قيمٌ من اللغة (9) بقلم د . مجدي ابراهيم

دراسات ….
بقلم : د. مجدي إبراهيم – مصر …
توقفنا في اللقاء السابق عند الفكرة التي عرضها كل من “أرنست رينان” و”ليون جوتييه” من كون العقلية العربية فُطرت على إدراك الجزئيات والمفردات، ولم تكن عقلية قادرة على استخلاص قضايا عامة، ولا استنباط قوانين كلية؛ فكانت من ثمَّ عقلية فصل ومباعدة، ولم تكن عقلية تنزع إلى الوحدة مما لم يعد في مقدورها الوصول إلى فروض ونظريات. فمن العبث أن نلتمس لدى العرب آراء علمية أو دروساً فلسفية مبتكرة خصوصاً وقد ضيّق الإسلام آفاقهم كما يقول رينان، وأنتزع من بينهم كل بحث نظري وأضحى الطفل المسلم على هذا يحتقر العلم والفلسفة.
وإذا كانت هذه الآراء ليست صحيحة بل جائرة كما ذكرنا فيما تقدّم؛ لأنها قائمة على العنصرية البغيضة والتعصب الممقوت للجنس الآري في مقابل الغض من أقدار الجنس السامي، وأن هذه المسألة لم يعد الاعتداد بها الآن كما كان من قبل يوم ظهرت فكرة تاريخية في حقبة زمنية تقوم على المفاضلة بين الأجناس؛ فإننا من جهة أخرى كنا قد استخلصنا من ذلك نتيجتين ذكرنا إحداهما في المقال السابق. أمّا النتيجة الثانية : فتترتب ترتيباً منطقياً على النتيجة الأولى, فماذا ينتظر من ثقافة تلك مقوماتها، وهذه هى ظروفها، غير الشعور الدائم بالاغتراب؟ وذلك لأن اغتراب “الذات العربية” اليوم، وشعورها الدائم بفقدان الهوية، وتمثلها لنماذج مفتتة تنتصر لشيوع لغة التمزق والتشرذم والتلاشي إنما هو نتاج طبيعي لافتقارها – مرة ثانية – إلى “ثوابت الوجود الروحي”؛ ذلك الوجود المُصدّر لكل القيم النشطة الباقية، والذي يمثل ضميرها الواعي كما يجسد ألزم سماتها الخاصة التي عُرفت بها على الدوام بين أمم العالمين.
كنتُ قد عالجت هذه “الفكرة” فيما طرحته من قبل حول موضوع “ثقافة الذات العربية والشعور بالاغتراب”، ولم أجد بديلاً يزحزحني عما كنتُ طرحته في السابق حول هذا الاغتراب الذاتي شعوراً يلازم تلك الثقافة العربية؛ فلنتذكر هنا بشيء من التحليل والتمحيص والوقوف على بعض النقاط ما أثبتناه هناك؛ لا لمجرَّد التكرار والإعادة فقط، ولكن لمجرد التذكرة بخصوصية “الفكرة” التي أثبتناها في محلها، ووجوب الوعي بها، والتنبيه إليها وإلى ما يلزم عنها من نتيجة قوية تتأكد معنا، وتترتب على ما قدمناه.
آفة الثقافة العربية؛ فيما لو لم تستطع أن تفعِّل “عقيدة التوحيد” على صعيد التذوق والتبْصرة أو على المستوى العقلي والفكري والثقافي، وأن تصل من النزوع إلى الفصل والمباعدة إلى الانخراط في وجوب الوحدة بحيث تُقرن الأشباه والأضداد وتربطها بعضها مع البعض الآخر بما يجعل منها وحدة توحيدية واحدة في غير تنافر تفرضه شكلية الأداء أو تناقض يجيزه منطق المحسوس. أقول؛ إنّ آفة الثقافة العربية إذا لم تقتدر أن تجعل من التوحيد غايتها ومطلبها؛ فهى لا شك تنطلق في أغلب أحوالها وتعدد مواقفها من وهم، وتعود على وهم، وتتصور الحقائق على الجملة فضلاً عن التفصيل بفاعلية الوهم المعشعش في أدمغة منتجيها. ومنتجو الثقافة لا يبلغون من الحقائق المجردة مبلغهم من العلم بفاعلية الوهم أبداً، وإنما يبلغونها بالتجرد وببذل النفس طواعية في سبيلها؛ لكننا محكومون في أفكارنا، وآرائنا، وأحكامنا، ومنطلقاتنا الفكرية والشعورية بالهوى لا بالعقل المروض على التفكير البصير.
ومن شأن حكم الهوى أن يُملي علينا خيوطاً متشابكة ومختلطة بخليط عجيب من “الوهم”، ويظل الوهم يلفنا لفاً لا فكاك لنا من خيوطه الكثيفة المتشابكة، حتى ليملأ صدورنا بالتضخم، وعقولنا بالاعتقاد التقليدي المنبوذ، وذواتنا بالفراغ والسطحية، وسلوكنا بالتصرف الرزيل المشين؛ فيبدو كل ما نقوله أو نفعله إلى الوهم المتفشي في أعماقنا أقرب وأدنى من بلوغنا للحقائق التي يسبقها جهادُ للنفس شريف.
ومتى تغلغل الوهم في أفكارنا ومعتقداتنا، مضينا مع “الهوى” إلى غايته، فيسوقنا الهوى إلى ضروب متشابكة لا شك فيها من الأنانية وحب الذات وتضخم “الأنا” … إلى كثير من الصفات التي يغلب عليها حكمه فينا، ولا يغلب عليها فينا حكم العقل المقيد بضبط الأهواء ومجاهدة الآفات، وبلوغ الحقائق من ثمَّ بمقتضى هذا الجهاد لا بفاعلية الهوى الذي يتحكم فينا تماماً كما تتحكم فينا العادات، والمألوفات، والمرذولات، تحكم الأغلال تغلنا عن الحركة، وعن الحرية، وعن الاعتقاد الحر النزيه عن الأغراض : اعتقاد التوحيد، وفهم التوحيد، وإدراك التوحيد، وتصحيح التوحيد، وتفعيل التوحيد في حياتنا الباطنة قبل الظاهر منها لبصر الشاهد العيان.
هذا الاعتقاد الذي يعلو متسامياً عن كل عقيدة مقيدة بقيود الوهم بلا هداية يرومها قصد السبيل؛ فنحن – والله – واهمون في أقوالنا وأحكامنا وثقافتنا وعقائدنا؛ لأننا محكومون فيها بالهوى، مسيَّرون فيها بالأنانية وحب الذات، ناشطون النشاط كله في بلوغ الأهواء منا مبلغ العقائد الثابتة؛ ونحن – في ثباتها وتحققها في الحق – واهمون. فأي غربة غريبة تستشعرها “الذات العربية” أغربُ من كونها تنمي قدراتها على “الوهم” وتُرْبي إرادتها على الزيف، وتصل إلى الأمور من طريق “الوهم” لا من طريق “الحقيقة” وتنطلق بادئ ذي بدء من حكم “الهوى” لا حكم “الإرادة العاقلة”؟ ثم ماذا؟! فإذا بذواتنا العربية تتشتت وتتمزق وتتفرَّق حيث لا يجمعها رابط من التوحيد وطيد.
من ذلك ترى؛ أن القناة الوحيدة للتعبير عن العقل العربي والثقافة الذاتية هى اللغة؛ فإن في إحسانها والتفاعل معها، والذَّوْد عن حماها، والقدرة على توظيفها، وإدراك مواطن القوة فيها ومواطن الضعف والتفرقة بينها، وتزكية كل موطن صالح فيها لتخطي حدود الزمان والمكان، والبلوغ بها إلى أعلى درجات التعبير عن خصائص العقل العربي؛ لأساساً يرجع إليه الذوق العربي في أعز مطالب عروبته؛ إذْ العروبة في أخص خصائصها – كما كان المغفور له أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود يقول – ثقافة وليست سياسة؛ العروبة ثقافة بلغتها “الشاعرة” كما وصفها الأستاذ الأديب الكبير “عباس محمود العقاد”، ثقافة يخضع لها طبع العربي بطريق مباشر نحو تلك الحياة التي يطلبها، وهو لا يحيا الحياة المطلوبة على أسمى معانيها إلا إذا تمكن من معارف عصره، ولن تجد لحياته بُغية ولا غاية إلا إذا تذوق لغته، وعبَّر بلغته، وصَوَّر بلغته، وأحسن فنون الذوق والتعبير والتصوير؛ حتى إذا هو أراد اللغة فلابد أن يريد الثقافة العربية في أرقى تجلياتها : “الذوق العربي”.
لا شك كانت تلك الروح هى التي يتفق عليها أبناء العربية من المحيط إلى الخليج ومن المشرق إلى المغرب؛ أعني الروح العربية ذات الروابط “القيمية” المشتركة : اللغة، والتاريخ، والثقافة، والحضارة، والتقاليد، والإرث الخلقي والهمِّ السياسي، والأحوال الاجتماعية والظروف المعيشية، والمعتقدات الإيمانية؛ وهذه الأخيرة هى مقوِّم خاص من مقومات الروح العربي والإسلامي؛ لأنها بلا ريب هى روح باطنة تسري في أعمق أعماق الوجود العربي وتعطي له حق الاستمرارية والبقاء في مواجهة زعازع الفتن ومضلات الحياة الواهية وأباطيل الوهم المستشري دوماً في الضمائر والعقول.
إنمَّا الروح العربي بروابطها المشتركة وجماعاتها المتجانسة في الدم، والدين، والتاريخ، واللغة، والتقاليد، والإرث الحضاري والثقافي؛ لروح ناهضة، وإنْ ظن الظانون بها شتى الظنون، فسلبوها القدرة والعزم ووصفوها في الغالب بالعجز عن التقدُّم فوق ما نعتوها في غير رحمة ولا حرمة بالوهن والضعف والقهر والاستلاب. كانت عندهم روحاً مقهورة مستلبة، لا تحسن عملاً ولا تعبر عن إرادة, ولكن الحقيقة المشهودة لذوي البصائر غير هذا كله، وفوق هذا كله، وأبعد من هذا كله، يكذبه الروح العربي نفسه : روح الجد في غير يأس والتعاون والصمود والإرادة والعزم.
ومن أمثلة العزيمة والإصرار والإيمان المطلق بالعمل وعدم الفتور والقنوط من رحمة الله ثم الإخلاص والصدق بكل فعل إذا هو أرتهن فعله من أجل الله، كمن تقابله “صخرة” حجزت عنه طريق الإرادة والعزم, لكن هذا العزم أو تلك الإرادة قد تحايلت عليها بحيل الطبيعة الإنسانية وحيل الزمن، فكل يوم تنزل عليها نقطة ماء, ستراها من فورها آخر الأمر تنفلق. ومثال الإصرار لا نزاع فيه يصدقه الواقع التجريبي وعمل الحياة اليومية، ويكذبه فتور العزم وقلة الإرادة في مواجهة الصعاب وهو دليل من ناحية أخرى على “العمل” من غير يأس؛ لأن اليأس هو الذي يؤخِّر سبيل العمل إنْ لم يكن يقضي عليه ويذهِبُه أدراج الرياح؛ لأنه قاتل على جميع المستويات : الشعورية والفكرية والأخلاقية والعملية، قاتل على صعيد الإرادة الإنسانية الفاعلة والبناءة، ثم إن اليأس والقنوط ضد الإيمان بالله؛ والإيمان بالقدرات الإنسانية العالية التي هى في أول مقام قدرات وهبها الله للعامل حين يعمل، وبها يعمل، ويعبد الله في حال العمل بملكة التعلق به والتوجه إلى مرضاته تعالى في غير يأس، ولكن برضى وقبول وثقة بجميل عون الله :” إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”.
هذه خصائص مُتًجَذِّرة في الروح العربي ومتأصلة؛ تختفي أحياناً وتتوارى لكنها لا تنعدم ولا تتلاشى أبداً، وعليها تقوم نهضتنا العربية، لغة وثقافة وحياة روحيّة؛ لأنها الأصالة الأصيلة التي ينفردُ بها الوعي العربي فيما لو أخذ طريقه نحو اليقظة، واستمد ثوابته من صحوة الضمير، ومضى غير متوقف ولا خذلان نحو النهوض والتقدُّم والفاعلية والبناء.
وعلى هذا الروح العربي وحده : روح العروبة المستتر وراء الخلافات السياسية، والأنظمة الفاسدة الرجعية، تتعلق آمال المؤملين، فيقوم فينا التعاون الناهض البناء، وينبغي على الدوام أن يقوم في غير استسلام للغِيَر والطوارئ الخارجية. ولكنه, مع ذلك, لن يقوم لنا بناء, ولن تعلو لنا نهضة والروح فينا ممزقة, والحيوية فاترة, والهدف غائب, والراية منكسة, والجهاد منبوذ, والوعي مفقود أو يكاد, والوحدة التي تفرضها روح الثقافة مشتتة بين قيم هنا وقيم هناك, فمما لابد له, من تمركز حول “الوحدة”, يتبعه عمل بناء ونهوض فوري قائم على تلك الروح .. وإلا فالبديل هو “الكارثة” يستقبلها الوجدان العربي فوق ما يستقبل من كوارث ومضار وآفات.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة