خلف متراس كورونا … قصص وحكايا – بقلم : ايفان علي عثمان

منوعات …..
بقلم : ايفان علي عثمان – شاعر وكاتب ..
1
الشوارع خالية …
السماء زرقاء لا أثر لتدرجات لونية فقط الأزرق يحيط بالمساحات ..
الشمس تشع نضارة كم جميل هذا النجم وكم رائع أن ترى هذا الضوء اللامع كل يوم غيوم ناعمة تمر بهدوء وأحيانا أشعر أنها توقفت عن الحركة ربما تلتقط صورة مع المدينة

2
من الأشياء الجيدة التي حصلت لي في زمن كورونا …
النوم دون قيد أو شرط الأستغلال الأمثل للوقت اللعب والمزاح والشقلبة والنطنطة مع أبنائي وبناتي وإستراحة مفتوحة من الوظيفة الحكومية مدفوعة الثمن أقرأ الكتب التي وضعتها في رف الفراغ الرف الذي يحمل الكتب التي لم أبدأ بقراءتها بعد وأعيد قراءة كتاب ما لعلي أحصل على بعض الاجابات الاضافية أو أكمل قراءة كتاب وضعت في إحدى صفحاته حاجزا ورقيا أكتب أكثر أشاهد أفلاما أكثر وأستمع للموسيقى بشكل أوضح أساعد رفيقة الدرب في شوؤن البيت بشكل حماسي ومنتظم من غرفة النوم وغرفة الأولاد وغرفة البنات وغرفة الخطار والهول الى المطبخ أقوم بترتيب مكتبة غرفة الأبعاد ومكتبة غرفة الصور والوجوه
كسرت الملل والروتين اليومي ..
حيث الفوضى والعمل ورؤية الأموات الأحياء

3
السهر ونهايات الليل
قبل كورونا …
وبعد كورونا ..
العالم الذي أعيش فيه وأختفي فيه
العالم الذي منحني العزلة
مع القلم والأوراق وكأس الملح والرقص مع التبغ

4
في زمن كورونا أصبح الخروج جهة من جهات المجهول
بين الحين والآخر أخرج للتبضع لشراء حاجات البيت سيارتي تتحول الى متجر متنقل لا أتوقف عن عملية الشراء الى بعد نفاذ المال من محفظتي الحمراء يتغير شكل سيارتي فقبل خروجي كانت رشيقة الان هي سمينة لا مكان سوى لي ولعلبة سجائري والولاعة رغم الفرح الذي يغمرني كوني أودي واجباتي بكفاءة وإنضباط تجاه أسرتي
لكن لهذا الفرح حزن كبير …
هناك من لا يملك ثمن تفاحة في هذا العالم القاسي
هناك من يرى البرتقالات من بعيد
هناك من يحلم بالخبز
تظهر تلك الدمعة من جديد كأنها تريد أن تقول لي شكرا لأنك تفكر بنا شكرا لأنك أرسلت بعض الدموع لجراحنا
أنظر للسماء ..
وأقول الى متى يبقى الجوع ولما كل هذا الوجع

5
في الطريق خلف متراس كورونا …
أضع وشاحي الأحمر حول عنقي أخرج إحدى نظارتي الشمسية أدير السيارة أفتح كل النوافذ وفتحة السقف أشعل سيجارة أضغط على زر قارىء الأقراص المضغوطة وأستمع للموسيقى في هذا الجو المشمس المزدحم بالصمت لا أصدقاء لي سوى الأوتار موسيقى الملحن المصري محمد سلطان ترافقني
تلك النغمات الحنونة تصقل مشاعري وأحاسيسي بالسكينة والراحة بالسعادة والأمل …
أبحث في الشوارع عن من أحب لكن لا أحد هنا
رجل يحمل بضع أكياس لأطفاله
إمراة تمسك يد صغيرها وفي يدها علبة حليب وسلة من الخضروات
عربة تمضي مسرعة
من يعرف ربما هنالك من يشكو من الألم أو لقاء بين الأم وعشق كبير في الرحم
أحاول أن أتصل بمن أحب
لكن ..
أرى إشعارات وتنبيهات وأرقام
من أحبهم قد أتصلوا ورحلوا
لم أعد قادرا على الاجابة على مكالماتهم ولا طاقة لي للرد على رسائلهم
كورونا قضى على أشيائي الجميلة على من أحب
لست مستعدا ان أتنازل عنهم نظير مكالمات هاتفية خرساء
لا بديل عن اللقاء الحر

6
كنت أمارس الرياضة
أحببت لعبة الكاراتيه تعلمت فنونها وحركاتها
وقضيت أوقاتا ممتعة مع الكرة كنت العب في مركز الدفاع وأحيانا كحارس مرمى فصد الكرات عملية ممتعة وشيقة
كورونا جعلني أعيد حساباتي فقررت البدء مجددا بممارسة الرياضة
بدأت بالمشي لمسافات طويلة
في الحي الذي أسكن فيه لي صديق من كل بيت صغار وكبار
لا أحد يخرج بسبب الحظر الذي فرض بسبب كورونا وإن فعلها فالحديقة المنزلية هي اخر نقاط التفتيش
بإستثناء أحدهم
رجل بعمر أبي العظيم وأحد أصدقائه القدامى يخرج ويتمشى
رجل عاش بحرية مثل أبي العظيم عمل ناجح وأسرة سعيدة بيته عبارة عن قصر مصغر يملك عدة مطاعم أحداهن في تونس رجل يحمل جواز سفر دسم عبارة عن متحف وسجل للتأشيرات
كجواز أبي العظيم
أستمتع بالحديث والمشي معه يعرف تفاصيل المدينة وبين سطر واخر يذكر أبي العظيم
وحينما ينتهي من سرد أحد قصصه وحكاياه يقول
الله يرحمه كان رجلا ذو قيمة وقامة متواضع كريم لطالما قدم خدمات للناس الابتسامة لم تكن تفارقه خفيف الظل كل من عرفه أحبه وأحترمه
قال لي
الخير الذي تعيش فيه سببه هذا الأنسان الرائع والإحترام الذي تحظى به بين أصدقائه ومعارفه تكريم لروحه الجميلة
أبوك خلص ناس من الإعدام وساعد الكثير من الناس في قضايا معقدة
ما يقوله هذا الرجل صديق أبي العظيم صحيح
في عديد المرات قابلت أناسا بالصدفة
يقولون
أنت ايفان أبن علي بابا ( لقب يشتهر به أبي العظيم )
ألف رحمة ونور تنزل على روحه
أتفضل أأمر بشنو أخدمك يا أبن الغالي بس كول واللي أتريده يصير
يعطوني عناوينهم وأرقام تلفوناتهم ويطلبون مني الإتصال في أي وقت أذا ما أحتجت شيئا
أزورهم وأتصل بهم هاتفيا بغرض السؤال والتحية
لم أطلب منهم شيئا ولا أريد شيئا فأبي العظيم قدم لي الكثير
لا يوجد في قاموسي عناوين وأرقام تلفونات أبي العظيم علمني المواجهة وحل المشاكل وتجاوز الصعاب
لم الجأ لطلب المساعدة لا من قريب ولا من صاحب رغم العراقيل التي واجهتها في الكثير من الأمور والقضايا
أبكي وحيدا أصرخ وحيدا أكتب وحيدا أعمل وحيدا أكافح وحيدا أناضل وحيدا
وحيدا أواجه هذا العالم فقد علمني أبي العظيم قيم الإرادة وتحدي الذات
عناوين وأرقام تهز بلد
لكن اخر ما أفكر فيه أن أستخدمها للحصول على خدمة أو مصلحة
ما أطلبه أن يتذكروه ويدعوا له بالرحمة
الذكرى والرحمة هي ما أطلب لا شيء اخر
يوم زفافي توقفت عن العد بسبب الرقم الهائل الذي وصلت اليه
أقرباء أبي العظيم وأمي كانوا حاضرين لكن لم يصل العدد لنصف العدد الذي وصلت له
أصدقائه معارفه حضروا كمجاميع بشرية كنت ارى بداية الطابور لكن النهاية كانت بعيدة بعيدة جدا
يوم رحل صعقت وأنا أرى قوافل من السيارات تقف يخرج منها رجال
من كل الجهات حضروا ليودعوه
شخصيات اغوات شيوخ ضباط عساكر بسطاء مثقفون
كنت سأختنق في تلك الأيام فلقد نفذ الهواء في تلك القاعة الكبيرة بسبب التدفق البشري
قبل الان كنت اعرف هذا الرجل صديق أبي العظيم فهو من جيراني بالحي منذ عدة سنوات
بعد كورونا عرفته عن قرب وحصلت على الكثير من القصص والحكايا من أعماق ذاكرته
عدت للرياضة للمشي للمسافات الطويلة تحركت عظامي وبدأ العرق يتصبب وأختفى ألم مفاصلي
ودخلت لتاريخ أبي العظيم من باب اخر

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة