كيف أصبح القمر جميلا؟ قصة صينية مقتبسة عن تشاو لونغ وماري هايز ديفيس بقلم : ايناس ثابت

القصة ….
إيناس ثابت – اليمن …
إن كان لا ينبغي أن تتوقف عجلة الزمن بسبب انتشار “كورونا” الوباء؟ ولكي يبقى القمر جميلا؟ فتعالوا مجددا يا أصدقائي للتواصل والكتابة
قرص القمر ذي الوجه الدائري المكتمل الجميل كخاتم من النور الوهاج، وأشعته الرقيقة المسترسلة بفيض من معين الله، وضوء يغمر سطح الأرض ويبدد عن وجهها ليل الظلام، لتسعد بإطلالته قلوب البنات العذارى والمعذبين الفتيان؛ فهذا القمر بإطلالته البهية المضيئة؟ لم يكن على هذه الصورة، قبل بدء الخليقة وسالف الأوان والأزمان. يقولون قبل ستة الآف عام وربما.. أكثر؟ تفتحت عينا الكون على وجه مظلم مقفر كالوباء، يؤذي مرآه العين ولا يتحمل النظر إليه الفؤاد. مما فطر قلب القمر المسكين على حاله وأثقله بالهم والأحزان.
لم يرض القمر لنفسه هذه الحال؛ فباح بالمكتوم في جنبات قلبه من الهموم والأشجان. الكائنات الوحيدة من الورود والنجوم وحدها كانت تسمعه وتحسن النظر إليه. قال لها وكأنما يخفف من مأساة قلبه عليه: كرهتُ نفسي.. لا أحب أن أكون قمرا، ليتني كنت وردة أو سوى ذلك من جمال الأشياء. ليتني كنت نجمة صغيرة يمجدها الصابرون الأبطال؟ لكن هيهات.. يا لشقائي وحسرتي على هذه الحال.
أنا قمر منبوذ ووحيد؛ آهٍ أو لو كنت وردة يانعة مخضوضرة في روضة غناء، تزورها الجميلات من النساء ينتشين بطيب أريجها وعطرها الفواح، ويتغزلن برونقها وسحرها ويتركنها تزين صدورهن وجدائلهن. عساها تنمو في البراري المقفرة الجرداء منقطعة بعيدة عن الدنيا من سائر المخلوقات، وحدها الطيور تزورها وتغني لها أجمل الألحان، لكني مجرد قمر يفتقر في قلبه ومشاعره للأمان.
ابتسمت النجوم في حيرة وقالت: صديقنا القمر هو من خلقنا لنجلي عتمة الليل ونزين صفحة السماء. هذه وظيفتنا وواجبنا لا نستطيع مغادرة أماكننا، ونعجز عن مساعدتك يا أتعس الرفاق! عندها تلألأت ابتسامة ودودة في ثغر الورود وقالت: نسكن حديقة قرب حسناء لم تزل عذراء نحبها وتحبنا واسمها “تسيه نيو”. عواطفها كريمة وغرائزها تتجلى فيها المودة والخير. تتألم لمنظر الأشقياء وتأخذ بيد البؤساء، وكل من يراوده الألم تعامله بعطف واهتمام وإحسان. سنحكي لها عنك لتهتم بك وتعتني بما يؤلم قلبك ويطفىء فيه الحنان.
بارقة أمل لاحت على وجه القمر جددت فيه الرجاء، وحثّته على السفر لرؤية العذراء. وما إن رأتها عيناه حتى وقع في هوى الفتاة. تأمل محياها الجميل ثم قال لها: لكِ وجه مشرق وبديع، وروح تغرق في الشرف والفضيلة والوفاء. كل تصرفاتك تنم عن نوايا طيبة يقع في هواها أهل الإحسان وأهل السوء على السواء.. حدثيني عن حالك وحقيقة جمالك وكيف امتلكت كل هذا الحسن والبهاء؟ آه ياعذرائي الفاتنة ليتك تقبلين المجيء إليّ؟ علني اقتبس بعضا من نورك وبهائك، فنصبح مخلوقا واحدا يضيء أطراف هذا الكون.
جاوبته العذراء بالقول: السر يا صديقي أنني أجالس السعداء والخيرين، فالجمال الخارجي مرآة القلب الطاهر النقي. وهكذا تركت العذراء في قلب القمر أثرا طيبا، وصار كل ليلة يذهب للقائها يطرق نافذتها أو تطل عليه. وبعد أن اختبر عفة أخلاقها ولين طباعها أفرط في حبها وتوالت في قلبه الأمنيات أن تبقى معه على الدوام. قالت “تسيه نيو” يوما لأمها: أرغب بشدة يا أمي السكنى في أفاق السماء، هلا سمحت لي بالرحيل إلى القمر والعيش معه هناك؟ تعجبت الأم من غرابة السؤال وتفكرت فيه بهدوء ولم تبد أي جواب.
أخبرت العذراء اصدقاءها أنها سترتقي للأعالي وتكون عروسا للقمر في السماء، وفي غضون أيام قلائل غابت “تسيه نيو”، فتشت أمها عنها في كل مكان ولم تجدها، قال لها نفر من الأصدقاء: لقد رحلت إلى القمر.. هام في حبها واستدرجها إليه. مرت سنة تلو أخرى والعذراء البهية لم تعد بعد. عندها قال الناس إنها هجرت الأرض ورحلت إلى القمر؛ واليوم صار وجه القمر يتلألأ كقطع الماس، يتجلى على الأرض وضاءً يغمر العالم بخيوطه الناعمة، وهناك من يقول إن وجه القمر هو “تسيه نيو” أجمل عذراء كانت يوما على الأرض.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة