المثليةُ الجنسيةُ بين القانون الإلهي والوضعي – بقلم : د. عبد الوهاب القرش

دراسات …..
بقلم : د . عبد الوهاب القرش – مصر …
تعد موضوع المثليةُ الجنسيةُ من المواضيع التي تثير اهتمام الناس على مختلف مشاربهم الدينية والفكرية والاجتماعية ، وذلك بسبب تفشي هذه الظاهرة في العالم الغربي وانتشارها في العالم العربي، وانتقال دعاتها من مرحلة الدفاع إلى الهجوم ، وتحديّهم للقوانين والشرائع التي تحرم هذا الفعل وتجرمه.
لقد كان شذوذ قوم لوط عن الفطرة واقترافهم للفاحشة جريمة شنعاء استحدثوها ولم تكن معروفة في الأقوام والأمم التي سبقتهم، يقول تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} (لأعراف:80). فاستحقوا بذلك العذاب الذي حل بهم حيث إن الجرائم الأخلاقية والفواحش إذا فشت في قوم وعمت، كان ذلك استدعاء لعقاب الله واستقداما لعذابه واستحقاقا للهلاك والدمار، مصداقا لقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}(الإسراء:16).
والشواهد التاريخية على هذا القانون الإلهي كثيرة منها ما قصه علينا القرآن ومنها ما دونته أقلام المؤرخين والأدباء والرحالة…كالدمار الذي حل بمدينة بومبي Pompéi الإيطالية في القرن الأول الميلادي حيث تعرضت المدينة مرة أولى لزلزال سنة 62م (أو 63م؟)، وقبل أن ينتهي سكان المدينة من ترميم البنايات المتضررة من جراء الزلزال، ثار بركان فيزوف Vésuve سنة 79م ودمر المدينة.وقد قدر عدد الهلكى ب 2500 من بين 20000 ساكن وما زالت آثار عدد من هؤلاء الذين أخذوا على حين غفلة محفوظة في متحف نابولي آية من الله لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
والجدير بالذكر أن هذه المدينة التي عرفت ازدهارًا ورخاء كبيرين و عرفت ثراء فاحشًا، كانت أيضا مدينة الفاحشة بامتياز كما تدل على ذلك الرسوم والكتابات الموجودة على الأسوار و كذلك الرسوم التي تعلو جدران البيوت الخاصة التي تم إعدادها لاقتراف تلك الجرائم وجدران قصور وبيوت عدد من علية القوم حتى أن أهل بومبي أنفسهم كانوا يتحرجون من تلك الرسوم والكتابات ويتخوفون أن يحل بهم الهلاك: فمن بين الآثار الموجودة على أسوار المدينة المدمرة وجدرانها بيت شعري يقول :
“أستغرب لك يا جدار كيف لا تنهد حطاما
تحت الأثقال التي لا تطاق من فرط كل هذه الكتابات ”
لذلك فقد قص الحق سبحانه علينا قصة لوط وترك فيها آية حتى تتعظ الأمم والأقوام من بعدهم مما حدث، فتتجنب الأسباب التي أدت إلى هذا الهلاك. وأكد جل ثناؤه أن الباعث على عدم العظة والاعتبار بما حل بالأقوام التي دمرها الله، هو التكذيب بالبعث والنشور، يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً}(الفرقان:40)، يقول الطبري في تفسير هذه الآية: “…وقوله أفلم يكونوا يرونها، يقول جل ثناؤه: أولم يكن هؤلاء المشركين الذين قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء، يرون تلك القرية وما نزل بها من عذاب الله بتكذيب أهلها رسلهم فيعتبروا ويتذكروا فيراجعوا التوبة من كفرهم وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، {بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً}. يقول تعالى ذكره: ما كذبوا محمدًا فيما جاءهم به من عند الله لأنهم لم يكونوا رأوا ما حل بالقرية التي وصفت ، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشورًا بعد الممات يعني أنهم لا يوقنون بالعقاب والثواب ولا يؤمنون بقيام الساعة فيردعهم ذلك عما يأتون من معاصي الله”.
وفي هذا درس عظيم ودعوة قرآنية إلى الاعتبار بمصائر الأقوام السابقة والاستفادة من تجارب التاريخ، موجهة لنا في عالم اليوم، حيث فشت العلاقات الجنسية المحرمة شرعًا، وظهرت الشذوذات الجنسية التي تستقبحها الفطرة ويمجها الذوق السليم، ونشأ لأصحابها كيانات سعت وتسعى، تحت غطاء الحريات وحقوق الإنسان، للحصول على الشرعية القانونية، وقد تم لها ذلك في عدد من بلدان غير المسلمين لدرجة أنها استطاعت أن تغير من مفهوم الأسرة والعلاقة الأسرية حتى أباح البرلمان السويدي زواج الأم من ولدها وأباح البرلمان الهولندي عقد قران الشواذ من نفس الجنس، وتلته بعد ذلك العديد من دول أوربا، فأصبح بذلك زنا المحارم وأصبح السحاق(العلاقة الجنسية بين الإناث) والدبار(العلاقة الجنسية بين الذكران) وغيرهما، علاقات جنسية “مشروعة”.كما تسعى هذه التيارات الهدامة أن يكون لها موطأ قدم في بعض بلدان المسلمين، من خلال ممارسة الضغوط – عبر سفارات الدول الغربية- لحماية الشباب المغرر بهم في أوطاننا حتى لا تطالهم العقوبات التي تقرها قوانين بلداننا لردع مثل هذه الانحرافات والجرائم الأخلاقية الخطيرة.ومن خلال محاولة تنظيم المؤتمرات الدولية الخاصة بالشواذ داخل أوطاننا، إن في السر أو في العلن.لذلك فإن دور المسلمين في مجابهة هذه التيارات ومجاهدة هذه الأفكار والممارسات غير السوية يكبر يوما بعد يوم على المستويين الإسلامي و الإنساني، حتى يتم اجتناب عذاب الله وتفاديه، فسنن الله في هذا الكون لا تتبدل ولا تتخلف يقول تعالى:{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}(الأحزاب:62) .
درس ثان يستفاد من هذه القصة القرآنية، يتمثل في تأكيد الحق سبحانه لدعاة الهدى والذين اختاروا لأنفسهم نشر الحق وتبليغه والذود عنه، أن الله منجيهم ومهلك أعداء دينه كما نجى لوطًا وابنتيه وأهلك قومهم، يقول تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ.وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} (لأعراف:83-84)، وكما نجى نوحا والذين آمنوا معه…بل إن الله عز وجل يؤكد على أن النصر في النهاية – وإن تأخر- فإنه يأتي لصالح الفئة المؤمنة، يقول تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (يوسف:110).إذ قصص الأنبياء في القرآن تريد أن تقول للرسول صلوات الله وسلامه عليه وللمؤمنين معه.. إن ما تفعله بكم جاهلية قريش من اضطهاد وتعذيب، هو هو الذي صنعته كل جاهلية من قبل في التاريخ..ثم كانت النهاية دائمًا انتصار الحق والتدمير على المكذبين .. وذلك بهدف التسرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومعها التسرية عن المؤمنين وهم يلقون العنت والتشريد والعذاب بسبب إيمانهم وهو هدف من أهداف القصص القرآني يخاطب دعاة الحق وطريق الخير والهدى على مر العصور، ليبين لهم أن طبيعة هذا الدين أن يبتلى أهله بالشدائد والصعاب وأن يواجهوا بالتكذيب وبالاتهام. ويحضهم على الصبر والمصابرة والجهاد والمجاهدة والثبات. فالنتيجة في النهاية لا محالة لصالحهم والنصر لاشك جزاؤهم في الدنيا والجنة يقينا ثوابهم في الآخرة. فلا يجوز بحال أن تؤدي الأوضاع الصعبة والظروف العصيبة التي تجتازها أمتنا الإسلامية اليوم إلى القعود أو إلى القنوط أو إلى اليأس، لأن اليأس ليس من ديننا في شيء، يقول تعالى: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(يوسف: الآية87).ويقول الشاعر المسلم
الْيَأْسُ في دينِنا كُفْرٌ وَمَنْقَصَةٌ … لا يُنْبتُ اليَأْسَ قلبُ الْمُؤْمِنِ الفَهِمِ
بل إن هذه الحالة من الضعف تستدعي تنظيم الجبهات ورص الصفوف والثبات على الطريق وتربية المجتمعات المسلمة على ثقافة المقاومة والممانعة، فنحن الأمة التي قال فيها رسولنا الكريم:” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”.
د/عبدالوهاب القرش

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة