الأناركية منهج الأقوياء – بقلم : محمد ابراهيم الزموري

فن وثقافة

قلم : محمد إبراهيم الزموري
كل شيء بالمصلحة، هذا ما توصل اليه “ماكس شتيرنر” قبل قرنين من الزمن، سابقا الاقتصاديين بفرضياتهم ونظرياتهم وكتبهم وتخبطاتهم وعقمهم، تماما كما توصل الى ذلك المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي بقوله: “ما يحركه المجتمع ليس الحق بقدر ما هو المنفعة.”
داخل منظومة مبنية على المصلحة، يستحيل أن تكون تحليلاتك مغلوطة، لذلك فماكس شتيرنر وماكياڤيلي حتى وان بدو خارجين عن المعهود ونسبيا “أشرار” فذلك بسبب الارتباط غير الواقعي للأفراد مع الأخلاق، لذلك فما تحدثوا عنه أثبت صلاحيته وسيبقى كذلك لأنه مضروب عميقا داخل الطبيعة البشرية المبنية على المصلحة.
المصلحة تدخل فيها منظومة الاخلاق وكل الفضائل، والكلام المرسل بأن كل “مجتمع مبني على المصلحة هو مجتمع فاسد” يشبه الكلام بأن “الرأسمالية نظام لا أخلاقي”، على سبيل المثال مؤسسات العناية باليتامى الخاصة هي أكثر فعالية وأكثر صدقا وأكثر نجاعة من مؤسسات اشتراكية لحماية اليتامى. وحديثي هنا عن واقع الاشتراكية التحريفية السائدة اليوم.
تتزوج لتجد من يرعاك ويملأ خوائك العاطفي والاجتماعي، المصلحة يمكن أن تفسر بها حتى “الأخلاق” و”الفضائل”. الحب الأفلاطوني الفاضل الأبدي مثلا، ما هو الا شكل ناجع من “التأمين ضد الوحدانية” مثل أن تقدم خدمات وعندما تحتاج المقابل تجده، أنت لا تخون لأنك لا تريد من أحد أن يخونك …هل تظهر لك البلاغة؟ انه الواقع، والحقيقة التي يرفض العالم مواجهتها ويفضل تصديق أفلاطون.
إذا كان أحد يحتاج الى مساعدة، هل اساعده أم أتركه يواجه مصيره وحيدا؟ من باب المصلحة أن اساعده إذا توفرت لي إمكانيات المساعدة لأنه من الممكن أن أكون يوما ما مكانه، لذلك فمصلحتي تحتم على ان أكسبه الى جانبي.
مجتمع المصلحة هو مجتمع أناركي بامتياز، والأناركيين الوحيدين الحقيقيين هم الرأسماليين، أي مجتمع ينبني على الأخلاق والتعاون مصيره الفشل، فقط المجتمعات التي تبنى على المصلحة هي القوة الفتاكة. أتحدث هنا على الشق السياسي الاجتماعي، أما فرديا، فالصوفية أناركية في حد ذاتها، لأنها تبحث سبل الخلاص الروحي الفردي. أتكلم على الأنركية كمثال لمجتمع ناجح ذلك الذي يدفع التكنولوجيا باستمرار لحماية نفسه.
هل من الممكن ان نطالب بالأناركية حاليا؟ ببساطة لا يمكن، لأن التعاون والأخلاق ليسوا جزء من المصلحة، %99 من البشر مؤمنون أن الأخلاق والفضائل هي ملازمة للسلوك الاجتماعي البشري (مقصلة داڤيد هيوم) لكن في المستقبل ممكن أن تظهر مجتمعات واعية بشكل كامل أن الأخلاق هو ترف غير موجود، وهي فقط ميكانيزم للحماية مثلها مثل أي تكنولوجيا أخرى، غير ما يروج له الأنثروبولوجيين الطوباويين هداهم الله. لذلك فالأناركية تعمل جيدا داخل مجتمع رأسمالي ويستحيل أن تجد موطئ قدم لها داخل مجتمع “تعاوني أخلاقي”.
الأناركية الرأسمالية غير ممكنة حاليا، ولكن نحن سائرون نحوها أبينا أم كرهنا هي نبوءة ستتحقق، بعد أن تتعلم البشرية ما كتبه “فريدريش هايك” عبر مراجعة الشق التطوري لنظرية المعرفة.
الأناركية مستحيلة التطبيق وتحتاج إلى صدمة لأن الحكومات تضعف يوم بعد يوم بشكل لا يصدق، وأصبحت تأتمر بأوامر الشركات، الحكومات قوية في المجتمعات ذات معدلات ذكاء منخفض فقط وهذا الأمر في طريقه الى الزوال. حتى نظام “دولة الرفاه” ما هو الا صدقة الشركات للفقراء لكي يغلقوا أفواههم، خدوا القليل من الرعاية الصحية، والقليل من التأمين عند البطالة، لكيلا تخرجوا وتثيروا الفوضى.
أيها المتلقي المجهول، لا تترك تحليلك السطحي يوهمك بأن الدولة تتحكم في الاقتصاد، بالعكس هي لا تتحكم في أي شيء، هي فقط تسبب الازمات للاقتصاد، تهدم وتفسد وتسبب الكوارث، وبعد أن دخلنا عصر العولمة بشكل كامل أصبحت الشركات تتحكم في الحكومات، هذا عصر الكورپوراتيزم ولله الحمد.
الليبرتارية تشكل ما يمكن تسميته بدين جديد، فالذي اعتنق الليبرتارية اقتصاديا سينجو بجلده لأنه سيتخلص من الترهات الشعبوية واليمينية ويبتعد على السياسة ويركز على البراغماتية في الأداء الحيوي.
الشركات سوف تستعبد الجميع، ولكن بشكل طوعي، الانسان أصلا قليل الادراك، فمن الاحسن والاجدر أن يكون عبدا للشركات على أن يكون عبدا للحكومات، والهدف الليبرتاري هو أن تكون صاحب الشركة وليس عبد الشركة.
النمو الديموغرافي لا يجعل الناس سواسية (نظرية المرجح) لكنه بالمقابل هو جد مفيد، فذلك يعني المزيد من الزبائن وبالتالي المزيد من القوة والأكثر من ذلك تشجيع المنافسة، فمن ينافسني في البيئة الليبرتارية سوف انسفه بالتكنولوجيا، هو سوق مفتوح المتسيد فيه هو من يبدع ويعمل ويفكر.
أول مرة استطعنا تحطيم نظرية “مالثوس” كانت يوم أطلقنا العنان لليبرتارية، كلما ازداد عدد البشر فوق الكرة الأرضية كلما ازدادت الثروة البشرية، والتنافس هنا مفتوح أمام الجميع، فاقتصاد المعرفة يؤمن بالجميع وليس فقط ملاك وسائل الإنتاج.
يوجد كتاب صغير رائع للمفكر “هانز هيرمان”، عنوانه “تاريخ موجز للبشرية” يشرح كل ما تطرقنا اليه بالتفصيل الصادم، قراءته هو مناسبة جيدة لمراجعة افكارنا العقيمة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة