. لماذا انتحر الجمرة.. وأسئلة أخرى – بقلم : بكر السباتين

آراء حرة ….
بقلم : بكر السباتين – الاردن
اندلعت الاحتجاجات بمنطقة الحي الشمالي في محافظة إربد، يوم أمس السبت، بعد إقدام صاحب بسطة على الانتحار شنقاً إثر مصادرة البلدية بسطته وفق الرواية المنشورة في الصحف والتي لم تتبين تفاصيلها بعد؛ لتضارب الآراء حولها.
بكل بساطة.. كان المواطن الأردني أنس الجمرة يجأر بصوته عالياً وهو يدلل على بضاعته المنثورة على بسطة خضار في سوق إربد.. وفجأة تباغته حملة البلدية المعززة برجال الشرطة التي تطارد الباعة المتجولين وأصحاب البسطات بذريعة أنها تشغل أماكنَ غير قانونية في الأسواق وتضارب على أصحاب المحلات التجارية التي تلتزم بدفع الضرائب.. دون أن تجد البلدية حلاً جذرياً لهذه الفئة الكادحة التي أبت على نفسها إلا أن تعيش بكرامة في وطن من المفترض أنه يأوي الجميع.. على أن يراعي هذا الحل المفترض ظروف هؤلاء الكادحين الذين تقطعت بهم السبل فباتوا على شفير الهاوية، فلم يجدوا بديلاً عن افتراش الأرصفة بالبسطات تحت شمس آب اللهاب أو أمطار شباط الباردة فيباغتهم سعد الذابح بصقيعه غير المحتمل الذي يقص المسمار.
هذا المواطن المدعو أنس الجمرة بعد أن تكررت مداهمات البلدية لبسطته التي صودرت منه عدة مرات، تصدى لرجال الأمن الذين كما قيل بأنهم انتزعوا منه البسطة حتى ألجمت الأفواه عن الاستئناف بتفاصيل الخبر المبهم، سوى ما قيل بأن الجمرة اختار أن ينتحر حتى يشعل فتيل الأسئلة لإيجاد حل ينهي معاناة هذه الفئة المهمشة.. هذه هي الرواية السائدة حول الأسباب التي أدت إلى موته المأساوي.
من جهته وخلافاً لشهود العيان نفى مفتش عام البلدية، مؤيد دحادحة، قيام البلدية بمصادرة بسطة أنس الجمرة هذه الأيام، مشيراً إلى أن آخر مصادرة للبسطة كانت قبل شهر، وتم إرجاعها له في اليوم التالي.. وأشار إلى أن الاجهزة الأمنية تطوق البلدية كإجراء احترازي وأنه تم وضع محافظ إربد ومدير الشرطة بصورة بالحادثة.
ما جرى لصاحب البسطة يذكرنا بأبي الخيزران في رائعة غسان كنفاني” رجال في الشمس” وهو ينتظر بأن يطرق الخزان الذي يختبئ في جوفه أثناء تهريبه إلى الكويت للعمل بعد أن ضاقت به السبل، حتى يخرج رأسه فيستنشق الهواء فلم يحدث ذلك.. “كان أبو الخيزران ينزف عرقاً غزيراً يصب في وجهه ممرات متشعبة تلتقي عند ذقنه.. كانت الشمس ساطعة متوهجة وكان الهواء ساخناً مشبعاً بغبار دقيق كأنه الطحين”.. فمات في سبيل رزقه اختناقاً.. فبدا لي كأنه صاحب البسطة الذي لم تقرع الحكومة الخزان عليه.. التي حشرت في جوفه حياته المليئة بالإحباطات، فاختار أن يقتفي أثر البوعزيزي، تذكرونه! ذلك الشاب التونسي الذي قام يوم الجمعة كانون الأول عام 2010م بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية في مدينة سيدي بوزيد لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه.
ولخطورة الموقف وفق كل التقديرات، جاء رئيس الوزراء ليطرق على هذه الفئة المهمشة الخزان، حتى لا يتكرر مصير البوعزيزي فيهم، فوجه جميع البلديات، من خلال وزارة الإدارة المحلية، إلى استحداث أسواق مجانية أو بأسعار رمزية لأصحاب “البسطات” تمكّن البائعين من العمل دون إغلاق الشوارع وممرات المشاة.
وأكد الرزاز في تغريدة له عبر تويتر التزام الحكومة بتقديم أراضٍ من الخزينة في حال لم تتوفر أراضٍ تابعة للبلد.
فهل صار على المواطن البائس الذي يسد للحكومة كل المستحقات من فواتير المياه والكهرباء والطاقة ومخالفات السير؛ أن ينتحر حتى يسمع صوته للمسؤولين! هل تحولت بيوتنا إلى خزانات تنتظر من يطرقها حتى لا تتكرر مأساة أبي الخيزران فينا.. عجبي!
2 فبراير 2020

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة