“كورونا” وتوحش الرأسمالية في حديث أبو غزالة.. بقلم : بكر السباتين

آراء حرة …..
بقلم : بكر السباتين – الاردن …
في حديثه لقناة “لنا” فاجأ د. طلال أبو غزالة الأردنيين برأيه الصادم حول تفشي فيروس “الكورونا” في العالم وخاصة في المملكة الأردنية الهاشمية، حيث أعلن فيها حظر التجوال يوم السبت الموافق 20 مارس الجاري وذلك في إطار قانون الدفاع الذي فعل قبل أيام ، والذي تسبب بتعطيل المؤسسات المدنية والحكومية لمدة 14 يوماً، مددت فيما بعد إلى إشعار آخر.. وركز أبو غزالة وهو شخصية أردنية فلسطينية، على سبل مواجهة الفيروس، حيث يرى بأن نظام العزل الذي يحتم على الأردن تعطيل التنمية سوف يدمر الاقتصاد مستقبلاً وسيكون على حساب الأجيال القادمة، لذلك هو لا يشجع آلية تنفيذ هذا العزل وبالصورة التي تتعطل فيها التنمية بكل أبعادها الاجتماعية والصناعية والثقافية، مستشهداً بالتجربة الصينية والرؤية الأمريكية للأزمة.. وعليه فهو يرى- بما معناه – بأن تقبل موت الآلاف بسبب وباء كورونا لصالح الأجيال الأردنية اللاحقة، وهم أبناؤنا، هو غاية في المنطق والحكمة بحيث يتم مواجهة هذا الوباء وفق المتاح والممكن، معتبراً ذلك بمثابة خوض حرب ضروس سينجم عنها ما يتسبب به وباء كورونا من ضحايا! وفي نظره أن النتيجة عادلة.
وربما لم ينتبه أبو غزالة بأنه سيضع نفسه في منطقة الالتباس حينما يأتي من يقارن أفكارَه الطارئة، والتي تخالف تاريخه العصامي والإنساني، برؤية هنري كيسنجر حول استعداد القوى الرأسمالية العظمى لخوض حرب عالمية ثالثة، يكون من شأنها تحقيق التوازن الديمغرافي على الكرة الأرضية، من خلال إبادة جزء من البشرية لصالح المستقبل الذي يتحكم به الأقوياء، تحقيقًا لمبدأ تشارلز داروين في كتابه “أصل الأنواع” القائل بأن “البقاء للأقوى”.
وفي ذات السياق، دعونا ننعطف نحو العباءة التي خرج منها الفكر النازي الذي تبناه هتلر في كتابه “كفاحي”.. وأقصد هنا فلسفة “الإرادة والقوة”.. وصاحبها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، من خلال كتابيه: “هكذا تكلم زرادشت”، و”إرادة القوة” وقد عرض في الأخير معظم آرائه في شتى ميادين الفكر، حيث أحدث من خلاله انقلاباً في القيم مستبدلاً القواعد الاخلاقية التقليدية والقيم الدينية بقواعد أخلاقية مفتعلة، تدافع عن حقوق الأقوياء فقط وذوي البنية السليمة على حساب الضعفاء، بمعنى أن البقاء هو للأقوى.. بحيث لو أسقطت هذه المقولة على نتائج انتشار وباء كورونا، فإن المصابين به هم الطرف الذي يجب التخلص منه.. فيتحول الوباء إلى وسيلة رأسمالية متوحشة، وليس خصماً للبشرية يجب التكاتف من أجل تطويقه والتخلص منه مهما كلف الأمر.
ويُستشفّ من حديث أبو غزالة، وقد كررت الاستماع إليه عدة مرت، بأن الميول البراغماتية العملية أخذته -ربما عن غير قصد ومن باب المصالح الشخصية- إلى منطقة التوافق مع الفكر الرأسمالي المتوحش متذرعاً بفكر ميكافيللي في كتابه “الأمير” في أن الغاية تبرر الوسيلة، ما يعني بأن السماح لمرض “الكورونا” بإبادة جزء من المواطنين لإنقاذ مستقبل الاقتصاد تعد في نظره رؤية منطقية دون احتساب للبعد الإنساني.. إنها فلسفة البقاء للأقوى.
وطلال أبو غزالة هو المؤسس والرئيس لمجموعة طلال أبو غزالة الدولية، وهي مجموعة شركات عالمية تقدم الخدمات المهنية في مجالات المحاسبة والاستشارات الإدارية ونقل التكنولوجيا والتدريب والتعليم والملكية الفكرية والخدمات القانونية وتقنية المعلومات والتوظيف والترجمة والنشر..
ويحاول أبو غزالة، تلك الشخصية الاقتصادية العالمية، تفصيل مستقبل التنمية في الأردن وفق الرؤية الرأسمالية المتوحشة دون أن يراعي أهمية الإنسان فيها، فيتعامل من خلالها مع الإنسان كرقم مجرد، يمكن إسقاطه لصالح رأس المال المتغوّل المخيف.. خلافاً لتوجه غالبية دول العالم بكل أنظمتها الاقتصادية نحو التضحية بالاقتصاد لصالح حياة المواطنين في أتون المواجهة الشرسة مع تفشي وباء “كورونا”.
صحيح أن أبو غزالة رجل يستحق التقدير وله مكانته الأممية، ويقدر الأمور وفق رؤية استشرافية مدروسة؛ لكن الأهم هو الإنسان الذي أهمله من حساباته.. ولتذهب تلك الحسابات المجردة إلى الجحيم، إذ لا تتقدم الدول بدون الاعتماد على الإنسان كمورد بشري يدخل في كل تفاصيل التنمية ويشكل أحد أهم أهدافها.. وأقول لهذا العلامة بأننا في الأردن لا نعيش في مركب تهدده الأمواج في عرض البحر بحيث تقتضي السلامة أن يُضحى بالبعض حتى يصل البقية برّ الأمان.. فحسابات البيدر غير حسابات الحقل، ثم أن المفاجآت تعتبر من ثوابت الرؤية الاستشرافية.. وأتمنى من أبو غزالة أن يترك مثل هذه التصريحات الصادمة بغض النظر عن منطقيتها لينخرط بكل ما يستطيع في الجهود الوطنية لمساعدة الأردن كي يعبر الأزمة بنجاح.. وأطلب منه بأن يهتم بصحته فهذا أجدى.. فهو رجل عصامي يستحق التقدير.. وليعلم بأن رؤيته للمستقبل تختلف عمّا يراه مواطن كادح بالكاد يستطيع رعاية أطفاله كي يطرق أبواب المستقبل بنجاح. ولا نريد مقارنته بالملياردير الأمريكي بل غيتس الذي وصلت ثروته إلى ٩٦.٣ مليار دولار. وخاصة فيما يتعلق بإنفاق ثروته، حيث قرر هذا “العصامي” أن يبيع أو يتبرع بمعظم حصته في مايكروسوفت، إذ بلغت قيمة تبرعاته من أسهمه حتى الآن ٣٥.٨ مليار دولار، واحتفظ بنسبة تصل إلى ١ في المئة فقط في الشركة الأميركية، أي ٧.٣ ملياراً.
وتعتبر “بيل ومليندا”، أكبر مؤسسة خيرية في العالم، إذ تمتلك أصولا تزيد عن ٥٠ مليار دولار، وقد تبرعت ب٤٠ مليار دولار لمبادرات تعليمية وصحية في العالم على مدار السنوات القليلة الماضية.
وتعاونت المؤسسة في عام ٢٠١٠ مع مؤسسة “وارن بافيت” في حملة “تعهد عطاء”؛ لتشجيع أثرياء العالم على التبرع والمساهمة بجزء من ثرواتهم في مشاريع خيرية.
والجدير بالذكر أن “بل غيتس” كتب معظم ثروته وهو ما يزال حياً لمؤسسة “بل ومليديا” الإنسانية من أجل مجابهة الفقر في العالم بغض النظر عن الطائفة أو الدين أو العرق، ولم يترك لأبنائه سوى عشرة ملايين لكل واحد.
وأقول للدكتور طلال أبو غزالة، أتمنى لك مديد العمر في عالم يخلو من فيروس “كارونا” واترك المواطن الأردني في رعاية الخالق.. تعليقاتك هنا وهناك باتت تحرج مكانتك بين الناس.. وللخروج من هذا المأزق الأخلاقي عليك أن تقدم الدعم المالي لمواجهة هذا الوباء الذي لا هوية له أو دين.. وقد يصيبك منه ما لا تحب أو ترضى.. وهي رسالة أوجهها لكل أغنياء الوطن فالتكاتف مطلوب.
والرجاء التعليق دون تجريح! عجبي
25 مارس 2020

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة