القرآن الكريم بين هجر العرب وجهل الغرب..!! بقلم : د.عبد الوهاب القرش

دراسات ….
بقلم : د. عبد الوهاب القرش – مصر ..
لقد وصل الغرب بالتعقل إلى النجاح فى الدنيا ، فدخل بالعالم معه إلى مخترعات تتوالى وتقترب من الخيال ، جعلت الحياة أكثر سهولة . وصل الغرب بهذا بفطرته دون أن يعرف القرآن ، بل دون أن يعترف بالقرآن ، لأن معرفته بالقرآن هى من خلال الترجمات ، وهذه الترجمات تعكس تحريف المستشرقين وجهل المترجمين المسلمين للقرآن الكريم . أى عرف الغرب الاسلام والقرآن من خلال فساد المستشرقين والمترجمين ، ومن خلال جرائم أصحاب الفكر الديني المتعصب و المنغلق ، الذين إتخذوا القرآن مهجوراً ، فهم الذين خسروا الدنيا والآخرة ، بينما نجح الغرب فى الدنيا ولكنه يخسر الآخرة . ونحن نتكلم عن الأغلبية وليس على العموم . ونتكلم بالتحديد عن آيات أو إعجازات القرآن العلمية ، ماذا لو عرفها الغرب منذ النهضة الأوربية ؟ أكيد سيختلف تاريخ العالم إلى الأفضل .
دون أى إحساس بالخجل أو العار يهلل كثير من الفقهاء والعلماء المسلمين لبعض المكتشفات الغربية والتى تبدو لها إشارات فى القرآن الكريم ، فترتفع عقيرتهم بأن القرآن الكريم سبق الحضارة الحديثة . لم يتعقل أحدهم ويتساءل : إذا كان هذا موجوداً فى القرآن ، وهو معهم من 14 قرناً ونيف فلماذا لم يكونوا أول من يكتشف هذا الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم ؟!
إن المسئولية تقع على أصحاب الفكر الديني المنغلق من الفقهاء و العلماء المسلمين الذين إتخذوا القرآن مهجوراً ، الذين أجهضوا الحركة العلمية الإسلامية التى تزعمها ابن سينا والفارابى والبيرونى والرازى والخوارزمى وجابر بن حيان ..وغيرهم .. وهذا يذكرنا بقول الله سبحانه وتعالى يخاطب العرب فى إنزاله القرآن باللسان العربى : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(يوسف:2) {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(الزخرف:3) . وهم لم يتعقلوه ، بل فرضوا عليه خرافاتهم في تفاسيرهم ، وقاموا بإلغاء أحكامه بما يسمى بالنسخ . وإنشغلوا بخلافاتهم المذهبية بينما إستيقظ الغرب وتحرر من سكرة دينه الأرضى فانطلق يسير فى الأرض ويكتشف آلاء الله جل وعلا فى الخلق ، فدخل بالبشرية فى مرحلة الاختراعات والتطور التكنولوجى الذى يتزايد كل يوم ، وتتضخم به معلوماتنا عن هذا الكوكب الأرضى والفضاء الخارجى ، بل وأصبح يطرق ما أسموه بالعالم الموازى ـ أو البرزخ .
الحق نقول: لو عرف علماء النهضة الأوروبية وروّاد الاختراع فيها القرآن الكريم لوفروا قروناً على البشرية ولتنتعمت البشرية بهذا التقدم العلمى من قرون مضت . ومع هذا ـ وحتى الآن ـ فلا تزال الفرصة باقية للعلماء الغرب لكى يختصروا الكثير ويخترعوا الكثير ويفسروا الكثير من المعميات المعاصرة لو إتّجهوا إلى القرآن (العربى) وليس ترجماته البائسة . ولكنهم عن القرآن الكريم غافلون . إن الله جل وعلا يقول عن ( علم ) أولئك الغافلين:{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(الروم:7).
لو اتبعت الإنسانية المنهج العلمى القرآنى بديلا عن المنهج اليونانى- الذي يقوم على إهمال التجربة العلمية – لحدث هذا التقدم العلمى الحالى من أكثر من عشرة قرون . الذى حدث أن بعض علماء المسلمين فى عصر المأمون والواثق أتبعوا المنهج التجريبى ، وتفرّد الرازى ـ أعظم أطباء العصور الوسطى ـ بهذا المنهج ، ولكن أصحاب الفكر الديني المنغلق أسقطوا هذه الحركة العلمية ، ثم ساد بعدهم التصوف فقضى نهائياً على العلم الحقيقى ، فى الوقت الذى بدأت فيه النهضة الأوربية معتمدة على جهد علماء المسلمين فى عصرهم الذهبى ، وبالغرب دخل العالم فى عصر التقدم العلمى ومخترعاته وتطبيقاته التكنولوجية التى ننعم بها الآن ، والتى تتطور وتتقدم بما يعجز الخيال عن تصوره فى المستقبل.
لقد لفت القرآن الكريم نظر المسلمين إلى الطبيعة، ودعاهم للكشف عن أسرارها عن طريق الاختبار والتجريب باستخدام العقل والحواس؛ موضحاً أن الطبيعة مسخرة للإنسان الذي من واجبه التعرف على قوانينها للإفادة من هذا التسخير، ومن ثم الحصول على القوة اللازمة لإعلاء شأن العقيدة (الإيمان بما ذكره الله جل وعلا فى القرآن فقط ومنع الخوض فيه ، ومنع التقول فى الغيب عموماً).
ولم يقتصر جهد علماء المسلمين على اكتشاف منهج البحث التجريبي وتطبيقه في نطاق العلوم الطبيعية والرياضية، بل وضعوا مناهج أخرى للبحث في العلوم الشرعية والاجتماعية، فكان لعلماء أصول الفقه منهج متميز يقوم على الاستقراء والاستدلال معاً، يتعاملون وفقه مع النصوص الشرعية مجتهدين للوصول إلى الأحكام المتنوعة للمشاكل المتجددة؛ وهو منهج فريد في دقته وشموله..كما كان لعلماء الحديث منهج للتعامل مع الرواية الحديثية سنداً ومتناً، تلتقي به معظم منجزات منهج البحت التاريخي الغربي، مما يدل على تأثرها به، خاصة وأن المحدثين سبقوا في منهجهم بـ (علوم الحديث) منهج البحث التاريخي الغربي، بما يزيد على عشرة قرون.
إن من أبرز عوامل تخلف المسلمين في العصور المتأخرة من تاريخهم: تخليهم عن مناهج البحث العلمي التي يعتبرون رواداً في ميادينها؛ لكنهم لم يقطفوا ثمراتها كاملة حيث أسلموها للغرب ليقتطفها.
وبعد فلا بد من قراءة جديدة متأملة لقوله تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}(الإسراء:36)، وفي ضوء قول النبي صلى الله عليه وسلم:”من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع”(أخرجه الترمذي).
ولابد بعد ذلك من إلقاء الضوء على الجهد المقابل الذي بذله علماء الغرب في تطوير ما اقتبسوه من المسلمين من مناهج البحث العلمي التجريبية والاجتماعية، وما أحاط بمنهج البحث الغربي من المؤثرات الحضارية والفكرية والتأريخية، مما أدَّى إلى انحارفه في التطبيق عن (الموضوعية) خاصة في دراسة (تراث الإسلام)..بالإضافة إلى انحرافه عن الأصل الإسلامي المقتبس بسبب المؤثرات الفكرية المتصلة بالفلسفات المادية، وإنكار الألوهية والنبوة والوحي والروح، وكل ما لا يقع تحت دائرة الحس؛ وهو انحراف خطير جرَّ إلى تحديد مصادر المعرفة بصورة ضيقة.
وقد يتصور بعضهم أن إنكار عالم الغيب هو سبب تفوق المنهج الغربي وتقدم العلوم والمدنية عند الغربيين، ولكن النظرة الفاحصة ستوضح أن التزام المنهج الغربي بطريقة الاستقراء التي اتبعها العلماء المسلمون وتخليهم عن منهج الاستنباط والقياس اليوناني هو سبب ازدهار الحركة العلمية في الغرب؛ خاصة في مجال العلوم الطبيعية والرياضيات وتطبيقاتها العملية.
د.عبدالوهاب القرش
باحث في العلوم الإسلامية

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة