ما بين التهويل والتهوين، تناقضت السياسات أمام كورونا الجديد ! بقلم د . محمد مسلم الحسيني

دراسات …..
بقلم : د. محمد مسلم الحسيني أخصائي علم الأمراض- بروكسل ….
أعلن مدير منظمة الصحة العالميه الدكتور” تيدروس أدهانوم غيبريسوس ” في 11 آذار الجاري أن وباء كورونا فايروس الجديد ” كوفيد 19″ قد أصبح وباءا عالميّا، فلم يستغرب منه أحد نظرا لسرعة إنتشار الوباء وكثرة عدد الإصابات فيه بين دول العالم والتي كانت على مرأى ومسمع الجميع. الهدف الأول المطلوب من هذا الإعلان هو وضع حكومات العالم أمام الأمر الواقع كي تتخذ الإجراءات الضروريه اللازمه لصد هذا الوباء ومنع مضاعفات إنتشاره، حيث أصبح الوباء مشكلة العالم كله وليس مشكلة محليّه محصوره في مكان واحد. الإحصائيات الوارده والصادره عن منظمة الصحه العالميه تشير الى أن عدد الإصابات في “118” بلد من بلدان العالم قد وصلت بتأريخ 12 آذار الجاري الى 125,000 إصابه، أي تضاعف عدد الإصابات خلال فترة إسبوعين الى “13” مره وتضاعف معها عدد الدول التي وصلها الوباء الى “3” أضعاف !. رغم إرتفاع عدد الإصابات المعلنه غير أن العدد الحقيقي للإصابات، وعلى الأغلب، يفوق العدد المعلن منها، وهذا لا يعني بالضرورة غبش في الشفافيه أو الإخفاء المتعمد، إنما هناك عوامل كثيره لا تسمح بإعطاء أرقام دقيقه للإصابات منها : عدم توفر وسائل الفحص المختبري الكافيه لتغطية الطلب، عدم وجود أعراض مرضيه عند الإصابه لدى البعض وبساطة وجود هذه الأعراض عند البعض الآخر يجعل المصابين بالفايروس يعتقدون بأنهم مصابون بوعكة برد عابره أو زكام أو إنفلونزا بسيطه مما لا يجعلهم يستشيرون أطباءهم وحتى لو إستشاروهم ليس كل المصابين يرسلون لإجراء الفحص المختبري الخاص، ومن المصابين أيضا من يخشى الإعلان عن حالته خوفا من العزل والحجر الصحي، كذلك التهاون وعدم الإكتراث عند البعض، يجعل أعدادا كبيره من المصابين خارج نطاق التعداد المعلن للحالات.
حصلت تناقضات محسوسه في سياسات الدول إزاء التصدي لهذا الفايروس الجديد فتباينت الرؤى والأفكار وتباينت معها الأفعال والإجراءات وتمخضت عنها النتائج والمعطيات المختلفه. حينما أعلنت الصين وهي مسقط رأس هذا الفايروس الجديد عن إكتشافها للوباء الجديد أنتقدها البعض بأنها تغاضت للوهلة الأولى عن حقيقة الوباء وتباطأت في الكشف عنه وإحتوائه والسيطره عليه حينما كان في مهده. غير أن الحقيقة ربما غير ذلك، فحينما ظهر كوفيد19 لأول مره للوجود، كان بصفات وأعراض وعلامات الإنفلونزا الموسميه الفصليه الكلاسيكيه، وبقي هذا الفايروس ينتشر بين الناس في مدينة ” ووهان” الصينيه متخفيا بأعراض الإنفلونزا العاديه ومستغلا وقت الظهور المشابه لوقت ظهور الإنفلونزا الموسميّه أي في أشهر الشتاء. من الصعب جدا التكهن بأن هذه الإنفلونزا ناشئه عن فايروس جديد غير الفايروسات المتوطنه المعروفه، بل أن تدارك الأمر بالسرعه المحسوبه والكشف عن حقيقة هذا الفايروس الجديد وحل لغز شفرته الجينيّه وتعريف العالم عليه، يعتبر خطوه متميزه حققها الصينيون في هذا المجال.
بنفس إسلوب تشخيص هذا الوباء الجديد إستطاع الصينيون السيطره على إنتشاره من خلال الإجراءات الجديه الرادعه، حتى بانت إمارات التلاشي التدريجي للوباء وبدأ النزول من قمة المنحني لمسار الوباء. الخطوات الناجعه التي إتبعتها الصين في إسلوب التحكم والسيطره على الوباء كانت نموذجا صالحا إقتدى به عدد لا بأس به من دول آسيا ومن ضمنها دول عربيه وعلى الأخص دول الخليج العربي. إستطاعت هذه الدول أن تتبع النصائح الصحيّه الرائده والإجراءات اللازمه بهذا المجال من أجل السيطره على إنتشار الوباء وكبح جماحه. على الطرف النقيض الآخر، يكتشف المراقب للأحداث أن الدول الغربيه وخصوصا دول الإتحاد الأوربي إتسمت بالتهاون وقلة الإكتراث أمام خطورة هذا الوباء، حيث لم تلتزم بشكل صحيح بالأصول المفروضه للتصدي له، وهذا ما يفسّر الإنتشار السريع للوباء فيها!.
خلافا للإلتزامات التي تحددها الأمور المبدئيّه الثلاثه للتصدي للأمراض الوبائيه والمعديه والتي تعتمدها منظمة الصحه العالميه وتتلخص بـ ( الكشف عن الوباء، منعه، ومعالجته)، فقد واجه معظم الأوربيين هذا الوباء بعدم الإكتراث وبالتهاون ! لقد بثوا ثقافة عدم الإكتراث بين الناس حينما أشاعوا بينهم فكرة أن هذا الوباء غير خطير وأنه ليس أخطر من الإنفلونزا العاديه، وقد جاءت هذه التوجيهات من خلال التعليمات الرسميّه الصادره عن السلطات الصحيه الى دوائر الدوله ومؤسساتها التعليميه والمهنيه. كما أن السلطات الصحيه لم توقف السفرات السياحيّه المتوجهة الى بؤر الوباء في شمال إيطاليا على سبيل المثال، بل ولم تراقب من عاد منها بل تركتهم أحرارا ينشرون ما كسبوه في سفرهم بين الناس ! بل ولم تحجر المصابين الذين أكدت التحاليل المختبريه إصابتهم الأكيده بالوباء، إنما تركتهم في بيوتهم!.
يعتبرأهل الإختصاص وباء كوفيد19 وباءا مجتمعيّا، أي يسري بين أبناء المجتمع المتصلين مع بعضهم وهكذا فقد تحتم فض الإتصال بين أبناء المجتمع من أجل قطع سلسلة إنتشاره، غير أن هذه الإجراءات لم تتخذ بوقتها في أوربا حتى غدت خطواتهم بهذا الشأن متأخره ! حيث أبقت السلطات المدارس والجامعات مفتوحة أبوابها، وأبقت دور السينما وأماكن الإزدحام والتجمع قائمه حتى حصلت القفزات النوعيه في أعداد الإصابه. فوق هذا وذاك، لم تفلح معظم دول أوربا في تجهيز المختبرات بأدوات الفحص والتشخيص الكافيه حيث تباطأت عمليه الكشف عن الإصابات. من الأمور الأخرى التي قد لا تصدق في ظل ظروف العدوى من الوباء هي منع بعض المستشفيات أطباءها وكادرها الطبي من إرتداء الكمامات الوقائيه والضروريه لعدم توفرها بالشكل الكافي للجميع!. وهكذا فالخرق يبدو واضحا لمبادىء التصدي للوباء وهي الكشف والمنع والعلاج !.
إنتشار الوباء في أوربا بشكل سريع وحاد هو تحصيل حاصل حيث تضاعفت اعداد الإصابات بشكل ملحوظ ومميز كنتيجه حتميه لخرق أسس التصدي المفروضه. إن أخطأت أوربا في إجراءاتها ربما بدوافع إقتصاديه، فقد أخطأت معها أيضا بعض الدول السياحيّه الأخرى التي تغاضت أوأخفت أو قللت من العدد الحقيقي للإصابات فيها، خوفا على مردوداتها الإقتصاديه المتعلقه بالسياحه. هذه المنافع الماليه المؤقته ربما تكلف المجتمعات خسائر ومضاعفات لا تحمد عقباها فالمثل يقول ” قيراط وقايه خير من قنطار علاج”!.
جميع السلطات الصحيّه في دول العالم تدرك بأن وباء كوفيد19 ليس له دواء وليس له لقاح حتى هذه الساعه، بل ربما يطول وقت الإنتظار للحصول عليهما، كما يدرك الجميع بأن الثقافة الصحيه ومعرفه أساليب تجنب العدوى هي السلاح الوحيد الآني أمام هذا الوباء. رغم هذه الحقائق نجد تقصيرا من بعض السلطات الصحيه في نشر المستجدات من النصائح والمعلومات المنبعثه من مصادر البحوث المختصه بين الناس من جهه، والتأكيد على المعلومات الصحيحه وتفنيد المعلومات الخاطئه الوارده عن هذا الوباء من جهة أخرى. بل نجد العكس حيث تتسرب المعلومات الخاطئه عن الوباء من خلال وسائل التواصل الإجتماعي والتي قد تحمل بين طيّاتها أما تهويلا للوباء مما يبعث حاله من الخوف والهلع في نفوس الناس، أو تحمل روح التهوين والتخفيف من شدة الوباء بما يجانب الحقيقه، فتجعل الناس في تراخٍ مستمر وعدم إكتراث. هذه الأمور قد تمر وتنتشر بين الناس دون رادع ملموس وتصدي من قبل الإعلام الصحي في بعض الدول.
المعلومات التي تهوّل من شدة الوباء وتنذر بمحو البشريه جمعاء يقابلها حقيقة أن هذا الوباء لا يقتل أكثر من 4 بالمائه من المصابين فيه، حيث أن 80 بالمائه من المصابين لا يعانون إلاّ من أعراض إنفلونزا بسيطه لا تستحق تدخل الأطباء. بينما 15 بالمائه فقط من المرضى يستحقون مراجعة الطبيب أو المستشفى و 5 بالمائه يحتاجون الى العنايه الصحيّه المركزه. رغم أن غالبيه المصابين لا يحتاجون العلاج غير أنهم يحتاجون الفحص المختبري من أجل التشخيص لكي يتم عزلهم عن الأصحاء من أجل ألاّ ينشروأ إصاباتهم بين أهلهم وذويهم ومن على صلة معهم. تكمن في هذا الوباء الخطوره عند كبار السن ومن يشكو من أمراض مزمنه في الرئه والقلب أو يعاني من مرض السكري والبدانه أو السرطان أو من نقص المناعه. بينما لا خطوره تذكر عند الأطفال ومن هم في مقتبل العمر، رغم هذا فالأطفال يعتبرون مصدر قوي لنقل العدوى للآخرين.
مضار التهويل تقابلها مساوىء التهوين من الوباء والتي قد تثني همم الناس عن حماية أنفسهم من المرض وعن إتباع النصائح والإرشادات المنصوص عليها. مهما كانت مبررات من يهوّن من خطورة الوباء، فمبرراته لا ترتقي الى شدة الضررالذي قد يحدثه هذا التهوين، وهكذا فوباء كوفيد19 لا يتقبل التهويل ولا يرتضي التهوين في التعامل معه أبدا!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة