الفيلم الاسطوري “أبوكاليبس ناو”/1979/القيامة الآن/1:بقلم : مهند النابلسي

فن وثقافة ….
بقلم : مهند النابلسي – الاردن …
“احب رائحة النابالم في الصباح”!
*الغوص بآماكن الروح الانسانية المظلمة وليس مجرد تفاصيل الحرب الفيتنامية المرعبة.
*لنقتبس هنا مقولة المخرج الفرنسي: “أطلب من الفيلم أن يعرب اما عن فرحته بصناعة السينما او بمعاناة صناعة السينما…فلست مهتما أبدا بأي شيء بينهما” فهل يعبر المخرجون العرب عن ذلك حقا في نهاية أفلامهم بشكل ما؟!
*لقد تم الكشف بالفعل عن فرحة ومعاناة كوبولا أثناء اعداد واخراج تحفة “قلب الظلام: نهاية العالم” في فيلم وثائقي لافت صدر بالعام 1991، أنتجه كل من “فاكس بار وجورج هيكين لوبر” وقد تضمن مشاهد معبرة لطريقة صناعة الفيلم، مع العديد من اللقطات الشخصية والادخالات الصحفية لزوجة كوبولا “اليانور”، التي ضمنت الشريط تسجيلات لكوبولا معربا فيها عن شكوكه واحباطاته، حيث هدد هذا المشروع باغراقه!
*لم أستطع ان افهم مدى الرعب الذي اكتشفه “كورتز”، وفيما اذا كنا محظوظين، فنحن نقضي حياتنا في خيبة حمقاء، ولا نعرف مدى قربنا من حافة الهاوية؟
*انجزت في القرن المصرم اربعة أفلا م هامة عن الحرب…هي: بلاتون، صائد الغزلان، والبحث عن الجندي رايان، والجاكيتة المعدنية لكوبريك، ثلاثة منها تتحدث عن حرب فيتنام…وبالمقابل فقد انتج الفيتناميون خمسة افلام عنها، لم يذكروا فيها اسم امريكا بل استبدلوه بالعدو فقط، فقد عانوا ايضا من الغزو الصيني والفرنسي لبلادهم…
*لكن فيلم “نهاية العالم” هو من أعظم الأفلام عن الحرب، لأنه يتجاوز خطوط السرد التقليدي الى الأماكن المظلمة للروح الانسانية، فهو يغوص بكيفية كشف الحرب للحقائق المرعبة، التي سنكون حقا سعداء بعدم اكتشافها!
*من اكثر المشاهد اثارة عندما يصر الشيف “فريدريك فورست” أحد اعضاء طاقم ويلارد، على المغامرة في اجتياح الغابة بحثا عن ثمار المانجو، فلا يتمكن ويلارد من ايقافه، لذا فهو ينضم اليه، ليقوم المصور الفذ “فيتوريو ستورو” بتصوير ضآلة الكائنات البشرية مقارنة باشجار الغابة العملاقة، هنا يظهر “جوزيف كونراد” مجازا ليرينا كيف تقزمنا الطبيعة!
*يفتتح الشريط بموسيقى “الروك آند روك” الصادرة بصخب من راديو ترانزستور مع “صباح الخير فيتنام”…مركزة على اللحظات السيريالية، تماما مثل حالات التزلج المسائي خلف القارب، مؤكدة لنا كيفية استخدام الموسيقى المنزلية الصاخبة مع “الخمر والمخدرات” لتخفيض الشعور الطاغي بالوحدة والقلق.
*توجد هنااك لقطات عصبية مرعبة في الشريط، مثل عندما يوقف قارب الدورية مركب صيد فيتنامي صغير مع عائلة على متنه، فتقوم طفلة صغيرة بعمل اندفاعة مفاجئة، فتنطلق المدافع الرشاشة تلقائيا من قبل الشاب “لورنس فيشبورن” وتقتل كل أفراد العائلة…ثم يتضح ان الفتاة كانت تلعب مع جروها الصغير، والام لم تكن ميتة تماما، فيريد رئيس القارب اصطحابها للعلاج، لكن ويلارد ينهي حياتها فورا برصاصة، حيث لا شيء يمكن ان يؤخر مهمته…فهما الرجلان المخضرمان الوحيدان على متن القارب ويجب الالتزام بتنفيذ التعليمات المكتوبة حرفيا دون اجتهاد…ثم لاحقا يندهش الرئيس الصارم لمقتل رجله الشجاع بواسطة رمح مفاجىء في مشهد معبر يحمل قوة كبيرة لمغزى “الجريمة والعقاب”!
*يعتبر هذا الشريط من أكثر أفلام القرن العشرين تعبيرا عن الحرب، أما الأفضل حقا فهو مشهد هجوم طائرة الهليكوبتر على قرية فيتنامية بقيادة العقيد كيلجور (روبرت دوفال بدو استثنائي)، والتي تستخدم مكبرات الصوت على اعلى المستويات الصوتية لتصدح بسيمفونية “رايد هوف ذا فالكيريس” لفاجنر، ونشاهد اثناء انقضاضهم على ساحة مليئة باطفال المدارس…وقد فاز “دوفال” باستحقاق بترشيح الاوسكار عن آدائه المنقطع النظير وجملته التي لا تنسى “احب رائحة النابالم في الصباح”…وبدا العقيد المهووس متعصبا بحدة للهجوم لاحقا على شاطىء مهجور لتحريرة بموجات كبيرة من الجنود وطائرات الهليوكوبتر …ثم لنغرق في فراغ كابوسي مخيف!

*عرض الفيلم أولا ترويجيا في كان بحجم 70مم، لكن الاصدار النهائي كان بشكل 35مم، وكانت الحكومة الفيليبنية تطلب من كوبولا تدمير مجمع التصوير الضخم، وقد قام بتصويره اخيرا أثناء تدميره، ثم قرر استخدام هذه اللقطات في نهاية الفيلم بكاميرا 35مم…وفي الاصدار الرقمي العشرين للقرص الرقمي يشرح لنا كوبولا كل ذلك مرة اخرى…
*عنصرا آخر هاما يتمثل في النهاية حيث يكتشف المصور الصحفي “دينيس هوبر” معسكر “كورتز” ويبقى هناك، وقد اندهش كشاهد، فيصرخ باعجاب بأن كورتز ما هو الا محارب شاعر بالمعنى الكلاسيكي، ونحن جميعا اولاده، ثم نشاهد في مستويات التصوير المتقطعة ونسمع قراءة قصاصات متقطعة من الشعر يتلوها كورتز مثل: فاذا كنت لا تستطيع ان تضع رأسك عاليا عندما يكون كل شيء عنك، فقد كان علي ان اتسلح بزوج من المخالب الخشنة، تتدفق عبر قاع البحر الصامت الذليل…المهرج، الأحمق. فالمصور هنا كان يمثل التوازن ما بين حالتي “ويلارد وكورتز”.
*ما الفيلم برمته الا عبارة عن رحلة عميقة تجاه فهم ويلارد لكيفية اختراق كورتز المختفي الغامض، وهو احد أفضل الضباط في الجيش الأمريكي، كما يمثل الفيلم حالة اختراق حقيقة الحرب لعمق انساتي عبثي لا يمكن معالجته بلا جنون ويأس.: والشريط يحتوي على أكثر النهايات المؤلمة في تاريخ السينما، كما لاستحضار شاعري لما اكتشفه “كورتز” في عزلته الجحيمية، وما نامل حقا أن نكتشفه لوحدنا…فقد خلقت رحلة النهر تحسبا هائلا لمشاركة كورتز، وقد نجح الممثل براندو بالوفاء بها يطريقة أداءه التقمصي الفذ العميق للدور الاسطوري…
*عندما تم عرض الفيلم في العام 1979 فقد نوقش سبب اخنيار براندو وطريقة آدائه الخاصة وأسباب استلامه لعدة ملايين لدور قصير محدود لمرة واحدة، لكن من الواضح أن الخيار كان موفقا تماما، ليس لكونه أيقونة رمزية خاصة كممثل سينمائي شهير، ولكن لأسباب تتعلق بصوته وطريقة نطقه وايماءآته الفريدة، مما ساعد على ادخال الفيلم في أجواء من الظلام والاضاءة الخافتة المتفاوتة الغامضة، كما بطريقة تكراره لكلمات الشاعر “ت. اس اليوت” اليائسة بحالة “الرجل الأجوف”، حيث مثل ذلك الصوت الهامس القوي النغمة النهائية للفيلم الاسطوري، وقد ذكرنا بطريقة نطقه الشهيرة في تحفة العراب قبل حوالي الست سنوات.

*ما تعلمه كورتز أخيرا هو أن “الفيتكونغ” كانوا على استعدا للذهاب بعيدا في ذلك الفوز: ثم ادركت انهم كانوا أقوى منا…فلديهم كل القوة للقيام بذلك بجسارة وبلا تردد. ولو كان لدي عشرة فرق من هؤلاء الرجال، فعندئذ ستنتهي كل المشاكل هنا بسرعة كبيرة: حيث يجب أن يكون لديك رجال اخلاقيون وفي الوقت نفسه قادرون على استخدام كافة غرائزهم البدائية للقتل دون شعور وندم وعاطفة، وكذلك دون حكم! هذا هو الرعب الذي اكتشفه كورتز، وهو نفسه يهدد بتطويق ويلارد أيضا.
*فكورتز نفسه هو بطل “ديكوري” ويعد واحدا من أفضل الضباط في الجيش، وهو الذي أنشأ محمية منعزلة في غابة منحدرة داخل أراضي العدو، ليحكم رجال القبائل كجيشه الخاص ويتحكم فيهم كاله…حيث يخبر ويلارد عن يوم قام فيه رجال قواته الخاصة بتطعيم أطفال القرية المحاذية ضد شلل الأطفال: ثم جاء هذا الرجل العجوز وراءنا وهو يبكي بحرقة، ولم يكن قادرا على الرؤيا. وعندما عدنا الى هناك، فاختطفوا وقطعوا كل ذراع تم تلقيحها بوحشية: فشاهدنا كومة من الأذرع الصغيرة “المطعمة” ملقاة!
*الاستهلال:
فيلم “فرانسيس فورد كوبولا” هذا “الجحيم الان” (أبو كاليبس ناو) مستوحى من رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد، يتحدث عن شخص اوروبي يدعى “كورتز”، اخترق مغامرة الذهاب الى اقصى أطراف الكونغو وقد حول نفسه هناك لاله، ثم انطلق قارب للبحث عنه هناك، وخلال الرحلة يفقد الراوي تدريجيا ثقته في الحضارة الانسانية المنظمة، ويندهش للوزن الهائل للغاية في كل مكان حوله، حيث ينغمس في تجربة “داروينية” قاسية بلا شفقة، متجنبا بحذر كل كائن حوله لكي لا يؤكل بوحشية! أما ما تم العثور عليه اخيرا في نهاية الرحلة، فليس كورتز نفسه بقدر ما وجد كورتز بأن كل ايامنا وطرقنا الحياتية مكونة من بنية هشة موضوعة فوق فكي الطبيعة الجائعة التي تسعى لالتهامنا دون تفكير…أما الحياة السعيدة فتكون في الاستراحة اليومية من هذه المعرفة!
مهند النابلسي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة