الإنسان فن الثورة على المعاني – بقلم : حسن عجمي – لبنان

دراسات ….
حسن عجمي – كاتب لبناني …
يخلقُ الإنسانُ المعاني و من ثمَّ يثور عليها لكي يخلق معان ٍ جديدة باستمرار. فتاريخ الإنسان تاريخ إنتاج المعاني والثورة المستمرة على ما أنتج من معان ٍ ما يضمن تطوّر الإنسان بِتطوّر معانيه. هكذا الإنسان فن الثورة على المعاني ما يضمن تحرّره من المعاني الماضوية فيضمن إنسانيته. فلا إنسانٌ بلا ثورة و لا ثورة بلا خلق معان ٍ جديدة. لا ثورةٌ بلا خلق و لا خلقٌ بلا ثورة.

إن كان الإنسان فن الثورة على المعاني و علماً بأنه من غير الممكن أن يثور على المعاني من دون تفعيل العقل و بناء نماذج فكرية جديدة على ضوئها يثور على المعاني فحينئذٍ تحليل الإنسان على أنه فن الثورة على المعاني يتضمن أنَّ الإنسان كائن عاقل مالك للعقل و يتصرّف على أساس ما يمليه عليه عقله. من هنا تحليل الإنسان على أنه فن الثورة على المعاني ينجح في التعبير عن أنَّ الإنسان كائن عاقل. فمن المطلوب من أي تحليل أن ينجح في التعبير عن صفات الحقيقة أو الظاهرة التي يُحلّلها. و تحليل الإنسان على أنه فن الثورة على المعاني ينجح في التعبير عن صفات الإنسان كصفة أنه العاقل ما يدلّ على صدق هذا التحليل.
كما لا يثور الفرد بلا دعوة الآخرين إلى أن يثوروا على نمط ثورته. و لا دعوة إلى الثورة بلا خطاب يدعو إليها ما يستلزم امتلاك الإنسان للغة تسمح له في أن يدعو إلى الثورة على المعاني. من هنا تحليل الإنسان على أنه فن الثورة على المعاني يتضمن أنَّ الإنسان مالك للغة. و بذلك ينجح هذا التحليل في التعبير عن صفة أساسية للإنسان ألا و هي أنه مالك اللغة تماماً كما هو مالك للعقل ما يشير إلى مصداقية هذا التحليل. و لا يثور أي فرد بلا أن يدعو الآخرين إلى الثورة ما يستلزم التفاعل الاجتماعي مع الآخرين. و بذلك تحليل الإنسان على أنه فن الثورة على المعاني يتضمن أنَّ الإنسان كائن اجتماعي ما يجعل هذا التحليل ناجحاً أيضاً في التعبير عن صفة جوهرية للإنسان ألا و هي أنه كائن اجتماعي.
إن كان الإنسان فن الثورة على المعاني و علماً بأنه لا تتحقق أية ثورة بلا أن يكون الإنسان حُرّاً في أن يثور فحينئذٍ لا يتحقق الإنسان (على أنه فن الثورة على المعاني) بلا أن يكون حُرّاً. على هذا الأساس تحليل الإنسان على أنه فن الثورة على المعاني يتضمن أنَّ الإنسان في جوهره كائن حُرّ و بلا حريته يخسر إنسانيته. هكذا ينجح هذا التحليل للإنسان في التعبير عن أنَّ الإنسان حُرّ بطبيعته و ماهيته تماماً كما ينجح في التعبير عن أنَّ الإنسان هو العاقل و الاجتماعي و مالك اللغة و تعابيرها. و هذا النجاح في التعبير عن الصفات الأساسية للإنسان دلالة على صدق تحليل الإنسان على أنه فن الثورة على المعاني.
لا يتضمن هذا التحليل الفلسفي للإنسان صفة الحرية فقط بل يضمنها أيضاً. فبما أنَّ الإنسان فن الثورة على المعاني , إذن لا يتحقق الإنسان و لا تتحقق إنسانيته سوى بالثورة على المعاني (التي سادت في الماضي و تَسُود في الحاضر) ما يضمن تحرّر الإنسان من المعاني الماضوية بِجعل الإنسان خالقاً لمعان ٍ جديدة مستقبلية. فإن وُجِدَ الإنسان وُجِدَت ثورته على المعاني فوُجِدَت حريته لأنَّ الإنسان ليس سوى ثورات على المعاني ما يضمن حريته بالضرورة. هكذا تحليل الإنسان على أنه فن الثورة على المعاني يضمن حرية الإنسان فبِلا ثورات على المعاني السائدة و الماضوية لا تتحقق الحرية تماماً كما لا يتحقق الإنسان. و بما أنَّ الإنسان فنون الثورات على المعاني , و الثورات على المعاني تؤدي لا محالة إلى التطوّر من خلال إنتاج معان ٍ جديدة , إذن هذا التحليل للإنسان يضمن التطوّر المستمر للإنسان و حضارته. من هنا ينجح هذا التحليل في ضمان التطوّر تماماً كما ينجح في ضمان الحرية. و في هذا فضائل معرفية و سلوكية متعدّدة ما يدلّ على صدق ومقبولية تحليل الإنسان على أنه فنون الثورات على المعاني.
أما الحرية فهي فن تغيير المعاني و تطويرها ما يجعلها تكتسب الفضائل السابقة نفسها. فبما أنَّ الحرية فنون تغيير المعاني و تطويرها , إذن الحرية الحقة تضمن التطوّر بتطوّر المعاني كما تضمن التحرّر من المعاني الماضوية و المُحدَّدة مُسبَقاً بفضل تغيير المعاني و انتاج معان ٍ جديدة. و بذلك يكتسب هذا التحليل للحرية على أنها فن تغيير و تطوير المعاني فضيلة التحرّر من المعاني الماضوية و فضيلة ضمان التطوّر ما يشير بقوة إلى نجاح هذا التحليل فصدقه. إن كانت الحرية مجرّد فعل ما نريد على ضوء معتقداتنا و رغباتنا فحينئذٍ حريتنا هذه لا تضمن التحرّر من الماضي و لا تضمن التطوّر لأنَّ رغباتنا و معتقداتنا هي عادةً من صناعة الماضي. لذلك تحليل الحرية على أنها فنون تطوير المعاني و تغييرها هو التحليل الأفضل لكونه يضمن التطوّر و التحرّر الحق معاً. إذا كان الإنسان فنون الثورات على المعاني و علماً بأنه لا ثورات بلا تغيير المعاني و تطويرها أي لا ثورات بلا حرية, إذن لا إنسان بلا حرية. هكذا أيضاً ينجح هذا المذهب الفلسفي في ربط الإنسان بالحرية فتصبح الحرية جزءاً جوهرياً من ماهية الوجود الإنساني.
تتعدّد الأمثلة على صدق أنَّ الإنسان فن الثورات على المعاني. من تلك الأمثلة أنَّ الإنسان قد ثار على معنى مفهوم العدالة على أنها مجرّد سيادة الانسجام في المجتمع و اتصاف المجتمع بالاستقرار فأنشأ معنى آخر للعدالة على أنها احترام حرية كل فرد في التفكير و التصرّف كيفما يشاء. و من ثمَّ ثار أيضاً على هذا المعنى للعدالة و بنى العدالة على أنها الحرية و المساواة معاً. هكذا تاريخ الإنسان تاريخ الثورات على المعاني كالثورات على المعاني الماضوية للعدالة والثورات على معاني العبودية والاستعمار والفقر والثورات على معاني الجهل (كالثورة على الاعتقاد بلا دليل علمي). و بفضل هذه الثورات على المعاني تطوّر الإنسان و تطوّرت حضارته و ازدادت حريته فاكتسب إنسانية أعلى مما كان يمتلك.
مثلٌ آخر هو أنَّ الإنسان يثور على المعاني العلمية و الفكرية باستمرار كثورته على معنى أنَّ القوانين الطبيعية حتمية كما جاءت في نظرية نيوتن العلمية و بناء معنى جديد للقوانين الطبيعية على أنها احتمالية و ليست حتمية كما جاء ذلك في نظرية ميكانيكا الكمّ العلمية. مثلٌ آخر ثورة الإنسان على معنى الزمن على أنه مطلق و ليس نسبياً كما وَرَدَ ذلك في نظرية نيوتن العلمية و صياغة معنى جديد للزمن على أنه نسبي و ليس مطلقاً كما في نظرية النسبية لأينشتاين. من هنا تاريخ الإنسان ليس سوى تاريخ الثورات على المعنى ما يؤكِّد على أنَّ الإنسان فن الثورة على المعاني. لا إنسانٌ بلا معان ٍ يكتشفها أو يخترعها أو يثور عليها. لا ثورةٌ بلا اكتشافٍ واختراع و لا اكتشافٌ واختراع بلا ثورة. إنسانٌ بلا ثورة شبهُ إنسان.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة