العودة إلى ذاكرة لا تبور.. يافا في عيون مثقفيها – بقلم : بكر السباتين

فلسطين – فن وثقافة ….
بقلم : بكر السباتين – فلسطين \ الاردن …
اتصلت بي الكاتبة الكندية ذات الأصول الفلسطينية نوال حلاوة أثناء وجودها في الإمارات العربية حيث كانت تشرف على طباعة آخر كتبها في دبي.. وأخبرتني بأنها ستهديني نسخة ورقية من روايتها المعروفة “الست زبيدة” طلبت منها إرسال نسخة (PDF) إلا أنها أصرت على أن تكون النسخة الورقية بين يديّ في غضون أسابيع أو أقل.. ولمحاسن الصدف أن الأستاذ خميس حداد، (كلية العلوم والسياسة- بغداد) العضو الإداري في جمعية المحبة اليافيّة الخيرية، كان متواجداً هناك في إحدى المناسبات، والتقت السيدة حلاوة به لتهدي الجمعية بعض كتبها، منها نسخة شخصية لي من روايتها “الست زبيدة” اليافيّة بامتياز.
لقد جمعنا حب يافا، تلك المدينة الفلسطينية المحتلة التي كانت تمثل درة المدن المتحضرة شرقيّ المتوسط، فالحديث عن يافا بات يلخص مضمون نكبة فلسطين، المدينة التي شهدت باكورة ثورات فلسطين المتعاقبة بعد وعد بلفور المشؤوم مروراً بثورة فلسطين الكبرى عام (1932- 1936) حتى تداعيات النكبة التي نعيشها.. كانت يافا مدينة الفن والثقافة والسلم الاجتماعي والوفاق الديني والصناعة والتجارة.. مدينة البرتقال حيث أصبح اسمها ماركة عالمية مسجلة، مدينة النضال التي ألجمت الحرية فيها وحولت بيوتها إلى أنقاض، وحصلت فيها مجازر كثيرة الشواهد، في أحياء المنشية والعجمي والنزهة والسكنات والقلعة وغيرها.. هذه المدينة العملاقة التي تحولت في ظل الاحتلال إلى بلدة صغيرة تتبع بلدية تل أبيب (تل الربيع).. وعادت يافا تستعيد تألقها في ذاكرة أبنائها اليوم من خلال الأفلام الوثائقية والأعمال الروائية، يافا التي بناها الفلسطينيون باقتدار قبل النكبة، حيث كانت فيها أضخم دور السينما وأرقاها في العالم مثل الحمراء بالإضافة لإذاعة الشرق الأدنى في العجمي.. يافا الصناعية التي تقيدت بالمواصفات العالمية بشهادة إنجليزية.. والتي أنتجت الصلب والمعادن ودخلت في عالم انتاج المركبات من خلال مصنع السروجي للباصات، وكان لديها خطط ومشاريع مستقبلية طموحة، ولكنها أجهضت بفعل الاحتلال الذي لم يبقي في عموم فلسطين إلا ذاكرة لا تبور. من هنا اجتمعنا على عشق يافا والكتابة عنها.. وفي هذا الشأن قالت نوال حلاوة الكثير إلى أن كتبت لي في آخر رسالة لها على الخاص يوم الأحد الموافق 24 نوفمبر 2019:
“سأطلب من الأخ خميس حداد ان يقدم لكم نسخته من روايتي (الست زبيدة) أهديت الجمعية اليافية عشرين نسخة” ثم أكملت: “كانت روايتي مناسبة جداً وممتعة لليافيين حيث عشت احتفائهم بها في مسرح السراي القسم العربي في مدينة يافا المحتلة العام الماضي.. يافا مدينة تستحق الخلود كبقية مدن وقرى فلسطين، أتمنى ان يصبح لدينا موسوعة روايات إنسانية بنصوص راقية وشامخة”.
وأكملت نوال حلاوة قائلة :
“ما ساعدني في الكتابة عن يافا انني اشتغلت مستشارة إعلامية مع شركة (ناشونال فيلم بورد أف كندا) للأفلام الوثائقية فور هجرتي إلى كندا، وأخذوني الى مسقط راسي الذي لم اتعرف عليه الا عندما حملت جواز سفر اجنبي ووقعت في هواها وبعد اكثر من عشرين عاما كتبت روايتي عنها”.
لقد لمست من حوار نوال حلاوة دمعة أكسبت العبارات عاطفة جياشة نابضة بالحنين، فارتجفت الحروف بالوجع الفلسطيني وأنين الذاكرة الفلسطينية النابضة بالحياة.
وكانت الصدفة وحدها تعيدنا إلى يافا حينما اتصل بي الشاعر والروائي محمد جميل خضر يوم السبت الموافق 7 ديسمبر 2019، وقال لي بأن في جعبته مفاجأة جميلة لي.
وخضر هو صاحب رواية “يافا.. بوينس آيرس.. يافا” التي صدرت في ديسمبر 2018 عن دار “جليس الزمان” للنشر والتوزيع في عمّان.
والرواية هي بمثابة إطلالة توثيقية على تاريخ هجرات العرب إلى بلاد القارة اللاتينية، وتبدأ في يافا إبان ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي لتصل ذروتها في بوينس آيرس، لتعود أخيراً إلى حيث نسجت أولى خيوطها في مدينة يافا.
والرواية هي الأولى لمؤلفها خضر بعد عدد من الإصدارات القصصية والمسرحية منها: كانون الثالث، طقوس الرخام، هاجر/ موت الأخت، وبرد.
وكانت المفاجأة جميلة بالفعل، حيث أخبرني بأنه موجود الآن في جمعية المحبة اليافية بمعية صديق يود الحديث معي، الاستاذ خميس حداد الذي دعاني لحضور الفعالية الأسبوعية في الجمعية، وكانوا يعرضون في حينها فلم “يافا أم الغريب” حيث تنداح دوائره المعرفية من خلال تجول عدسة التصوير في كل تفاصيل المدينة الثقافية والصناعية والاجتماعية والنضالية ما قبل نكبة عام 1948، وهو من إعداد وإخراج رائد دزدار.
وكان من الصعب عليّ الحضور على الفور لظروف قاهرة. وأخبرته بنيتي الحضور إلى مقر الجمعية بتاريخ هذا اليوم، السبت، الموافق 14 ديسمبر 2019 .
وبالمناسبة الأستاذ خميس حداد تعرفت عليه أول مرة في المؤتمر الذي نظمته «دارة آل أبو بكر للثقافة والعلوم والفنون» بالتعاون مع «نادي وادي السير الرياضي والثقافي» في ديسمبر 2016، وكان يحمل عنوان «على أبواب يافا»، الذي تناول الباحثون في طياته ثلاثة أعمال روائية تتحدث عن يافا: روايتي “صخرة نيرموندا” التي كتبتها عام 2019، ورواية ” يافا أم الغريب” للكاتبة المناضلة أسماء أبو عياش التي كتبت بأسلوب مشابه لنوال حلاوة في “الست زبيدة”، حيث تطرقت إلى معالم ما تبقى من الذاكرة اليافيّة من خلال أهم شخصياتها ممن تركوا بصماتهم على القضية الفلسطينية.. وأخيراً رواية “يافا.. بوينس آيرس.. يافا” للمبدع محمد جميل خضر.. وعقد المؤتمر بهدف إحياء الذاكرة الفلسطينية التي يحاول العدو وعملاؤه طمسها بشتى الوسائل الرخيصة، حيث كنت نائباً لرئيس المؤتمر ورئيس اللجنة التحضيرية.. وأثناء محاضرتي التي انغمست في تفاصيلها اليافيّة، كان الأستاذ خميس حداد ضمن الحضور، وأخذ يجادل في بعض التفاصيل التي كان يراها من زاويته كابن يافا السليبة، وأذكر أننا اختلفنا على حقيقة اسم مسجد يافا الكبير (المحمودية)، حيث أصر السيد حداد على أن اسم (أبو نبوت) لا يمت إلى الذاكرة الفلسطينية بصلة، فهو اسم طارئ، فاختلفت معه لأن اسم أبو نبوت والي يافا الذي بنيت الأسوار في عهده، من الأسماء التي أطلقت على هذا المسجد الذي شهدت ساحاته وساحة الساعة المجاورة تداعيات ثورة عام 1936.
اليوم موعدنا مع يافا من خلال الإبداع والذاكرة الحميمة في مقر جمعية المحبة اليافية بخلدا، الساعة 11 صباحاً، وسنلتقي هناك بالأستاذ خميس حداد.. وقد فاجأته بأنني في نفس الزمان والمكان، أنا على موعد آخر مع مبدعة عراقية يعرفها الأستاذ حداد.. حيث تخرج على يد زوجها د شمران حمادي استاذ النظم السياسي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بغداد عام 1968.. إنها الأستاذة مي شبر، وبمعيتها روايتها الجديدة.. وهي كاتبة تعشق يافا إلى درجة كبيرة، وقد هام بها الخيال حينما ذكرت لها مكان اللقاء المرتقب.. وقالت:” لي أصدقاء كثر من يافا التي أعشقها على رأسهم الكاتبة الفلسطينية روضة الهدهد”.
تخرجت الكاتبة العراقية مي شبر من جامعة بغداد من كلية الآداب لقسم الاجتماع، وهي أيضا كاتبة رواية (أتذكر) في جريدة البتراء بمدينة تورنتو في كندا، وتكتب مقالات اجتماعية في جريدة الغد وجريدة الرأي.
وفي جمعية المحبة اليافية كان يوماً معبقاً بنكهة برتقال يافا التي تمتلك ذاكرة لا تبور.. وكأن كل مدن فلسطين السليبة كانت حاضرة في مقر الجمعية، حيث التقيت هناك مع نخبة من الأساتذة الأفاضل في إطار برنامج السبت الثقافي وأعدنا بناء ذاكرة يافا المكانية والتاريخية.. إنها العودة إلى ذاكرة لا تبور.. تناولت تفاصيلها مع مثقفين يافيين عشقوا يافا..
وعلى هامش اللقاء سلمني الأستاذ خميس حداد الكتابين الموعودين من تأليف الكاتبة نوال حلاوة. وهما:
1- رواية الست زبيدة من منشورات الدار العربية للعلوم صدرت عام 2015
2- حوارات صحفية- دار أفاتار للطباعة والنشر- القاهرة عام 2019
ونقول للمؤلفة بالتوفيق.
14 ديسمبر 2019

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة