دهاءُ امرأة يفضحُ سترَمجتمعٍ كما قَدَّمُهُ إحسان عبد القدوس في (لا تتركوني هنا وحدي) (1) بقلم : رانيا مسعود

اصدارات ونقد ….
بقلم : رانيا مسعود : مصر ….
منذ العباراتِ الأولى للرواية تستطيعُ أيها القارئُ أن تتلمَّسَ عدمَ استقراريةِ بطلتِهَا، فالعنوانُ (لا تتركوني هنا وحدي) يُلقي بظلالِهِ على حالةِ عدمِ الاطمئنانِ التي تَنْتَابُ “لوسيان” أو “لوسي” يهودية الأصل، والتي كما بَدَا لَنَا مِنْ تَقْدِيمِ الكاتبِ أنَّهَا هِي التي رَوَتْ حِكَايَاتٍ لم يكُنِ الكاتبُ ليَسْرُدَهَا إلَّا بَعْدَ وفاتِهَا، خاصةً أنها عاشَتْ بِاسْمٍ مختلفٍ عن ذلك الحقيقيّ، الذي ما كانت لتُخفيهِ إلا لوجودِهَا في مجتمعٍ ما عادَ يتقَبَّلُ وجود مثيلاتها، باختلافِ الاسم الحامل لدلالةٍ دينيةٍ معينة أصبح مستهجنًا وجودُ ما تبقَّى من جالياتها بين المصريين، وهو ما وردَ في إهدائه في بداية الرواية حتى كشف لنا تقديمُهُ ملابساتِعصرٍ عاشَهُالكاتبُ بين يهود مصر، فكتبهم بما دار بينه وبينهم حيثُ كان مزاملًا لهم في أحيائهم، ومعايشًا لأفكارهم بما شكَّلَ وعيًا مكتملًا لديه نقلَهُ إلينا في هذا العمل السردي.
ولم تكن تلك المقدمة التي آثرَ الكاتبُ أن يضعَهَا قبل الولوجِ إلى عالمِ الحَكْي بروايتِهِ إلا مفتاحًا لما سيدورُ بالرواية، وما سيتصل بهِ كشخصٍ عايشَ الأحداثَ، ويتحدثُ عنها بوصفهِ ملازمًا لها وأحدَ عناصر الأداءِ في مسرحِ الحياةِ فيها؛ إذ أنَّ الكاتبَ – كَمَا صرَّحَ – كان قد انتهى من كتابةِ روايتِهِ في بِدَايَةِ أواخرِ السبعينيَّاتِ أي قبلَ توقيعِ معاهدةِ السلامِ بين مصرَ والكيانِ الصهيونيّ، وهو يُصَرِّحُ أيضًا أَنَّهُ كان راصدًا لمجتمعٍ عاشَهُ في فترةِ صباه وشبابِهِ حيث حي العباسية الذي ضَمَّ كبرى عائلاتِ اليهود، وكذلك حارة اليهود بمجتمعاتٍ مختلفة ذات نزعةٍ طبقيّة تتميز بها فيما بينها.
كان الكاتبُ”إحسان عبد القدوس” قد عَمِلَ بائعًا في محل تجارة بِدَل رجالي لأحد أصدقائه في فترة إجازته أثناء دراسته في الجامعة، حيث كان يُزامِلُهُ في عمله أحدُ اليهود. وأثناء عملِهِ فيما بعدُ في “روز اليوسف”جمعَهُ العملُ بثلاثة آخرين هاجروا جميعًا، وقد جاءت المقدمة المفسرة لكتابة الرواية لتوضح لنا سبب كتابتها؛ إذ أن الكاتب قد رصد أحداثها بعيدًا عن مناسبة الحدث وإبرام تلك المعاهدة للسلام بين الجانبين المصري واليهودي، وقد جاءَ توضيحُهُ في المقدمة كي لا يتهمَهُ أحدٌ بالموالاة لقراراتٍ بعينها أو استغلال الحدث للترويج للعلاقات المصرية باليهود على خلفية المعاهدة، وربما كان هذا لتوضيح عدم انحيازه لفكر اليهود أو ربما كان لعدم تشويه فكر وجودهم كعصبة في مصر قبل انتقالهم لاحتلال أرض فلسطين، وعلى خلفية الأحداث من إبرام معاهدة سلامٍ يُجري الكاتب سردًا لوقائع عاشها بينهم ليُقَدِّمَ للقارئ العربي الشخصية اليهودية بأفكارها واستحواذاتها وطرق استخدام الدهاء والذكاء والمكر والحيلة للسيطرة على الأمور كما سنرى فيما بعد من أحداث الرواية.
استهلَّ الكاتبُروايتَهُ بالتعريف بـ “زينب”، في مشهدٍ قد نَالَتْ فيه الشيخوخةُ منها كما يبدو، وتَبَدَّلَ اسمُهابالاسم العربيّ المسلم، الذي يكشفُ عنه الكاتبُ بعد أن تَبَيَّنَتْ حالةُ “زينب”التي تُقَلِّبُ محطات المذياع وهي في وضعٍ مُتَوَتِّرٍ، وبعصبيةٍ شديدة تُلقي بأوراقِ الجريدةِ على الأرض، ثم يبدو من بين كلماتها أحدُ أسباب عصبيتها الشديدة حين تردد كلمة (ممنوع)، وتختمها بأنه الحب، فإذا بالمشهد السياسي ينقلبُ إلى مشهدٍ عاطفيٍّ،تحضُرُنَا فيه موسيقا لحن وكلمات وأداء المطربة أم كلثوم مما يثيرُ حنينًا في نفسها، تذرفُ على أثره الدمعتين المُحمَّلَتَيْن بزفراتٍ خرجَتْ في تنهيداتٍ عميقة، أدَّتْ إلى أَنْ أرَّقَتْهَا حين ارتمَتْ على فِراشِهَا تنشدُ النومَ.فيختتمُ الكاتبُ المشهدَ بالتعليقِ عليه حيثُ يبدأُ مسارُ الحكي عن “زينب”.
وتتضحُ أسبابُ تبدُّلِ الاسم ومن ثَمَّ تبدُّل الديانة حين يصفُ الكاتبُ الشخصية بأنها يهوديةٌ مسلمة في إطارِ الشذوذ التاريخي للأحداثِ التي طالبَتْها بضرورةِ إخفاءِ اسمها، فحدثَ نوعٌ من امتزاجِ الشخصيةِ بالديانة يبررُ له الكاتبُ قائلًا: “… أي أن اليهودية ليست دينًا ولكنها شخصية، وهي شخصية تتغلبُ على أي شخصية أخرى يمكن أن ينتسبَ إليها اليهودي؛ فاليهوديُّ هو أولًا يهوديّ وبعد ذلك يمكن أن يكون أي شيء كأن يكون يهوديًّا فرنسيًّا أو يهوديًّا أمريكيًّا أو يهوديًّا روسيًّا، ومهما تنقَّلَ من جنسيةٍ إلى جنسية فهو أولًا يهوديّ…” وانطلاقًا من ذلك يؤصِّلُ الكاتبُ إلى شخصيةِ زينب باعتبارها المسلمة التي اعتنقت الإسلام فظلت على ما اصطبغت به بيهوديتها القَبْلِيَّة، وما حَمَلَتْه من صفاتٍ ما غادَرَتْها، وإن كانت تبالغُ في اتباعِ شعائر الإسلامِ وتقاليده وممارسة طقوسه. فـ “زينب” الآنَ في السبعينيات من القرن العشرين هي “لوسي” أو “لوسيان هنيدي” في الأربعينيات من ذات القرن، والتي تزوجها “زكي راؤول” وأنجبت منه ابنها وابنتها. نشأت في أسرةٍ متواضعةٍ في حي الظاهر لعائلةٍ يهوديةٍ، لم تتسمْ بما يُميِّزُها عن أفرادها إلا في طموحِها وسعيها الدؤوب وراء تغيير مستوى معيشتها الفقير بما تمتلكُهُ من جمالٍ أخَّاذٍ يجعلُهَا تتمردُ على وضعها بأن تعملَ في صالون تجميل يرتادُهُ رجالُ عِلْيَةِ الطبقات، حيثُ تُشبِعُ بعضًا من طموحاتِها في الاختلاطِ بأكابرِ العائلاتِ، بل وتحاولُ جاهدةً أن تتساوى بهم.
ويقارنُ الكاتبُ بين “لوسي” وأختها “ليزا” التي عكفت على الانغماسِ في طقوسِ اليهودية بتقديم بالغ الولاء والطاعة بارتياد المعابد والمواظبة على الصلاة، وأختها “لوسيان” أو “لوسي” بطلة الرواية التي تحوَّلَتْ إلى الإسلام فيما بعد؛ حيث تجرَّأَتْ “لوسي” على سرقة شال والدها الذي اعتز به وخصصه للصلاة، فهي لم تره شالًا مخصصًا لأداء العبادة أكثر منه شالًا ترتديه فوق قميصها، وهو ما يشيرُ إلى استهانتها بأداء والدها لتلك الطقوس. وامتدت المقارنات بينها وبين أفراد عائلتها حتى اتسعت لتشمل العقيدة ذاتها التي خالفَتْها “لوسي” برؤيتها لطقوس العبادة والصلاة المغايرة لهواها.فهي لا ترى أن اليهودَ عليهم أن يتركوا السبت لغيرهم ممن على غير دينهم ليعملوا فيه بل وليساعدوهم هم أنفسهم كيهود في أعمالهم الخاصة ويحصلوا على أجرٍ عليها، فما الشقاء الذي يفرضه عليك دينٌ حين تريدُ أن تضيء مصباحًا أو تغسل أطباقًا وصحونًا فتستدعي لهذه الأعمال البسيطة من يقوم بها ويسخر منك بل ويأخذ أجرًا لقاء القيام بها؟! ولهذا كانت ثورتها حين أضاءت مصابيح البيت وأعلنت لهم أنها ستعمل أعمال من يتقاضون هذه الأجور وتحصل هي عليها في المقابل بدلًا منهم. كذلك عادات الطعام التي خالفَتْها واتبعَتْ عادات أخرى حين وجدتها غير ملائمة تمامًا لحياتها، وكل هذا في إطارِ عدم اقتناعها بطقوسها الدينية التي تشددت العائلة في تنفيذها.
ومع تمردها على طقوس دينها واتباع عائلتها لها هي تنتمي لمجتمعها اليهودي، بل وتحرص على هذا الانتماء بما يجعلها تستشعر أن المجتمع من حولها بالكامل هو مجتمعٌ يهودي، ولا عجبَ إذ كان أقوى الكيانات بالفعل وقتذاك بسيطرته على رأس مال السوق، وبإصداره لصحيفة تخصه كمجتمعٍ مركزيٍّ داخل المجتمع المصري، وكانت أعداد كنائسه ومعابده اليهودية تقترب من ست وعشرين. ولكن هذا المجتمع كان لا يُطَبِّقُ فروضَهُ في جمع التبرعات إلا على فقرائه وهو ما جعل “لوسي” ترفض أن تُضَاهَى هي بفقر حالها بكبرى العائلات التي قد لا تشاركُ في دفع التبرعات. وقررت أن تساعدَ زوجها بالخروجِ إلى العمل لسد عجز إنفاقه على أسرتهما.
بخروجِ “لوسي” من المنزل إلى الصالون حيثُ تعمل تنتقلُ حياتُها نقلةً مختلفةً، فهي ليست عاملة في صالون الرجال فحسب، بل هي متطلعة إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فمضاهاتها ببنات العائلات الكبيرة للمجتمع اليهودي تستحق أن تصبر على مداعبات الرجال ومطامعهم فيها إلى أن تنال غرضها بمزيدٍ من الاجتهاد دون أن تدع لأحدٍ الفرصةَ كي ينال منها، فتدخل إلى عالم الأندية والملاهي التي يرتادُها كبار رجال الدولة. هنالك لا بد أن تظهر بمظهرٍ أنيق يختلفُ عن مظهرها المعتاد، فترتدي أبهى الثياب، وتتحلى بالغالي من الجواهر، وقد ضاقت اليدُ إلا أنها تستطيعُ أن تحيِّكَ لنفسها ملابسَ تتظاهر بها أمام الحسناوات من النساء أنها مثلهن ولا تقل عنهن في شيء، بل وتعتمدُ على حسنها بصفاتٍ جماليةٍ ربانية لا تحتاجُ في وجودها إلى أي مجوهرات تخطف عيون الآخرين عن جمالها. هنا يحدثُ الصدامُ بينها وبين نساء الطبقة المتعالية حين ينظرن إليها كأنهن يرمينها بحقيقتها كعاملة مانيكير في أحد الصالونات. لكن تجرؤ الرجال عليها بمحاولاتهم التقرب الجسدي وإلقاء معسول الكلام عليها خاصةً في وجود الخمر جعلها تنسحبُ بذكاء حيلتها وتتعامل بأرستقراطيةٍ شديدة لدى انصرافها من نادي السيارات.
الحيلةُ ذاتُها جعلتها تحصل على شقة جاردن سيتي من الـ(بِك) فلاح الأصل الذي اعتاد تقليم أظافره في الصالون. فقد كان لجمالها المُحرِّك للقروي الذي كان كزائر القاهرة لأول مرة يريد أن ينال منها، ولكنها استعصت عليه وأبت إلا أن تحصل على عقد شقة جاردن سيتي قبل أن تُمَنِّيهِ بنفسِها. وحصلت على عقد الشقة بمزيدٍ من المداعبات دون أن تسلم إليه جسدها، فقط ما كان منها إلَّا أن استسلمت لمجاراته بملء أذنيه بالوعود والأمنيات وكأنها عروسٌ تتمنَّعُ على زوج المستقبل، إلى أن فوجئ الـ (بِك)باحتلالها هي وعائلتها الشقة بعد أن أثثها لها. وهنا مرورها بجوار الكنس اليهودي جعلها تتهم الحاخامات بالبلاهة التي تغلَّبَتْ هي عليها بعقلها الذي وهبه إليها الرب لتفكر وتحصل على الشقة التي تمنتها دون أن تقيم طقوسًا فارغةً لا طائلَ من ورائها. وهكذا تساوت “لوسي”: بسيدات الحي الراقي من كبرى عائلات اليهود. ولم يعد يطمع فيها الفلاحُ الثري إذ أصبح ما يكفيه منها ومن عائلتها الصغيرة جلسات يقضيها بصحبتهم يُشبِعُ فيها نهمه للحديث والثرثرة. ويختتم الكاتبُ الفصلَ بغلق ملف حياة “لوسي” في بدايتها في الأربعينيات من القرن الماضي. ويُومئُ إلى ما ستكون عليه حياتها بعد لقاء “شوكت بك ذو الفقار” الذي سيكون له دورُه في تغيير اسمها.
انتهى أحد مطامح “لوسي” في الارتقاء إلى مصاف كبرى عائلات اليهود بالسكن في الحي الراقي، ودخلت “لوسي” إلى عالمٍ جديد تريدُ فيه أن تبلغَ مطمحًا أكبر بالانتسابِ إلى عائلةٍ راقية، وها هو الشاب رفيع المستوى “شوكت ذو الفقار” الذي لمحت في نظرته لها ترقِّيًا من نوع خاص في المعاملة غير الذي اعتادتْهُ من غيره من الرجال الطامعين فيها في الصالون. هو إنسانٌ مهذب مهندم يبدو من جسمه الممشوق أنه يعتني بحاله، وربما كان يمارس إحدى الرياضات التي يمارسها أبناءُ الطبقة العليا. عمره الخمسون، ولهذا العمر سحره الخاص حين ترغبه سيدة كـ “لوسي” فتقترب منه بحديثٍ تتمحك فيه به بالسؤال عن اهتمامه بالخيل،وتستدرجُهُ برفض البقشيش حتى تعتاد أصابعه على تقليمها. إن ورقة البنكنوت لا قيمةَ لها إذا ما أرادت الحسناء المتطلعة إلى كسب المزيد بالبحث عن المبهر دائمًا؛ أن تترفَّعَ عنها كمقامرةٍ بها لتُحرزَ هدفًا جديدًا من مراميها.ويعودُ “شوكت بك”إلى الصالون، وهذه المرة يدعوها لتزوره لترى خيوله. وتدخلُ “لوسي” إلى قصره الريفي في حديقةٍ تحفها الأشجار، وتستمعُ إلى حكاياته عن الخيل إلى أن يروي لها عن زوجته المريضة، وعن حتمية موتها في أي لحظة، ويطلبُ منها أن تترك عملها بالصالون. من هذا الطلب الغالي تستطيع “لوسي” أن تستغل علاقة الصداقة التي طلبها “شوكت بك” منها، وتذهب إلى منزله فقط عند إدارة هذه العلاقة، ولا تريدُه أن يعرفها كعاملة مانيكير في الصالون حتى وإن طلبها لتقليم أظافره، فهي الحسناء التي تريدُ أن تشعر أنها مطلوبة، وليست عاملة المانيكير التي تشعر بالدونية مع رجلٍ كـ “شوكت بك”.
تطورت العلاقة بين “شوكت بك” و”لوسي”، وتركت عاملة المانيكير الصالون لتصبحَ سيدة القصر الريفي، وتعد له العدة، فتغير أثاثاته، وتعمل مع ناظر العزبة وتتعامل مع الخولي، وتدير اسطبلات الخيل، وتقريبًا تستحوذ على كل ممتلكات “شوكت بك” في يمينها، ولا يندهشُ زوجُها ويستعجب، فتركها العمل في الصالون ليس بالأمر المُلغِز، فالسوق مفتوحة والأعمال كثيرة، والأهم أنها توفر لبيتها ما لا يستطيع هو توفيره من مالٍ ومستلزمات. والأمرُ يتنامى بين “لوسي” و”شوكت بك”، وتمنُّعها عليه هذه المرة لذكائها لكي تصلَ إلى ما هو أبعد من أن يغدقَ عليها بماله، حتى وإن كان “شوكت بك” يحاول استرضاءها بأي وسيلة، هي لا تريدُ منه أن يشعرها أن العلاقة بينهما علاقة رجلٍ يغدق أمواله على امرأةٍ يستطيع تقبيلها، وربما يتطور معه الأمر إلى أبعد من ذلك، لكنها استطاعت بمنتهى الذكاء في العلاقة أن تجعله لا يستغني عنها في إدارة شأنه المنزلي والحياتي في غياب دور الزوجة المريضة التي يدعو لها أبناؤها بالموت راحةً من لعنة المرض. إن “شوكت بك” ليس كـ “عبد الرحمن بك”، فهو نوعٌ مختلفٌ جاد ومتحفظ ومهذب، وهو ما جعله يعرض عليها الزواج بصورةٍ مختلفة. ومع قليلٍ من التنازلات الجسدية التي بدأت بالتقبيل، وانتهت بأن أسلمت “لوسي” لـ “شوكت بك” نفسها بالكامل استطاعت أن تحصل من بين شفتيه على كلمة الرغبة التامة في أن تنتهي هذه العلاقة بالزواج، ولكن الأمر ليس باليسير الهين في وجود علاقة زواجها الأول بـ “زكي”، وكذا في انتسابها إلى دينٍ غير دينه. وعلى الرغم من أنه قد بارك فكرةَ زواجِهِمَا دون أن تُغَيِّرَ هي دينَها، فإنها أصرت أن تُغَيِّرَ دينَهَا على الأقل لكي تضمن إرثه بعد وفاته، ولكنها الآن تفكر في أبنائها أو بالأحرى هو يفكر لها في أبنائها كيف سينتقلون للعيش معها بعد انفصالها عن زوجها اليهودي.
أما في محيطها العائلي، فـ “لوسي” تنهرُ العامل الذي يجمع التبرعات للوكالة اليهودية في فلسطين، في وجود “ليزا” التي تعده بإغداقِ المزيد من الأموال عليه في المرة القادمة، وتحاول الاعتذار إلى العامل بصورةٍ لائقة.
لم تكن “لوسي” غبية حين طلبت من “زكي” الطلاق، فهي تعرف كم يبلغ حبها من قلبه، إلا أنها لا تريدُ إلا الصالح لها ولعائلتها، لذلك أعلنتها له تدريجيًّا بعد جلسةٍ عائلية تطلب منه الطلاق فيها. هنا اشتعل الرجل جنونًا حين ظنها تداعبه وتمازحه، إلا أنها حاولت أن تشرح له الأمرَ. “لوسي” مدللة زوجها الذي لا يرفض لها طلبًا لتعلقه بها كان حبه الآن عاصفةً توشكُ أن تطيح بها حين علم أنها سوف تذهب لغيره من الرجال، حتى وإن كان في الأمر الصالح لها ولعائلتها. اشتد بـ “زكي” الغضب فصفعها، وكان هذا بداية لتركها المنزل لتعيد صياغة علاقاتها الزواجية مع من تريد.
استقرت “لوسي” بعيدًا عن منزلها لأيام أحضرت لها فيها ابنتها الكبرى “ياسمين” مصاغها وملابسها في بيت إحدى صديقاتها، إلى أن استطاعت “لوسي” أن تتواصل مع “شوكت بك” لتلقي عليه بأمر تطور العلاقة بينها وبين زوجها الذي لم تعد تطيق منه الآن معاشرةً. وحتى لا تشعر أنها ستكون في علاقة على حافة التأنيب لضمير “شوكت بك” حين يقرر الزواجَ بها بعد طلاقها أصبحت تشوِّه من علاقتها مع زوجها اليهودي كي يبغضه “شوكت بك” ويرى زواجه بها إنقاذًا لها من براثن شخصيةٍ متوحشةٍ مثله. ومع إصرار الزوج “زكي” على عدم الطلاق تلجأ “لوسي” إلى حيلةِ تغيير الديانة إرضاءً لحبيبها الجديد، وعملًا بمبدأ المصالحة والمصلحة في آنٍ واحد، فالقصصُ كثيرة في ارتباط المسلمين باليهوديات، ويختارُ “شوكت بك” لـ “لوسي” اسمها الجديد الذي تتسمى بهِ تَيَمُّنًا باسم والدته، وحين أرادها “شوكت بك” أن تنتسب لعائلته اسمًا وتحصل على لقب “زينب ذو الفقار” رفضت وتمسكت باسمها كـ “زينب هنيدي”.
شعور “زينب” الحقيقي تجاه تركها يهوديتها واستسلامها للإسلام كحلٍ لقضاء مصالحها لم يكن مستغربًا، فهي اليهودية التي جالت بلبها كل أحاديث عائلتها وتسامرهم، وتاريخ اليهود الذي يرويه الأبُ، وغير ذلك من مظاهر جعلها تبكي حتى استقلت سيارة ذهبت بها في طريق البنسيون الذي سكنته قبل انتقالها لفيللا “شوكت بك” بالمنصورية. وفي الطريق تبكي أمام المعبد يهوديتها حتى تفاجأ في اليوم التالي أن زوجها وابنها وابنتها قد تحولوا جميعًا إلى الإسلام. وهكذا يتضاءل حلمُها في أن تكون لـ “شوكت” زوجة، فالقانون الذي ستلجأ إليه لتحصل على طلاقها لن يطلق مسلمةً من مسلم. وتقرر “زينب” الانعزال في شقةٍ جديدة بحي الزمالك استأجرها لها “شوكت بك” ليصبح اسمها “زينب هانم” معروفًا بين جيرانها، لكن يهوديتها لا تخفى عليهم من مواقفها وتصرفاتها معهم. نبوية الخادمة الجديدة تصحبها معها إلى السيدة زينب والحسين للصلاة والزيارة وهي تحاول أن تتعود قراءة الفاتحة هناك، لكن قيودها كيهودية تحتم عليها أن تتخفى إلا أن ظاهرها يكشفها للناس. وفي ظل تلك الأحداث لا تتركها “ياسمين” ابنتها إلا وتزورها لتبثها كل تفاصيل حياتها وأخيها وأبيها. وتمر الأيام وهو ينتظر وفاة زوجته المريضة، وهي تنتظرُ أمر طلاقها، ويكون بحسابها البنكي ما لها الحق في إنفاقه، وتتسيَّدُ هي على مزرعته واسطبله وقصره وتدير أمور بيته، وتأتي اللحظة التي ينتظرها الجميع، فتموتُ زوجة “شوكت بك” فتسمعه “زينب” يبكيها وتردد “زينب” عليه عبارة منتظرَة تقول له فيها أنها استراحت، وفي نفسها أنها هي التي استراحت من الانتظار معه لوفاة الزوجة. وانتظرته “زينب” في المنصورية حيث وجَّهَ إليها نظراته وكأنه يتهمها هي بقتل زوجته، إلا أنها أراحته وأرقدته في فراشه وأعطته نفسها ليصيرا منذ هذه اللحظة متعاشرين كزوجين بلا زواج.
وبعد فترة من معاشرته “زينب” كانت مفاجأتها التي أعدتها له بأنها تحملُ منهُ جنينًا، لا تريدُ التخلص منه، وهو على قدر فرحه في البداية وارتباكه يصارحها أنهما لم يصيرا زوجين بعد، ولكنها بقليلٍ من المداعبات بينها وبينه تحصل على مباركته لهذا الحمل منه، بل ويصر بنفسه أن ينهي الأمرَ باستدعاءِ محاميه. ويذهب المحاميلمفاوضة “زكي” المتعنت في السابق والرافض لطلاق زوجته، إلا أن سحر المال ينجزُ ما كان من وعدٍ بالطلاقِ، فيتحقق المستحيلُ سابقًا ويصيرُ إنجازًا مصيريًّا ليسعد به “زكي” أسرته بابنه وابنته، وليسعد زوجته اليهودية التي اقترن الآن اسمها بعائلة كبيرة كعائلة “ذو الفقار”، وحصل “زكي” على مبلغ خمسة آلاف جنيه ليتم الطلاق بسهولة، لكن ما أثار حفيظة “لوسي” أو “زينب” أن “زكي” بعد حصوله على مبلغ صفقة إتمام الطلاق أسرعَ يتزوج من “راشيل” صديقتها اليهودية، وقتها شعرت بالقلق وازدادت مخاوفها تجاه ابنها وابنتها، فـ “راشيل” لم تكن المرأة التي تُشرِّف عائلتها كما أرادت هي الانتساب إلى عائلة مشرفة كعائلة “شوكت بك”.
انتقلت حياةُ “لوسي” أو “زينب” إلى المجتمع الراقي لتزاحم سيدات المجتمعات والعائلات اليهودية الكبرى، والجميع يحسدها على ذكائها وعبقريتها في النجاح والتسلل إلى مصاف العائلات. وتظل علاقة احترام أبناء “شوكت بك” بها كزوجة أبيهم؛ إذ لا يؤثر وجودها بينهم على حياة أيٍّ منهم. وعلى الرغم من اعتزازها باطنًا بيهوديتها، فإنها أخذت تبتعد رويدًا رويدًا عن مجتمعات عائلات اليهود، وأخذت تندس بين عائلات المسلمين الكبرى التي لا تتقبلها كيهودية سابقًا. لكن ابنتها “ياسمين” التي ورثت عنها حسنها وفتنتها للشباب أصبحت أملَ شباب نادي الجزيرة الذين تمر من بينهم فيسقطون صرعى متلهفين لوصالها. ومع الحسن أيضًا ورثت “ياسمين” ذكاء أمها فهي لا تفرط في نفسها بسهولة، بل تريد أن تبدو أمام الجميع صعبة المنال. وبقاؤها ملازمةً لوالدتها هو ما يجعلها تنتسب إلى عائلة “شوكت بك” فإن لم تكن ابنته فهي على الأقل ابنة زوجته، وهو شرفٌ رفيعٌ يزيدها استعلاء.
وعندما وضعت “لوسي” أو “زينب” مولودتها أرادَ “شوكت بك” أن يسميها جُلفدان تيمنًا باسم جدته‘ إلا أن “زينب” أصرت على تسميتها “هاجر” وهنا نجدها قد اجتازت للمرة الثانية تمسحًا بالمسلمين وبالإسلامِ حاجزًا أكبر ليصبح الاسمُ المشترك في كل الديانات. وتعتصرُ “ياسمين” الغيرة من أختها، وفي اعترافِ والدتهما لها بأن هاجر على ديانة أمها مثلها منتهى التشبث بيهوديتها، وربما كان هذا باعثًا لأن تسخر “ياسمين” من كون هاجر ابنة حرام حيثُ وُلِدَت لغير أبٍ يهوديٍّ من أمٍ مازالت تتكتم على يهوديتها أمام الجميع.
وعلى الرغم من أن “لوسي” قد قدَّمَتْ أمامَ الجميع فروضَ ولائها للإسلام، فإن يهوديتها لن تنمحي عنها، وستظلُ في أعماقها تصلي من أجل الاجتماع في أرضِ الميعاد “أورشليم”، وترتاعُ لحربٍ اندلعت بين المسلمين المصريين واليهود في عام ألفٍ وتسعمائة وثمانية وأربعين. ويتدخَّلُ الكاتب “إحسان عبد القدوس” ليضعَ الفقرة السردية المفتاحية للرواية قائلًا: “… إنها لا تريدُ قتل مصري واحد.. لماذا نقتلُ المصريين كما أنها لا تريد أن يقتل يهودي واحد .. لماذا يقتلون اليهود .. لماذا لا يتم كل شيء بالكلمة الحلوة كما جمعنا دائمًا في مصر الكلام الحلو .. لماذا لا يتفقون بالكلام الحلو على أن تعود أرضُ الميعاد إلى أصحابها.” والكاتبُ هنا في سردِهِ لمكنوناتِ نَفسِ “لوسي” اليهودية المتطلعة المتمسحة في المسلمين وعائلات اليهود تريدُ أن تجمعَ الدنيا كلها بأقواتها لديها؛يريدُ أن يوضح لنا ما تُكِنُّهُ كُلُّ نفسٍ يهوديةٍ للمجتمع المسلم المصري، فاليهوديُّ لا يريدُ إلا أن تكونَ الأرضُ له، ويسعى بوسائلَ شتى أن يسيطرَ عليها، ولا يريدُ أن يضحي بقطرةِ دمٍ واحدةٍ من أجلها، فهو حقٌّ مكتسبٌ للعيشِ كما يراه، فالعقيدةُ اليهودية ترسخُ لهذا الرأي، ولا ينبغي أن يحيد اليهودُ عنها، وهنا إلماحاتُ الكاتب تظهرُ بإيضاحٍ شديدٍ لرأيه في قضية السلام وما وراء هذه القضية من أبعادٍ خطيرة. وهذا هو ما أكده الكاتبُ في موقفِ “لوسي” أو “زينب” من سفر ابنها ليشاركَ في الحرب حين جاءتها صديقتُها تخبرها بهذه الرغبة لديه، وتشيرُ صديقتها بكل فخرٍ أنها منعت ابنها وأقنعته بعدم السفر والحرب.
وتتوجه “لوسي” بدافع الأمومة إلى بيت زوجها السابق “زكي” لتفتح لها “راشيل” وتسألها عن ولدها، فيأتيها وينفي عنه الإسلام، كما يؤكد على أحقيته في أمه اليهودية وكينونته وكينونة آبائه وأجداده، وتقنعه “لوسي” بالحيلة أن ينحي عن رأسه فكرة الانضمام إلى مقاتلي اليهود هناك، ثم تنصرف وهي منتصرة.
يتبع

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة