عميد الأدب الطبّي – بقلم د . منير لطفي – مصر

آراء حرة …..
بقلم : منير لطفي – طبيب وكاتب – مصر ….
ضمن رهانات البشر التي تبلغ في كثرتها عدد الرؤوس والأنفاس، ويصل فيها البعض إلى هدفه فيفوز بالتاج، أو يطيش سهمُه فيكتفي من الغنيمة بالإياب؛ راهن الطبيب الأديب أحمد خالد توفيق في قلمه على فئة الشباب بحسبانهم البناة الحقيقيون للحاضر والمستقبل، فخصّهم بكتابات لاءمت روحَهم التوّاقة إلى السرعة والتشويق والإثارة والمغامرة والتجديد والخيال، واحتضنهم بودّ أينما التقاهم في النوادي أو الشوارع أو المنتديات، وتحدّث بلسانهم كمَن يعايشهم لحظة بلحظة، وثبَت على رهانه فلم يتخطّاه رغم محاولة البعض زحْزحته ذات اليمين وذات الشمال، وذلك على مدار عمره الأدبي البالغ ربع قرن (1993-2018م)، فأصاب هدفَه وكسب رهانَه؛ حتى نصّبه قطاعٌ واسع الطيْف من الشباب أبًا روحيّا لهم ولقّبوه بالعرّاب، ثمّ بكوه يوم رحيله بحرْقة ولوْعة ضمن جنازة شبابيّة حاشدة مهيبة، ثمّ حقّقوا له أمنيتَه بأن يُكتب على قبره (جعل الشباب يقرأون)، فزيّنوا القبر بيافطة تحمل نفس العبارة، وأقرّوا له بالفضل فيما هو أبعد من ذلك، إذ جعلهم يكتبون ويُبدعون.
وكما كان ذكيًّا في اصطفائه لشريحة الشباب؛ على اعتبار أنّ المجتمع العربي مجتمعٌ فتِيّ يستحوذ فيه الشباب على القطعة الأكبر من الكعكة السكّانية، وبحسبانهم أكثر الفئات نزوعًا إلى فعل القراءة. وكان عبقريّا حين حاك بقلمه شِباكًا تناسب صيْده الذي قال عنه أنه يحتفظ في قلبه المجهَد بأسرار ألف شاب لم يكن أحد منهم يحكي لوالده ما استودعه إيّاه.. فإنّه على المستوى الشخصي قد اتّسم بسمات نبيلة زادتْه قبولًا فوق قبولا؛ إذْ كان صاحب مواقف ومبادئ احترمها فيه الجميع، وكان في الأدب رائدًا لا يكْذب أهله؛ فلم يجبن أمام السلطة ويدفن رأسه في الرمال كالنّعام، ولم يَحِد عن تَبنِّيه لِما أسْماه بالأدب النظيف، وكتب –كما قال- وفي ذهنه قول العلّام الحكيم: “فأمّا الزبد فيذهب جُفاء وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” ، وعشق –على حدّ قوله- الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنّه يكره الادّعاء ويفعل أكثر ممّا يتكلّم. وعندما وصله مِن قارئ رسالةً تخبره أنّ بعض أصدقائه بدأوا يدخّنون تقليدًا لبطله اسماعيل رفعت الذي يدخّن كحافلة نقل عام؛ استاء كثيرا وحال بين البطل والتدخين.
كما غلب عليه طابع البساطة والتواضع، وكَره التحذْلق والتنظير الفارغ، وقدّم نفسه على أنه إنسان عادي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، حتى إنّه لم يتحمّس للقب العرّاب الذي أُطلق عليه؛ معلِّلًا ذلك بأنه يضع على عاتقه مسؤولية شديدة ويَفترض له صورة مثالية وهميّة لا يملكها. وعندما فازت روايتُه (إيكاروس) بجائزة أفضل رواية عربية في معرض الشارقة للكتاب عام 2016م، لم يدّعِ أنه فلْتة زمانه وأعجوبة عصره، بل اعتبرها لحظة نادرة تَوافَق فيها الحظُّ مع الجوْدة، وأكَّد بتواضُع على أنّ الفوز لا يدلّ على الجودة كما أنّ الخسارة لا تدلّ على الضعف. ولطالما ردّد أنه يرى البطولة في الظلّ، ويهوَى دور المخرج لا الممثِّل والملحِّن لا المغنّي..ومعلوم أنّ الصغار لا يتواضعون.
ويبدو أنه لُوحق كثيرا بالسؤال عن العلاقة بين الطبّ والأدب؟ فجلّاها كما لم يجلِّيها أحدٌ قبله، بعدما صكّ مصطلح متلازمة الطب والأدب؛ وذكر أنّ الطبّ أفاده حين فتح له الكثير من أبواب الأدب المغلقة لأنّ المجتمع يعتقد أنّ ما يقوله الطبيب هو حكمة مقطّرة، وأشار إلى أنّ الطب والأدب يتقاطعان في كوْنهما يهتمّان بالإنسان ويتطلّبان دقّة الملاحظة. أمّا عن الجمع بينهما، فأكّد على أنها عملية صعبة تقتضي نوعا من الصراع، خاصة أنّ الطبَّ جذّاب؛ يمنحك مظلّة مالية تسمح لك بالاستقلال، ويخيّرك بين الصمت عندما تريد وبين انتقاء الظرف الذي تتكلّم فيه. وفي الوقت الذي تفرَّغ فيه بعض الأطبّاء للأدب، فإنّه -وباستثناء العيادة الخاصّة التي تخلّى عنها- فضّل الجمع بين الحسْنَيين (الطبّ والأدب)؛ لأنّ هذا يحفظ له توازنه النفسي؛ فعندما يتلقّى ضربات في معرفته الطبيّة يواسي نفسه بأنه أديب، وعندما يهزمه الأدب يعزّي نفسه بأنه طبيب. وهو في هذا ليس نادما على اختياره، رغم ما جرّه عليه من معاناة ومصاعب جمّة.
ولعلّ بقاءه على تماس مع الطبّ كان سببا في صياغته لما يُعرف بالأدب الطبي؛ وهو الأدب الذي يتضمّن في ثناياه معلومات طبيّة دقيقة، موظَّفة توظيفا جيّدا ضمان السياق، ولا تصدر إلّا عن طبيب حاذق ملمّ ومطّلع، وهذا أوضح ما يكون في سلسلته الروائية سفاري وبطلها الطبيب علاء عبد العظيم. وهي واحدة تُضاف لها سلسلة ما وراء الطبيعة وسلسلة فانتازيا، ضمّنهم أعماله القصصية التي تخصّصت في أدب الرعب وأدب الخيال العلمي. إضافة إلى سلسلة رابعة استغلّ فيها مهارة إلمامه باللغة الإنجليزية؛ فترجم واختصر عددا من الروايات العالمية الشهيرة، وجاءت تحت عنوان روايات عالمية للجيب. فضلا عن مقالاته التي نثرها في الصحف والمجلّات والمواقع الإلكترونية وعالج فيها موضوعات اجتماعية، وكذلك رواياته التي ذاع منها رواية (يوتوبيا) فتُرجمت إلى عدّة لغات.
ولا يَخجل هنا من البوْح بأنّ بواكير أعماله (أسطورة مصاص الدماء) التي قدّمها إلى المؤسّسة العربيّة الحديثة للنشر، قد تلقّت صفعة الرفض مع مرتبة الشرف، ووصُفت بأنها ركيكة ومفكَّكة وغامضة، حتى بات قاب قوسين أو أدنى من اعتزال الأدب، لولا اللجنة الثانية التي شُكِّلت لإعادة النظر فأجازت العمل وأثْنت عليه. وفي هذا يقرّ بالفضل لرئيس اللجنة، وهو الطبيب الأديب نبيل فاروق (1956-)؛ الذي تخرّج في كلية طبّ طنطا عام 1980م، واعتزل المهنة في عام 1991م، وتفرّغ للكتابة في الأدب البوليسي وأدب الخيال العلمي عبر سلاسل قصص صغيرة للجيب أشهرها رجل المستحيل وملف المستقبل وكوكتيل 2000 وزهور وروايات عالمية للجيب، ومِن ورائها نال جائزة الدولة التشجيعية في أدب الخيال العلمي عام 2008م.
ومع أنّ الشهرة تسكن العواصم والشمس عنها لا تغيب؛ إلّا أنه لم يغادر مسقط رأسه مدينة طنطا التي وُلد بها عام 1962م وتخرّج في جامعتها عام 1985م و تحصّل منها على درجة الدكتوراه عام 1997م وعمل بها أستاذا جامعيا؛ مبرّرا ذلك بأنّ طنطا بلدة صغيرة يعرف مفاتيحها ويستطيع أن يحتويها، بعكس القاهرة التي أَطلق عليها وصْف مدينة الأضواء والأشباح، وارْتآها صاخبة معادِية لمَن تَجاوزوا الأربعين. والواقع أنها لا تُلائم سجيّته التي تفرّ من الزحام وتعشق الوحدة، إلى درجة أنه لا يمانع من العيش في سجن شريطة أن يكون أولاده حوله.. هذا لا يعني أنه من النوع الوحشيّ الذي لا يألَف ولا يُؤلَف، بل هو بشهادة مُقرَّبيه ومُتعاملِيه: مهذّبٌ كطفل مبتسمٌ كزهْر ساخرٌ كفيلسوف، وبشهاد ة كتابه (زغازيغ): يتمتّع بخفة ظلّ وصفاء عقل وعذوبة روح وجميل أحدوثة.
ولأنّ الأطبّاء أكثر حساسية تجاه الأمراض، لا سيّما تلك التي تصيب مضغة الجسم ونَواته؛ فقد عاش منذ بدء معاناته مع مرض القلب في عام 2011م، بنفسيّة المسافر الذي أغلق الحقيبة وطوى الجريدة وصافح المودّعين ووضع قدمه على سلّم الرحيل، خاصة بعد تعرُّضه لطارئ الارتجاف البطيْني وتَوقُّف القلب أكثر من مرّة، واضطراره لتركيب جهازٍ منظّم لضربات قلبه الطائشة، أفلح حينها في إنقاذه من براثن الهلاك، وأخفق في الثاني من أبريل عام 2018م داخل مستشفى الدمرداش الجامعي وبين أيدي كبار أطباء القلب فيه، ليودّع الدنيا عن عمر قصير كروايات الجيب، إذ لم يجاوز الخامسة والخمسين حتى عانق الموت الذي قال عنه: “لا أخاف الموت..أخاف أن أموت قبل أن أحيا”.
جديرٌ بالذكر أنّ تخصّصه الطبي الذي مارسه وسوّق له في ثنايا أدبه ضمْن وجبة ثقافية دسمة، هو طبّ المناطق الحارّة، الذي ينتمي إلى الطبّ الباطني، ويُسند إليه علاج الأمراض السائدة في المناطق ذات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية والواقعة حول خط الاستواء وما دونه، ومنها الملاريا والتيفوس والطاعون والحمّى الصفراء وداء الفيل وغيرها. وهو بالمناسبة التخصّص الذي ينتمي إليه أيضا أحمد علي الجارم (1928-)؛ أستاذ الطب بجامعة القاهرة، وعضو مجمع اللغة العربية، والحائز على جائزة الدولة في العلوم الطبيّة، والقيِّم على تراث أبيه شاعر العروبة علي الجارم. وخرج من عباءته كذلك الرئيس النيبالي السابق رام باران ياداف (1948-) الذي درس الطبّ في الهند ولكن استهوتْه السياسة؛ فتقلّد الأمانة العامة لحزب المؤتمر النيبالي، ونال عضويّة البرلمان، وتولّى حقيبة وزارة الصحة، قبل أن يفوز بالرئاسة على حساب مرشّح الحزب الشيوعي في عام 2008م، ويصبح أوّل رئيس للجمهورية بعد زوال الملكيّة التي حكمت البلاد زهاء قرنيْن ونصف (1768-2007م).

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة