرة يدخلها الشعب وهم في حالة فخر .
ماذا عملنا كي نحافظ على الحلم الاندلسي ، لاشيء مجرد كلمات تتخللها مواويل البكاء ، من القصائد العصماء الى الخطباء الذين يعانون رعشة الفخر ، حيث كنا وكانوا ، ولم نقترب الى حقيقة الصورة التي طردتنا وابقت الاطار كي نتشبث به .
نعترف تم وأد تراث الأندلس على يد المسؤولين العرب الذين امتلكوا الأموال ولم يستطيعوا ان يحموا التاريخ بأساليب عديدة ، الأنظمة السياسية العربية وحدها تعرف طرقها ، وتعرف كيف تدافع عن تاريخها عبر علاقاتها وانفاقها مع الأنظمة الغربية ، فالمال يشتري القناعات والاشخاص والسياحة ، لقد ملكنا المال ولم نستثمره في سبيل رفع شأننا .
نحلم بالأندلس ، لكن هذا الحلم خرج … ومن ينتظر عودته فليذهب ويشاهد البقايا كيف يتم التعامل معها ، لولا المدخول السياحي لتم هدمها دون ان تجد من يعترض …
عذراً طارق بن زياد … انت الآن وحدك ، تحيط بك قبيلة من القرود .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة