الحرب والردع .. الخيار المفروض لأصل مرفوض – بقلم : د. نضير الخزرجي

دراسات ….
د. نضير الخزرجي – لندن …
في الثاني والعشرين من شهر سبتمبر أيلول سنة 1980م كنت وثلة من الشباب المهاجر في أحد بساتين مدينة كرج القريب من مطار مهر آباد الدولي في العاصمة الإيرانية طهران آنذاك، مجموعة من الشباب الذين تقطعت بهم سبل الهجرة القسرية وجمعهم القدر في هذه المنطقة دون أن يحلموا وهم على مقاعد الدراسة في أن يتركوا وطنهم العراق مرغمين، مثلما لم نكن نحلم أن يجمعنا القدر في العاصمة البريطانية لندن بعد رحلة طويلة من عذابات الهجرة التي كانت محطتها الأولى العاصمة السورية دمشق ثم طهران ثم عودة ثانية الى دمشق ومنها الى العاصمة السياحية التركية استانبول لتسوقنا الخطوط الجوية البريطانية في 19 اكتوبر تشرين الأول سنة 1990م وبجواز سفر غير عراقي إلى لندن، صرفنا ما لدينا من متاع الدنيا على قلته وما بقي في الجيب من فتات على رحلة اللجوء القسري، فكما خرجت من العراق سرًا عبر البر نحو الحدود السورية العراقية لا أملك دينارًا دخلت لندن خالي الوفاض، على أن الهجرة الأولى أفضل حالًا من الثانية ماديًّا، في الأولى تولى بعض أصحاب الخير تكلفة الهجرة وعمولة سائق الحافلة وفي الثانية وصلت لندن محملًا بقروض.
في نهار ذلك اليوم السبتمبري الأيلولي، وبين نحن نتناول كسرات خبز يابس مع الشاي وإذا بسرب من الطائرات المقاتلة يخطف أبصارنا ويشق صوتها طبلة آذاننا، في هذه الأثناء قفز من بيننا شاب يكبرنا في العمر كان قد أنهى للتو الخدمة العسكرية، وصاح بصوت عال: (إنها طائرات ميغ روسية، وإيران لا تملك طائرات ميغ، إنها عراقية) وما هي إلا لحظات وإذا بصوت انفجارات تناهى الى أسماعنا، حيث كان مطار مهر آباد هو الأقرب إلينا من بين المنشئات الإيرانية الحيوية، فأجمع بعضنا على إصابة المطار وحيث لا رابط لنا مع العالم الخارجي إلا المذياع، تحملقنا حوله وما هي إلا هنيئة وقطع المذيع البرنامج وأعلن عن بدء عدوان عسكري شامل قادم عبر البوابة الشرقية.
وهكذا شهدت رؤية أول سرب جوي عراقي يدك مطار مهر آباد الدولي، إيذانا بانطلاق حرب شرسة، فكانت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لثمان سنوات وأقفلت فصولها في العشرين من آب أغسطس عام 1988م ولم تنته ذيولها حتى يومنا هذا، خلصت إلى ضياع أرواح الملايين من الشعبين المسلمين العراقي والإيراني، فضلا عن خراب إقتصاد البلدين واكتناز شركات بيع الأسلحة الغربية وسرقتها لثروات البلدين وثروات الداعمين لنظام صدام حسين آنذاك.
هذه الحرب المدمرة التي فرح لها أعداء الأمة العربية والإسلامية والجهلة من الأمَّتين، وحزنت لها نفوس الأمَّتين، لأن القاتل والمقتول كلاهما ينطقان الشهادة ويؤمنان بنبي مرسل واحد، والخاسر الأكبر هو أمّة محمد (ص) التي أريد لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، هذه الحرب التي أكلت الأخضر واليابس، تذكرت شرارتها الأولى وأن أهمُّ بقراءة كتيب “شريعة الحرب” للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر مؤخرا (نهاية 2019م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 48 صفحة ضمّ 88 مسألة شرعية و37 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة للناشر ومثلها للمعلق، وتمهيد لصاحب المسائل ربط بالوشيعة خيوط الشريعة.

الخيار المفروض
لا أحد يرغب في الحرب إلا أصحاب النفوس المريضة التي يتوسلون بالقوة لقهر الآخرين يسوقون الناس الى التهلكة والمهلكة، وإذا انساق إليها العقلاء فهو سوق مفروض لأصل مرفوض ليس عنه مناص ولا فكاك لدفع الغائلة ودرء النازلة، وإذا كانت عرب الجاهلية تعتبر الحرب مفخرة فتطلق على أبنائها أسماء (حرب)، فإن نبي الإسلام الذي جاء بالسلام كان يحرص أن يبدل إسم “حرب” الداخل في الإسلام الى إسم سلام، لأن الأسماء موضع تفاؤل، والإسلام يدعو الى إشاعة التفاؤل والبشارة والبشاشة بين الناس (راجع: سنن أبي داود السجستاني: 5/243)، ولأن الحرب في اللغة تعني (المقاتلة والمنازلة) وعند الفقهاء (المقاتلة المشروعة)، فإن الفقيه الكرباسي يضيف في التمهيد: (ونهى الإسلام عن المقاتلة إلا بالحق، ومواردها تتم في إحقاق الحق أو الدفاع عن الحق او استتباب الأمن، ومن هنا جاءت شرعة الحرب والمقاتلة، وإلا فإنه كرَّه حتى مفردة الحرب، وقد ورد بأنها من الأسماء التي يُكره أن يطلقها الإنسان على نفسه .. من هنا كان الرسول (ص) يغيّر الأسماء غير المناسبة للذين يعتنقون الإسلام ويبدلها بأحسن الأسماء)، فالسلم هو الأصل، وبتعبير الفقيه الغديري في مقدمته: “إنَّ الإسلام دين سلم وسلام، وأمن وأمان، كما هو الظاهر من اسمه فهو يحكي عن مُسمّاه، فالتعاليم الإسلامية وأحكامها مبتنية على بثِّ السلام في المجتمع البشري بشتّى أنحائه ومختلف أنواعه”.
وهذا الخيار الصعب تم فرضه على نبي الإسلام منذ اليوم الأول الذي دعا فيه الناس إلى عبادة الواحد الأحد، فكانت كل حروبه دفاعية، وعلى كثرة الغازين والمناوئين والمحاربين حيث عدّوها في نحو ثمانين حربا دفاعيا بين غزوة وسرية فإن مجموع ما قتل من الطرفين في نحو عشر سنوات في حياة النبي الاكرم محمد (ص) هي بنحو ألف شهيد وقتيل وزادت بعض المصادر في أكثر الفروض إلى نحو 1400 شخص، وهذه الأرقام بحساب بحساب حروب اليوم هي أرقام ضئيلة للغاية لأن الإسلام رغم غلبته في معظم الحروب، كان يبقي على الأسرى ويستنقذهم من براثن الجهل، فهو يريد للإنسان الحياة لا موته، صحيح إنَّ أقصى ما يبغيه العدو هو النيل من المؤمن وقتله، ولكن الصحيح أيضا أن أقصى ما يتمناه المؤمن هو الموت شهيدا، وهنا يلتقي العدو والمسلم في الخاتمة، فأقصى مبتغى العدو القتل وأقصى مبتغى المسلم الشهادة، فالقتل عند العدو غاية وهدف وعند المسلم وسام وشرف.
وهذا المعنى يؤكده الفقيه الكرباسي في أول مسائل أحكام الحرب، إذ: (الحرب: هي خلاف السِّلم، والمراد بها هنا القتال وأساليبه)، والمقتضى أن: (الحرب ليست خيارًا إسلاميًّا بل هي علاج أخير لاستتباب الأمن وجني السِّلم)، ولأن الحرب فيها دماء وأعراض فإنَّ: (قرار الحرب ليس بيد كل من هبَّ ودبَّ، أما في الجهاد الإبتدائي فهو للإمام المعصوم أو نائبه الخاص بهذا الشأن أو نائبه العام في مطلق الأمور، وأما حاكم الشرع الجامع للشرائط مع بسط سلطانه)، ولمواجهة الحرب المفروضة كما يضيف الفقيه الكرباسي فإن: (الجهاد الدفاعي فرض على مَن يتمكن من الدفاع عن نفسه وعرضه وماله ووطنه فيما إذا وقع إعتداء عليه) وهذا الفرض أو: (الدفاع لا يحتاج إلى إذن الإمام المعصوم أو حاكم الشرع، ولكن إذا كانت مسائله معقدة وتتأثر بالجو العام أو لها تداعيات على المنطقة أو الدولة فلابد وأن يكون تحت نظر الإمام المعصوم أو حاكم الشرع الجامع للشرائط أو من ينوب عنهما باذنهما).

ما يلزم تفاديه
ومع أنَّ الحرب ليست أصلا، فإن الإعداد لها هو من لوازم حفظ المال والعرض والأرض والمعتقد، لأن المعمورة مسرح صراع بين جحافل الخير والشر، فإن سكت المسالم فلا يسكت الظالم، وإن نامت عين المسالم قريرة فعين المناوئ تظل غير حسيرة، ولهذا ففي الوقت الذي يتوجه الثاني إلى خيار الحرب يتطلب من الأول خيار الردع، والخيار الثاني يغلب الخيار الأول ومن دون وقوع قطرة دم، فالعدو المتربص بالآخر شرا يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على حرب إذا ما كانت لدى الآخر أسلحة ردع شاملة، من هنا يرى الفقيه الكرباسي في التمهيد: (وجوب الإستعداد لمن يريد القيام بحرب ضد أصحاب الحق والأرض) وهذا ما تؤكد عليه الآية 60 من سورة الأنفال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ)، و(إنَّ هذه الأية لوحدها تكفي لمشروعية التسلح وأساليبه. بدأت الآية بالإستعداد لمقاتلة العدو، والإستعداد يعني أن تكون متفوقا على العدو بالعدَّة والعديد).
ومن واجب كل دولة تنشيط العمل المخابراتي لكشف قوة الآخر ومنعه من النفوذ الداخلي والإطلاع على أسرارها، وهذه الأمارة اللازمة من شأنها خلق قوة الردع الذاتي واستدامتها لمنع وقوع الحروب، والآية الكريمة كما يضيف الفقيه الكرباسي: (تشير إلى حقيقة عسكرية لها أهميتها في الإنتصار على العدو أو درء مخاطر الحرب أصلا وهي القوة الرادعة أو موازنة الردع وإيجاد حالة الرعب عند العدو بحيث يبقى في قلق دائم لا يقدم على هجوم المسلمين ويحسب له ألف حساب)، ومن أهمية الإستعداد هو قمع الطابور الخامس وإفشال مخططاته، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (تذهب الآية إلى أبعد من ذلك، حيث تشير إلى أنه لا يكفي مجرد رهبة العدو من المسلمين بل يجب إيجاد حالة الرعب لمن هم بطانة العدو، بل ولكل من تسول له نفسه ويفكر في الهجوم على المسلمين، بحيث إنَّ القوى النائمة يجب أنْ تدخل في حالة السبات ولا يمكنها التفكير في مهاجمة المسلمين وإقامة الحروب عليهم).
إذن ليست الحرب أصلا ولا ينبغي أن تكون، فالغرض منها كما جاء في المسألة الرابعة عشر هي: تأديب العدو وردعه، تطبيق القانون والأحكام، إنقاذ البلاد والعباد من الظلم والحيف، والدفاع عن حريم الأمَّة والوطن.
ولأن الردع يتطلب حماية الإنسان والحيوان والنبات والجماد والبيئة، فإنَّ من المؤكد والمحتم في الشرع الإسلامي كما يذهب الفقيه الكرباسي: (عدم استخدام النار والغازات السامة والغرق وقطع الماء وقتل اللاجئ أو الجريح والتمثيل بالعدو ونقل رأسه من معركة القتال، فإنها محرمة تماماً ولا يجوز تجاوزها)، وعليه: (إنَّ أي مادة سامّة سواء كانت طبيعية أو كيميائية فإن استخدامها محرَّم شرعا وحتى وإن توقف الإنتصار على ذلك)، ويؤيده في ذلك الفقيه الغديري: “وذلك بلحاظ لزوم الحفاظ على المبادئ الإنسانية في جميع الأحوال، والدين لايسمح بمثل ذلك لأنه خلاف العدل”.
ومع هذا السياق: (لا يجوز استخدام أسلحة الدمار الشامل في الحروب)، كما (لا يجوز استخدام الأسلحة المُشعّة والسامة ولا الأسلحة النووية والقنابل الجرثومية)، بل و(كل سلاح يُفسد البيئة ويقضي على المخلوقات او يغيِّر التربة ويوجب قطع النسل كلها محرمة الإستخدام مهما كانت الظروف).
وإذا كان الإسلام في أخلاقياته مع المحاربين نموذجا للعدل الإنساني، فإن أخلاقياته مع غير المحاربين تمثل نموذجا للرحمة، إذْ: (لا يجوز بأي شكل من الأشكال قتل كبار السن والأطفال والإناث والخناثى والمرضى والمجانين وذوي العاهات والعميان والمقعدين والمُتعَبين والمدنيين والفارِّين من الخوض في الحرب والملتجين، وكذلك المزارعين وأصحاب المهن، وقتل البهائم والأنعام وسائر الحيوانات وعقرها، وهدم البيوت والمباني وحرق المزارع وإغراقها).
وهناك مسائل كثيرة على علاقة بعنوان الحرب جاء بها الإسلام وأنار الفقيه الكرباسي في “شريعة الحرب” أنوارها، ولو أمكن للحكومات التقيد بها والعمل بمقتضاها لما احتاجت الأمم إلى أن تخوض الحروب تلو الحروب، ولأن الشر ينفث سمومه ويعمل على بيع منتوجاته من الأسلحة المدمرة عبر خلق الفتن، فإن الأمة الواعية هي التي تعد العدة لكل طارئ بما تملك من قدرات بشرية واقتصادية وعسكرية وبنيوية وتنميتها بالقدر الذي يجعلها مستقلة وتقطع دابر تجار السلاح والفتن وتجفف مصادر ربحهم الجائر على حساب الإنسان والإنسانية.
الرأي الآخر للدراسات- لندن

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة