الهُويّات والتعدديّة اللغوية: أُطروحات كتاب – بقلم : عز الدين المناصرة

دراسات ….
* عزالدين المناصرة – الاردن …
[email protected]

دراسات …..
* عزالدين المناصرة
[email protected]
1. مُقدّمة: التفاعل المتبادل بين اللغات:
هناك شرائح من البشر، سُجّل في هويّاتهم المدنية، أنهم … (بدون دین). والمقصود بالدين هو الأديان المعروفة: الإسلام، المسيحية، البوذية، واليهودية، الهندوسية، … وغيرها. ورغم أن الإنسان، حتى الذي بلا دین رسمي، لا يستطيع العيش بدون معتقدات، تجاه الله والطبيعة والإنسان، مهما كان شكل هذا الإيمان، إلّا أنّ المجتمعات العالمية، تعترف بوجود، وبأحقيّة الإنسان في أن يكون (بدون دین)، إذا ما رغب في ذلك، وإذا ما سمح له نظام الدولة التي يعيش في ظلها، بذلك. ويمكن للإنسان أن ينتقل من هوية عرقية إلى هوية أخرى، بوساطة الانتساب بسبب التفاعل الدائم، كذلك الهجرة والتهجير واغتصاب الهوية الأصلية، بتدميرها وتحويلها إلى هوية أخرى، كما هو الحال مع (هوية الهنود) الحمر الذين اغتصبت أرضهم وهويّتهم العرقيّة التي تدلّ على الأرض، فأصبحت الهوية والأرض، (أمريكية)، ففي عام 1492م، كان عدد الهنود الحمر، هو 112 مليوناً، ثم أصبحوا في الإحصاء الأميركي الرسمي عام 1900م رُبْع مليون فقط. أمّا التحويل من عرقية إلى أخرى، بالاختيار الطوعي، فنحن نجده في رموز ثقافية معروفة مثل: رينيه ويليك (التشيكي – الأمريكي)، وفایسشتاین (الألماني – الأمريكي)، وإدوارد سعيد (الفلسطيني – الأمريكي)، وجولیا کریستیفا، وتودوروف (البلغاريان – الفرنسيان)، والياس کانيتي (البلغاري – البريطاني)، وغيرهم كثير، لكن الشاعر الإيرلندي الشهير – شیماس هيني، فعل العكس، حين رفض أن توضع مختارات من شعره، ضمن مختارات من الشعر البريطاني، صدرت عن دار بنجوين، وأرسل قصيدته الشهيرة (خطاب مفتوح) التي يقول فيها:
– أمّا أن أكون بريطانياً… فلا
الاسمُ… في غير مَحلّه.
– هكذا نجد أن الدين والعرق، يقبلان التحويل إلى درجة المحو، بالاختيار الطوعي، أو الاغتصاب، أو الاختيار القهري. ويبقى عنصر: اللغة: عنصرا مهيمناً في هوية الإنسان. فنحن بحاجة دائماً إلى لغة نتكلّم بها، من أجل التواصل مع الآخرين، سواء أكانت: اللغة – الأم، أو اللغة الأخرى المكتسبة، أو حتى لغة الإشارة، إذا ما كنا من ذوي الاحتياجات. وتبدأ اللغة في المرحلة الغريزية (الطفل مثلاً)، من خلال – الملكة اللغوية التي تولد من خلال المحاكاة في مرحلة أولى، حيث نلاحظ المحاولات الدؤوبة للطفل، وهو يحاول استعمال التصريفات للأفعال والضمائر، وحتى بناء الجملة، أو بناء متواليات من الحمل. أما المرحلة الثانية من الاكتساب، فهي تبدأ باندماج الطفل في النظام النحوي المدرسي المُقنّن، بشكل عام. يقول تشومسكي: (لا يوجد تناقض، عندما نقول: إنّ العقل/ الدماغ، يُعيّن تأويلاً، يختلف عن البنية التي تحددها الملكة اللغوية، أو أنه يفشل في تعيين البنية التي تحددها. فاستعمال اللغة الفعلي، تدخل فيه بعض عناصر العقل/ الدماغ التي تتجاوز الملكة اللغوية، فلذلك قد لا يعبّر عما يدركه المتكلّم أو ما يقوله، تعبيراً دقيقاً عن خصائص الملكة الّلغوية، إذا أُخذت منفردة)(1). ویری تشومسكي أنَّ الملكة الّلغوية خصيصة إنسانية فريدة. فالكائنات الأخرى مثلاً لها أنظمة اتّصال، لكن هذه الأنظمة تختلف عن اللغة الإنسانية بخصائص مختلفة. فالّلغة ليست وسيلة اتّصال فحسب، بل هي وسيلة تعبير عن الفكر. ولا نعلم سبباً واحداً، كما يقول تشومسكي يدعونا إلى: (الاعتقاد بوجود أي اختلافات في المملكة اللغوية، يرجع سببه إلى الاختلاف العرقي)(2).
وبطبيعة الحال، هناك (اللغة – الأُمّ)، أي اللغة الطبيعية التي ينطق بها الإنسان بشكل تلقائي يجمع بين الغريزة والاكتساب. وهناك لغات أخرى نتعلمها أو نُجبر على تعلّمها انطلاقاً من الاحتياج أو الجبر. كذلك، قد تُجبر فئة من الناس على تغيير لغتها، أو تختار فئة أخرى، لغة أخرى، لكنَّ النواة الصلبة للغة الأصلية تظلّ تقاوم، فالنمط السائد في هذه الحالة، هو – ازدواجية اللغة. وما دامت ازدواجية اللغة، حقيقة موضوعية من حقائق التفاعل العالمي، فإن الّلغات تتصارع من أجل البقاء أولاً، ومن أجل الانتشار ثانياً، ومن أجل السيطرة ثالثاً. وفي كل الحالات، ظلّ – مبدأ: التعددية، هو الذي يحكم الواقع العالمي. ويُجمع معظم العلماء على أنَّ – (مبدأ – الاستعمال)، هو الذي نقيس به فاعلية اللغة. فإذا أخذنا بمبدأ الاستعمال اللغوي، فنحن بطبيعة الحال، نأخذ بالمبدأ الأول من مبدأ الاستعمال – أي الاستعمال – كلغة أُمّ. وفيما يلي بعض الإحصاءات العامة، غير الدقيقة، ولكنها تؤشّر إلى الاتجاه العام لمبدأ الاستعمال والفاعلية:
عدد الناطقين بأهم لغات العالم – كلغة أُمّ:
اللغة العدد بالمليون النسبة – عام 2000 عدد نقاط الفاعلية
1. الصينية (مندارين) 874 14.5% 13
2. الهندية 366 6.1% –
3. الإنجليزية 341 5.7% 37
4. الإسبانية 322 5.4% 20
5. العربية 240 4% 14
6. البنغالية 207 – –
7. البرتغالية – – 10
8. الروسية 167 2.8% 16
9. الفرنسية – – 23
10. الألمانية – – 12
11. اليابانية – – 10
12. الهندو – أوردية – – 9
– كان هذا الجدول، في الأصل، عبارة عن ثلاثة جداول(3)، أدمجناها في جدول واحد، وهي تؤشر أولاً: إلى مبدأ الطبيعية، أي استخدام اللغة- كلغة أم، كما تُؤشّر إلى مبدأ: الاستعمال، ومبدأ الفاعلية، بغضّ النظر عن عدم دقة الأرقام. ونستنتج منه ما يلي:
أولاً: اللغة الصينية (المندارین)، هي اللغة الأولى من حيث عدد الناطقين بها – كلغة أُمّ، من بين جميع لغات العالم. وتليها: الهندية، ثمّ الإنجليزية، ثمّ: الاسبانية، ثمّ: العربية… الخ. فاللغة العربية – إذاً، تقع في المرتبة الخامسة، من حيث عدد الناطقين بها – كلغة أُمّ.
ثانياً: نفهم مبدأ – الفاعلية، على أنه يعني: استعمال اللغة – كلغة أُمّ، إضافة لمبدأ – الفاعلية والانتشار خارج – اللغة الأُمّ. وهنا كانت – الإنجليزية، هي اللغة الأولى، بامتلاكها – سبعة وثلاثين نقطة، وتليها: الفرنسية – 23 نقطة، فالإسبانية – 20 نقطة، فالروسية – 16 نقطة، فالعربية – 14 نقطة.
ثالثاً: والخلاصة هي أن – العربية، تقع في المرتبة الخامسة في العالم، من حيث كونها – لغةً أُمًّا، ومن حيث الفاعلية والانتشار .
– لقد لعب: الاستعمار الحديث والعولمة، دوراً كبيراً في توسّع اللغة الإنجليزية، وهيمنتها، بينما اكتفت اللغة الصينية (المندارین) التي ينطق بها حالياً: 1.3 مليار إنسان صيني، بالمرتبة الأولى كلغة أمّ، لكنّها لم تتوسّع خارج ذلك، انطلاقاً من الانغلاق الصين السابق على العالم، رغم توسّع الثقافة الصينية في فترة – المد الثوري. ومعنى ذلك أن الصين الثورية لعبت دورین متناقضين: الانغلاق والانفتاح معاً. أمّا – الصين الحالية، فهي تعيش مرحلة مخاض انتقالي، قد يؤدي إلى ثورة جديدة، تستفيد اللغة الصينية منها، في مجال الفاعلية والانتشار، خصوصاً في عصر ثورة المعلوماتية، وهي ثورة عالمية الطابع، لكن الإنجليزية، ما تزال تسيطر على اتجاهاتها الرئيسية في الإنترنت وغيره، تليها: الألمانية واليابانية والفرنسية. لقد اهتمّ اللسانيون العرب بمحاولة تأصيل (علم اللسانيات الحديث)، خصوصاً منذ مؤتمري القاهرة، 1973 و1975، ومؤتمري تونس: 1976 و1978، ومؤتمري دمشق: 1980 و1981، ومؤتمري الرباط: 1982 و 1983. ففي مؤتمر الرباط عام 1983 الذي انعقد تحت عنوان: (اللسانيات التطبيقية العربية ومعالجة الإشارة والمعلومات): (اجتمع أكثر من مئة عالم مختص في الهندسة والحاسبات الإلكترونية واللسانيات، كانوا قد أتوا من البلدان العربية والأجنبية التالية: الجزائر، مصر، العراق، الكويت، المغرب، العربية السعودية، السودان، سوريا، تونس، كندا، فرنسا، ألمانيا الاتحادية، ألمانيا الديمقراطية، الولايات المتحدة، وشارك في المؤتمر: عبد الرحمن الحاج صالح (الجزائر) – سالم الغزالي (تونس) – محمد مراياتي، مازن الوعر، بشير المنجد، (سوريا) – أحمد خضر غزال، عبد القادر الفاسي الفهري (المغرب) وعدنان الأمين (العراق) … وغيرهم. وتمّت مناقشة مسألة – علم اللسانيات الحاسوبي – المعلوماتي)(4). فالعرب يمتلكون الرغبة في الاندماج في التطورات التكنولوجية التي تفيد اللغة العربية، وتساهم في استعمالها وانتشارها، كما أنّهم يحاولون منذ أوائل التسعينات من القرن العشرين، الدخول في النادي المعلوماتي، بخطى سريعة، لكنهم ما زالوا يعيشون مرحلة الدهشة والإعجاب والاستهلاك غير العقلاني في استعمال الأجهزة الحديثة. ويجب أن أشير هنا إشارة خاصة لكتاب المصري نبيل علي: (العرب وعصر المعلومات) الصادر عام 1994. فهو أول من شرح مفهوم أل: (Hypertext) الذي ترجمه بالنص الفائق، مثلما ترجمه آخرون: (النص المترابط)، و(النص المركب)، و(النص المُفرّع)، و(النص المولّد)، وأنا أُفضل ترجمته بـ: (النص المُتشعّب). وكان نبيل علي، هو أوّل من طبّق منظور النصّ الإلكتروني، على نصّ أدبي عربي، هو: (رواية: ذات، لصنع الله إبراهيم)(5)، عام 1992. بطبيعة الحال، يمكن أن نستفيد من آلية (النص الإلكتروني)، لتطوير مفهوم – التناصّ والتلاصّ في الأدب. لقد انتهى عصر التشكيك في إمكانية حوسبة اللغة العربية، وها هي تدخل برامج الحاسوب وشبكة الانترنت بليونة، تنقصها بعض الخبرة، ليس إلّا. فالتوسع في التفاعل مع الحاسوب، سوف يساهم في تيسير اللغة العربية وانتشارها، خارج منطقة – اللغة الأُمّ، خصوصاً في المناطق التي وصل إليها – الإسلام والثقافة العربية:
– وصل الإسلام إلى: إسبانيا، ودول آسيا الوسطى، ودول البلقان، وإيران وتركيا وأفغانستان، وشمالي الهند، ودول جنوب شرقي آسيا، وآسيا الصغرى، وإفريقيا، قبل سقوط الأندلس عام 1492م. أما في العصر الحديث، فقد وصل العرب إلى الأمريكيتين: الشمالية والجنوبية، كما وصلوا إلى أستراليا، وعدد من دول أوروبا الغربية والشرقية، بسبب الهجرة والتعليم والأسباب الاقتصادية. وشكّلوا جاليات عربية، تحاول الحفاظ على تقاليدها وثقافتها ولغتها العربية. وهنا يمكن أن تلعب اللغة العربية دورها في الانتشار، وفي التعريف بالثقافة العربية في منطقتين: البلدان الإسلامية، وبلاد المهجر، إضافة إلى الاهتمام بإفريقيا. وهنا تجدر الإشارة إلى المشروع الرائد الذي قامت به – المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – إيسيسكو، بشأن اللغات الإفريقية، التي تمّ تنميط كتابتها بالحرف العربي، وفقاً لنظام صوتي يطابق خصائصها، والتي كانت تكتب أصلاً بالحرف العربي، قبل أن يطالها الغزو الأوروبي، وهي:
1. التماشق – Tamasheq.
2. البولار /فلفلدي – Pular.
3. الهوسا – Haoussa.
4. السوننكي – Soninke.
5. الماندنكة Mandingue.
6. السوسو – Sosso.
7. الكانوري – Kanouri.
8. الصنغي/ زَرما – Songhoy/Zarma.
9. الولوف – Wolof.
10. اليوروبا – Yoruba.
11. السواحلية – Swahili.
12. الدينكا – Dinke.
13. القمرية – Comorien.
14. الأرومو – Oromo.
15. اللوغندة – Lounganda.
16. اللكبارة – Lougbara.
17. التجرينيّة – Tajrini.
18. النوبية – Nobia.
19. الصومالية – Somalien.
20. الزغاوية – Zagawiya.
21. ألمبا/ ودّاي – Alamba/woday).
إضافة لعدد من المعاجم: معجم عربي – فولاني، معجم عربي – هوسا، معجم عربي – قمري. كذلك بعض الكتب التعليمية عن تاريخ هذه اللغات. وصدرت عدة كتب عن اللغات الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى، ومنها: 1. كتابة اللغات الأتراكية بالحرف العربي. 2. كتابة اللغات الأذربيجانية بالحرف العربي)(6).
– ويفترض أن نستعيد تركيا إلى دائرة الحرف العربي، بعد غياب طويل في أحضان الحرف اللاتيني، مثلما يفترض أن نتوسع في التقارب مع إيران وأندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنغلادش، ودول آسيا الوسطى، ودول البلقان وغيرها، في المجال الثقافي، لكي يظل الحرف العربي، رابطاً مع هذه الشعوب.
– وهناك مبدأ الاستقراض المتبادل بين اللغات، ويتم الاستقراض طوعياً أو قسرياً. فاللغة العربية، استقرضت الكثير من المفردات من اللغات اليونانية والفارسية والإنجليزية والفرنسية مثلما أعطت اللغة العربية، الكثير من اللغات، بعض مفرداتها، وبعض الصيغ والتراكيب. ولم تكن كلمة (انتفاضة = ثورة شعبية ضد الاحتلال) هي آخرها، فقد دخلت هذه الكلمة في معجم أکسفورد الإنجليزي. ويشير (معجم الكلمات الأجنبية في اللغة البلغارية) الصادر باللغة البلغارية، في صوفيا عام 1978 – لمؤلفيه: ميلف، نیکولوف، وبرانکوف، يشير إلى ما يقرب من: 280 كلمة بلغارية، ذات أصل عربي، ومنها:
1. وزير: Vizir.
2. ولاية: Vilaet.
3. حلوى: Halva.
4. هواء: Hava.
5. سراج: Sarach.
6. حساب: Hesap.
7. صورة: Surat.
8. درجة: Derege.
9. حلال: Halal.
10. حشيش: Hasis.
11. سلام: Selyam.
12. عقل: Akal.
13. معجون: Magun.
14. قبّة: Kube.
15. الكحول: Alkohol.
16. صناعات: Zanayat.
17. طبّاخ: Tabak.
18. مخزن: Magazin.
19. فقراء: Fukara.
20. حق: Hak)(7).
– ویری حسن الكرمي أن الكلمات التالية، معربة، وقد ذكر أصولها على النحو التالي:
(1. أسطورة. 2. أسطول. 3. إسفنج. 4. إنجيل. 5. برج. 6. إقليم. 7. بطاقة. 8. برص. 9. ترمس. 10. جبص. 11. صابون. 12. أرخبيل. 19. فنار. 20. قانون. 21. قصدير. 22. قرميد. 23. لوبیا. 24. نفط. 25. یاقوت. 26. بوق. 27. درهم. 28. سفينة. 29. فانوس. 30. فندق. 31. قرنفل. 32. فردوس. 33. نرجس). هذه الألفاظ كلها يونانية. أما الكلمات: ألماس، قنطار، دینار، فهي: لاتينية. أما الكلمات: دیباج، فیل، جاموس، دولاب، برنامج فهرس، قزّ، فهي: فارسية)(8). ويضيف حسن الكرمي: (إذا عرفنا، كيف يستعمل بعضهم حرفاً بدل آخر في الكلام، أرجعنا اللغات جميعها إلى أصول واحدة، أو أصل واحد)، وهو يقدم الأمثلة التالية (العربية والإنجليزية):
1. حبل: Cable.
2. فاض: Flood.
3. سدّ: Shut.
4. جشّ: Dash.
5. استلّ: Steal.
6. جَرَش: Cruch.
7. طويل: Tall.
8. خرق: Crach.
9. دقّ: Dig.
10. حرش: Harsh.
11. لعق: Lich.
12. ضرب: Drub.
13. هرع: Hurry.
14. جشأ: Gush.
15. فراء: Fur)(9).
– ويقول – رافائيل لابيسا عام 1962م: (تأتي أهمية العنصر العربي في اللغة الاسبانية بالدرجة الثانية، بعد العنصر اللاتيني. ويوجد في الاسبانية اليوم، ما ينوف على أربعة آلاف كلمة عربية، ما عدا التعابير الدارجة على ألسنة الأندلسيين، المأخوذة منها(10).
– إذن: فاللغات تمارس مبدأ – الاستقراض المتبادل، وتتشابه في كثير من أصواتها، لكن الإشكالية في هذا المبدأ، تقع في المراحل الانتقالية الصعبة للشعوب. فالفصحى الوسطى العربية المعاصرة، تستقرض الكثير من الألفاظ التقنية من الإنجليزية، وتستقرض بعض المصطلحات الأدبية من الفرنسية، وهو أمر طبيعي، لكنّها تكسل في التوطين، أي لا تبذل جهداً في الترجمة، انطلاقاً من علم شعرية الترجمة. كما أنّ حُرّاس العربية، ينقسمون إلى قسمين:
الأول: محافظ تقليدي، يرغب في سجن العربية في حقيبة الأستاذية، حتى لا يمسّها غير المطهرين) معتقداً بمبدأ – النقاء اللغوي، ومتوهماً أنّ – معرفة أسرار النحو، تعادل الرهبنة، وأن معرفة اللغة أيضاً من أسرار الحرفة التي تمنح التعالي والعزلة معاً. ويتوهم أيضاً أن الحياة سوف تنتظر، وأن اللغة العربية ستدافع عن نفسها تلقائياً، حتى لو غرق حراس العربية في نومهم، مع أن الله يقول: (وأعدّوا…) و(انتشروا…)، لكي تحصلوا على الوطن والرزق واللغة.
الثاني: تيار التحديث والتجديد والتفاعل والمواجهة والعمل الفعلي، من أجل تطوير اللغة بالتفاعل مع حركة الحياة. فالحياة لا تنتظر مجامع اللغة العربية، حتى تترجم أو تشتق أو تنحت كلمة بعد عشر سنوات من وصولها من بلد المنشأ. والحياة لا تنتظر توصيات المؤتمرات، لا يتم تنفيذ أيّ منها، ولا تنتظر الحياةُ – الحكوماتِ، (حتى تدرس المسألة من جميع جوانبها)، لأن الأجهزة الحديثة، تصل تباعاً مثل قطار سریع لا يتوقف، ولأنّ المعارف الحديثة تنهمر كالمطر، ولا تنتظر من يبحث عن المظلّة.
– كذلك نجد أنّ حرّاس العربية الحقيقيين، هم الذين يحتكّون باللغات الأجنبية، مع معرفتهم الجيدة بأسرار جماليات لغتهم. فهؤلاء يمتلكون غالباً، حساسية عالية تجاه مسألة اللغة، ولهذا نجدهم يمتلكون عقلاً نقدياً تجاه لغتهم العربية، لأنّهم يمتلكون منهجية المقارنة. فاللغة العربية لیست فاعلاً مرفوع بالضمّة، ولا مفعولاً به منصوب بالفتحة. إنها أكبر من ذلك بكثير. فلماذا لا نترك اللغة تستنشق الهواء النقي في الشوارع، بدلاً من سجنها في جامع اللغة العربية، وفي أقسام اللغة العربية في الجامعات. ثم من قال: إن (الأخطاء الشائعة)، أخطاءٌ كلّها. لماذا لا نبحث عن المشترك. لماذا لا نیسّر اللغة العربية على الناس. لماذا نتكلم لغة فصيحة مُقعّرة، متعالية على الناس في المساجد، حيث يشعر الناس بالانفصال عن هذه اللغة. ولماذا لا نعترف بدور العاميّات الطبيعية في إثراء الفصحى، بدلاً من الحوار الأعرج القديم، حول صراع العامية والفصحى. ألم تستفد اللغات الأجنبية على حساب العامية والفصحی معاً. ألم تتكاثر العاميات المُفرنجة على حساب العاميات الأصلية. لماذا لا نفتح أمام الفصحى، نافذة الاستقراض والتفصيح من العامیات، حتى لا تطغى الألفاظ الأجنبية على الفصحى نفسها.
وهناك مشكلة أخرى تواجه العربية: … رغم أنّ عدداً من الباحثين، كتبوا حول (خطر اللغة العبرية) على اللغة العربية في فلسطين، إلّا أن بعض المثقفين العرب، ما زالوا معجبين، ويكيلون المدائح للنموذج اللغوي الإسرائيلي، دون وجه معرفة، أو وجه حق.
أولاً: لم يَرِدْ اسم – (اللغة العبرية) في كتاب العهد القديم – إشارةً إلى اللغة التي تحدّث بها بنو إسرائيل في أرض كنعان. ولم توصف لغة التوراة في النّص التوراتي، على أنها (عبرية). وهذا أمر لافت للنظر، ومحيّر(11). وهذا يؤكد أن (بني إسرائيل)، لم يكونوا في فلسطين أصلاً.
ثانياً: ليس لدولة إسرائيل الحالية فضل على اللغة العبرية، بل العكس، هناك فضل للغة العبرية على دولة إسرائيل. فاللغة العبرية: (كانت تُدرَّس في جامعة باريس في القرن الرابع عشر. وقد تمَّ تأليف عدّة كتب في قواعد اللغة العبرية، منذ نهاية القرن الثاني عشر الميلادي في إسبانيا. كما ظهرت قواعد العبرية التي ألفها العالم الكلاسيكي روشلين في ألمانيا. وفي عام 1529م، أصبحت قواعد – كلينار – Clenard في اللغة العبرية، هي القواعد الواضحة لهذه اللغة في أوروبا(12).
ثالثاً: تأثرت العبرية، باللغة الآرامية الكنعانية، وتأثرت أكثر باللغة العربية، وأخذت منها مئات الكلمات والاشتقاقات والتصاريف. ثم امتزجت باليديش الألمانية، وتأثرت بالروسية.
رابعاً: ليست الإشكالية في أن تستقرض اللغة العبرية، أو حتى أن تعطي إذا استطاعت، فهي تُدرَّسُ في الجامعات العربية، بأقسام اللغة العربية، وأقسام اللغات الشرقية، وفي مراكز اللغات، قبل عام 1948، وبعد عام 1948، وحتى الآن، بينما لا تُدَّرس اللغة السريانية، شقيقة العربية، وابنة الآرامية الكنعانية. لكن الإشكالية هي في تأسيس دولة إسرائيل على أرض – كنعان وفلسطين، وفي اغتصاب الأرض، وتهجير واقتلاع الشعب الفلسطيني في أكبر جريمة في القرن العشرين. لقد تأسست هذه الدولة من قِبَل البرجوازية الأوروبية اليهودية التي كانت تبحث عن أسواق. ولم يكن من اليهود قبل عام 1948 في فلسطين سوى أبناء (الطائفة اليهودية الفلسطينية الذين كانوا يشكلون 7%) من أبناء الشعب الفلسطيني. وهكذا، فقد حوّلت هذه الدولة الاستعمارية الاستيطانية – اللغة العبرية، من لغة للتواصل والمعرفة بين اليهود في أوروبا إلى لغة إديولوجية احتلالية، تحمل شحنة عالية من العنصرية، وهنا يكمن خطرها. فبعض الفلسطينيين، لا يستعملون منها إلّا المفردات العسكرية الإحتلالية التي أُجبروا على استعمالها.
2. الهُويَّات … والتعدديَّة اللغويّة(13):
صدر كتابي: (الهويات … والتعددية اللغوية) في تمّوز 2004، حيث أهديته إلى أسماء: طه حسین، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، انطلاقاً من مفهوم (النقد الثقافي المقارن). وقد بدأت فكرة الكتاب من المشكلة الأمازيغية، حيث طلبتْ منّي إحدى الصحف الأردنية، أن أكتب مقالاً موسّعاً عن هذه المشكلة، لتعريف القارئ المشرقي بالمشكلة، بعد انفجار جديد لها في صيف 1998. عدت إلى أوراقي القديمة، وبدأت أكتب، فإذا بي أُنجز كتاباً صغيراً بعنوان: (المسألة الأمازيغية في الجزائر والمغرب: إشكالية التعدّديّة اللغوية)، نُشر أولاً في جريدة العرب اليوم، في 21 حلقة، في أكتوبر ونوفمبر عام 1998. ثم نُشر في كتاب مستقلّ، صدر عن دار الشروق، عام 1999. ثمَّ انتبهتُ إلى المشاكل اللغوية الأخرى في الوطن العربي:
أولاً: مشكلة اللغة السريانية، وهي أبسط المشاكل اللغوية، حيث أنّها لا تُدرَّس في أقسام اللغة العربية ومراكز اللغات في الجامعات، بل هم يفضلون عليها تدريس العبرية. وقد وجدتُ أن السريانية، هي الشاهد الحيّ الأقرب إلى اللغة العربية.
ثانياً: مشكلة اللغة الكردية، وهي مشكلة تتعلق بمركزية الدولة العراقية القومية، وبحلم بعض الأكراد في تأسيس دولة كردستان الكبرى في مناطق کردية، تنتمي إلى خمس دول، أهمها: العراق وتركيا وإيران. وهنا انطلقتُ وانتهيت في البحث إلى حقّ الأكراد العراقيين في أن تكون لغتهم موحّدة ومزدهرة في إطار العراق الموحد.
ثالثاً: إذا كانت: الأمازيغية والكردية والسريانية والتركمانية، هي: اللغات القومية غير العربية في الوطن العربي، تشكل مشكلة، كان ينبغي حلّها بالتوافق الديمقراطي، ضمن مفهوم تعددية الواحد، فإنّ مشكلة اللغة الفرنسية في بعض الأقطار العربية، مثل: الجزائر والمغرب وتونس ولبنان، تعدّ مشكلة خطيرة، لأنّها من آثار الاستعمار التي يُفترض تحويلها من لغة استعمارية إلى لغة للمعرفة، ولأنّها أيضاً، تؤثر على اللغة الأم – العربية. فالفرنسية تزدهر على حساب العربية والأمازيغية معاً.
رابعاً: منحتُ مساحة واسعة ديمقراطية للرأي… والرأي الآخر، لأنّ معظم الباحثين ينطلقون من أحادية فاضحة، تنبع من التعصّب العرقي أو الاصطفاف الحزبي، أو المناطقية، أو حتى الزعم بأنّه لا توجد مشکلات أصلاً، وأنّ من يثيرونها، هم عملاء للأجنبي، ممّا ولّد في الاتجاهات المضادّة الغرائزية: الأمازيغية والكردية، تعصّباً مقابلاً.
خامساً: انطلقتُ من مفهوم: (حق الاختلاف)، ومفهوم (الآخر الشريك) في الوطن، فقد قُمع حقّ الاختلاف، مع أنه جوهر الديمقراطية. وبطبيعة الحال، لم أتجاهل الرغبة العربية المشروعة في التوحيد الديمقراطي. لقد وجدتُ أنّ مشاكل اللغة، نابعة من مشكلة الهوية لهذا عالجتُ موضوع الهوية في ظل العولمة القهرية، والعالمية الطبيعية.
سادساً: مشاكل: الفرنسية، الأمازيغية، الكردية، السريانية، ليست وحدها، هي كل المشاكل اللغوية في الوطن العربي، بل هناك مشاكل أخرى، مثل: مشكلة هيمنة الإنجليزية والتأمرك على قطاع التعليم الجامعي، ولا تكمن المشكلة في معرفة اللغة الإنجليزية، فهذا أمر مرغوب، من أجل نقل العلوم والتكنولوجيا، ولكن المشكلة تكمن في محاولات قمع الهوية، وفي الترويج لأفكار التأمرُك المصاحبة للعملية التعليمية، مثل: تمرير فكرة شرعية دولة إسرائيل، وهي مقولة أساسية في مقولات التأمرك.
– وقد رأيتُ من أجل أن يأخذ القارئ، فكرة شاملة عن أطروحات الكتاب، أن أقدّم مجموعة من الخلاصات في فصول الكتاب:
1.2 الهويات… والعولمة
أولاً: الهويّات، الثقافات، الأديان، اللغات، مظاهر انفجرت في ظل صعود العولمة، منذ منتصف الثمانينات، حين بدأت ملامح (بيرسترويكا)، تجتاح الاتحاد السوفياتي، وبلدان أوروبا الشرقية التي أعادت تشكيل نفسها من جديد، بإعادة الهويّات القومية لأصحابها، بعد أن كانت موحدة في الإديولوجيا الاشتراكية، فقد كانت السلافية المكبوتة، تتململ في داخلها، لتعيد هيكلة نفسها، بعيداً عن العلاقة مع القوميات الموحّدة ظاهرياً. وقد مرّت التجربة بمخاض عسير، متخذةً أشكالاً من العنف والإرهاب أحياناً، والأساليب الشعبية الاحتجاجيّة، أدّت إلى انفصال القوميات، وتمركزها على نفسها، حيث وجدت نفسها، وحيدة في مواجهة عولمة الأمركة. لهذا وضعت بعض القوميات نفسها فوراً في خدمة الأمركة، لكي لا يدوسها قطار العولمة. وبعضها أخذ أشكالاً من الاستقلالية النسبية المُناورة. أعطى هذا الدرس، خلاصة مهمة، هي أن التوحيد، لا يتم بالقهر والإلحاق القسري، وإنما بالاختيار الديمقراطي الحرّ. وهكذا أصبحت العولمة بقرن واحد، هو القرن الأمريكي، ﻭﻟﻢ يكن ذلك حدثاً سعيداً!!.
ثانياً: إبادةٌ جماعيةٌ للهنود الحمر (1492-1900)، وتكنولوجيا راقية، وديمقراطية داخلية ليست للآخر، عناصر مهمة في تأسيس وصعود الدولة الأمريكية، أدّت إلى تفاهم المنتصرين حول التعددية، فحصل السود الأمريكيون على بعض حقوقهم في ظل هيمنة واضحة للعرق الأنجلو سكسوني والمذهب البروتستانتي، وبقي التمييز ضد السود قائماً. وفي المقابل تمت صناعة دولة مصغرة على هيئة أمريكا، على أرض فلسطين، اعتمدت أسلوب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والترانسفير ضدّ السكان الأصليين، أي الشعب الفلسطيني، واعتمدت التفوق النووي، وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، فأصبحت الدولة الإسرائيلية (قلعة عسكرية مغلقة)، لها نظامها الداخلي التعددي، الذي يمنح الديمقراطية لليهودي، ويمنعها عن الفلسطيني الذي بقي على أرضه الأصلية، محافظاً على هويته القومية، واشتركت الدولتان، (الولايات المتحدة وإسرائيل) في مفهوم افتعال الحروب الردعية الاستباقية ضدّ المحيط. وهنا، لابُدَّ من غطاءٍ فلسفي أخلاقي لتغطية الجرائم.
ثالثاً: تمَّ فرض النموذج الأمريكي عبر العولمة، فأصبحت العولمة، أمريكية: (إعادة تشكيل المحيط الدولي، وفق أسلوب أمريكي)، كما قال كيسنجر، أو (نظام عالمي، مُصمَّم أمريكيا)، كما قال بريجنسكي. ثمّ التبشير بقرب قرع طبول حرب العولمة، عند هنتنجتون: (صدام الحضارات). صاحَبَ ذلك، التحوّل الرأسمالي، وصول رأس المال ﺇﻟﻰ مرحلة الإشباع النهائي، حيث أصبحت العولمة، هي قمّة إشباع النظام الرأسمالي وانتصاره. أو كما كان يسميه البلغاريجورجي ديمتروف،(رأس المال المالي)، أي حين يصبح رأس المال هو القيمة العليا والهدف النهائي. ومن أجل تحقيق ذلك تشكلت الشركات العابرة للقارات والأجناس، هدفها: الربح، مستغلة فقراء بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، بتشغيلهم (وهو الغطاء الأخلاقي)، وسرقة جهودهم، بمنحهم أبخس الأجور. وبينما يتجول– بلدوزر رأس المال المالي، تحميه طائرات ومدافع وجيوش العولمة المندفعة نحو العراق ودول الخليج وفلسطين وأفغانستان. ومن أجل الغطاء الأخلاقي، لا بأس من معالجة (سراييفو، كوسوفو، تيمور الشرقية). وبعد أن حدث الفراغ، بانهيار المعسكر الاشتراكي (العدو)، فلا بُدَّ من اختراع عدو جديد،الذي هو (الإسلام)، فاختُرعت: الصحوة الإسلامية، وحدثَ الحادي عشر من سبتمبر، واختُرعت معه شخصية دونكيشوتية أسطورية تدعى:(ابن لادن)، واختُرعت الحرب ضدّ العراق. وتبعه، الترويج لمساواة (مقاومة الاحتلال) بالإرهاب. وكان لابُدّ من غطاء ثقافي: صعود الفن السطحي الهابط، واعتماد اللغة الإنجليزية، هوية لغوية، بدلاً من مفهوم اللغات الوطنية أو القومية، حيث تمَّ محو عناصر هوية المثقف كلها، لصالح هويّة واحدة: (إنه يتحدث الإنجليزية بطلاقة). ثمّ نهب وسرقة متحف بغداد، أمام عيون حرّاس العولمة، مع أمسيات شعرية عربية أمام بريمر وسلفان شالوم وكولن باول، يحضرها كتاب عالميون، حصلوا على جائزة نوبل، الذين رفعوا شعار:(لا صوت يعلو فوق صوت العولمة). ولا بأس في أن تستمر طائرات العولمة الإسرائيلية في قصف التظاهرات السلمية في رفح الفلسطينية، وأن تقصف طائرات العولمة الأمريكية، عرس عائلةٍ عراقية في القائم. يزدهر التطبيع في الفضائيات، فالهدف هو إقامة جامعة شرق أوسطية. يخرج علينا بعض المثقفين العرب ليقول لنا: تريدون تكنولوجيا أمريكية متطورة، يجب أن تتناولوا معها، أقراص تدمير قداسة المقاومة، وتفكيك الهويات الوطنية، مع تعديل العروبة والإسلام، ليتناسبا مع الاحتلال، ومع منح الاحتلال صفة الشرعية الدولية، أي باختصار: (الهِرُّ بمائتين، والجَمَلُ بدينارين، والبيعُ على الاثنين). وكفاكم حديثاً عن (نظرية المؤامرة)، فالعولمة لم تعد، كما في انقلابات الستينات في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، يَتم طبخها في مطبخ المخابرات الأمريكية في الغرف المغلقة، بل أصبح الأمر علنياً واضحاً.– وهم – أي: الليبراليون الجدد، يقولون لنا: لقد ولّى عصر: (كاسترو، جيفارا، سلفادور أليندي، جمال عبدالناصر، نلسون مانديلا، نهرو، أنديرا غاندي، لينين، أحمد سوكارنو، ماجد أبوشرار، خليل الوزير، حسين مروّة، ماركس، لوكاتش، ميشيل فوكو، جان جينيه، بابلو نيرودا، ناظم حكمت، مايا كوفسكي، لوركا، ناجي العلي، غسّان كنفاني، نعوم، تشومسكي، باتريس لومومبا، إميلكار كابرال، هوّاري بومدين، المهدي بن بركة، ياسر عرفات، جورج حبش، عبدالله أوجلان، مهاتير محمد، نجيب محفوظ، هوشي منّه، ماوتسي تونغ، ميشيل عفلق، سيّد قطب، جوزيف تيتو، طه حسين، شافيز، أورتيغا، الجنرال جياب، حسن نصرالله، أحمد ياسين، أنطون سعادة، فرج الله الحلو، علي عزّت بوجوفتش، أحمد الشقيري، أحمد بن بلّه)… وغيرهم. ﺛﻢّ، يقولون لنا، إنّه عصر الحداثة، والتكنولوجيا المتقدمة، والشركات العابرة للبلدان والجنسيات، عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمخدرات، وتجارة الأعضاء، عصر: (جورج بوش الأول والثاني، توني بلير، أريك شارون، موفاز، نتنياهو، رامسفيلد، ديك تشيني، ريتشارد بيرل، فؤاد عجمي، كونداليزا رايس، بول ولفووتس، كولن باول، بيرلسكوني، غورباتشيف، يلتسين، بشير الجميّل، أحمد الجلبي، شيمون بيرس، سعدالدين إبراهيم، برنار لويس، برنار هنري ليفي، كنعان مكيَّة، شارل مالك، كميل شمعون، بول بريمر، ريكاردو سانشيز، جون أﺑﻲ زيد، نيغروبونتي، بيار الجميّل، هنتنجتون، فوكوياما.). ونقول ﻟﻬﻢ: إنه عصر: جنين، ورفح، وأبو غريب، وغوانتانامو، وصبرا وشاتيلا، والخليل. فهل يُراجع الليبراليون العرب الجدد، أنفسهم، لكي تُعاد الصِدْقيَّة، لمفهوم الليبرالية.!!
رابعاً: يفترض أن التفاعل الثقافي، يتم بين ثقافات وهُويّات متعددة، بنديّة تامة، مع الاعتراف بالنسبة والتناسب الواقعي، لكن التزوير، بدأ مع الأنثربولوجيا في القرن التاسع عشر، حين أسمت (ثقافة الإبادة الجماعية)، (المُثاقفة)، بمفهوم فولكلوري، هو: (ثقافة عليا) أمريكية و(ثقافة دونيّة) هندية حمراء. وهكذا تم اختراع هوية أمريكية في ناطحات سحاب، مبنيّة على مستنقعات دماء الهنود الحمر، مثلما تمَّ اختراع (هوية اسرائيلية) على أجساد الفلسطينيين، مع اقتلاعهم من أرضهم إلى المنفى، وزجّ من تبقّى منهم في السجون الإسرائيلية، مع محو كل أثر، يدلّ على هويّة الفلسطيني، لكن الفلسطينيين، تعلموا درس الهنود الحمر، فأتقنوا المقاومة، وعلّموا العالم، دروساً في أشكال رمي الحجر، وإذا اقتضى الأمر، أكثر من رمي الحجر، فهم يخترعون أسلحتهم المحلية من أرض أجدادهم الكنعانيين العماليق الجبّارين، وفق شريعة الكاهن الكنعاني وشريعة حمّورابي وشريعة كوفي أنان.
خامساً: لا يمكن قراءة الهوية، منفصلة عن العولمة، فالثقافات تتأثر حتماً، باقتصاديات العولمة، تتكيّف أو تقاوم، لكنها لا تمحو نفسها لصالح محو العولمة لغيرها. ورغم حوار الثقافات وحوار الأديان المصطنع في معظمه، تشارك فيه أوروبا، بأوامر أمريكية، فإنَّ هجوم رأس المال المالي، يوقظ الصراع الطبقي بين الدول الصناعية الكبرى، ودول الثقافات الأخرى الفقيرة. كما أن هجوم العسكرتاريا الأمريكية، يوقظ الصراع الثقافي، بالبحث عن آليات تجديد الهويّات، واختراع آليات مقاومة جديدة. لهذا فإن الزعم بأن العولمة = التأمرك، توحّد وتصهر الأمم في ثقافة عالمية واحدة، هو أمر يقرأ جانباً واحداً من المسألة، إذْ أن الهويات في معركتها أو تفاعلها السلبي أو الإيجابي مع العولمة، تتجدد وتقوى أكثر من حالة الطمأنينة النائمة. كما أن أية ثقافة، كما قال ستروس، مهما بلغت قمة سيطرتها، لن تكون منتصرة، إذا بقيت وحيدة دون شريك)، فموت الثقافة، يبدأ من السيطرة والانفراد، وغياب الشركاء. لقد أُجبرت الولايات المتحدة في احتلالها للعراق إلى الاستنجاد بالأمم المتحدة، كغطاء أخلاقي، واضطرت لدفع المال وتأسيس الشراكة، لتُقنع الدول البائسة الصغيرة بالمشاركة معها في الاحتلال، لكي تحصل على مصطلح مُزوّر هو: (التحالف) الدولي، بدلاً من مصطلح الاحتلال الذي هو حقيقتها. وساهم هجوم العولمة في تسريع تجديد – آليات الاتحاد الأوروبي. ولكي لا تعترف أوروبا – مثلاً، بالفاعل الثقافي الأصلي في البلدان العربية، اخترعت (مهجرية ثقافية عربية جديدة) من المثقفين العرب المقيمين في أوروبا، وقامت بتضخيمهم وتصديرهم إلى العالم العربي، بصفتهم ممثلين وحيدين للثقافة العربية الأصلية، مع معرفتنا بأمرين: وجود بعض الأسماء الموهوبة، وهي معدودة على الأصابع في أوروبا، وأكثرية سطحية غير موهوبة، لأنها لم تكن موهوبة أصلاً في بلادها الأصلية، وهي تحتمي بدكتاتورية الآخر، بدلاً من دكتاتورية الوطن الأصلي، لتفرض نفسها على الثقافة الأصلية، ليس بموهبتها، بل بالاستقواء بالآخر. واخترعت لنا أوروبا، ما يُسمّى بثقافة السلام، وهي كلمة حق أُريد بها باطل، ليصبح مدخل المثقف العربي إلى الثقافة الأوروبية، هو المرور الإجباري في ثقافة التأسرُل، وثقافة الجمع بين المقاومة والتأسرل، والجمع بين الحداثة والتأسرُل. واستقوى هؤلاء الحداثيون بالسلطة وثقافة الجسد وقوّة رأس المال. وأصبح المثقف الليبرالي، دكتاتوراً جديداً، في الصحف والفضائيات والجامعات. لقد أخذنا من العولمة، أسوأ ما فيها، أي اعتبار الهوية – مجرد منفعة متبادلة!!.
سادساً: لم تستطع العولمة حتى الآن، تحقيق: الديمقراطية، بل نصّبت دكتاتوريين جدداً، لا يمثلون شعوبهم. ﻭﻟﻢ تستطع العولمة، تحقيق: اللامركزية. ولم تستطع العولمة أن توحد العالم في اللغة الإنجليزية، إلاّ في مجال التكنولوجيات وأمركة التعليم، ولم تطوّر اللغات الأخرى نفسها باحتكاكها مع الإنجليزية، لأن الإنجليزية المستعملة، لغة براجماتية محدودة الخيال، بل تطوّر بعضها انطلاقاً من مقاومة الهوية للتأمرك. كما أنَّ القوميات والهويات، عادت إلى التمركز حول العرق والدين والثقافة والتاريخ المشترك واللغة، كرد فعل على تعالي التأمرُك، بما يشبه الشوفينية القومية. فعولمة الهويّات، أمرٌ مثالي غير واقعي، لأن أحداً لا يمكن أن يمحو هويته بنفسه، لصالح هوية قامت على ثقافة الإبادة الجماعية، وحروب الردع الاستباقي.
سابعاً: أخذ شكل تفاعل – الهوية العربية الإسلامية، مع التأمرك والتنجلُز والتأورُب، آليات: المقاومة والتكيُّف والانغلاق والتجدد والانكفاء. فلم يُصدّق المثقف العربي (دونكيشوتية ابن لادن)، ولم يذرف الدمع على (إسلام طالبان)، وشعر بالارتياح لرحيل دكتاتورية نظام صدّام حسين، لكنّه كان قلقاً على العراق الموحّد، وظلّ متأكداً أن سرقة البترول وحماية إسرائيل، هما الهدفان الأساسيان للتأمرك. وظل مقتنعاً أن الهوية المعولمة، تنطلق من مفهوم المنفعة، ومن ازدواجية الجنسية، وكافة الخيارات البديلة للهوية الأصلية. ومع هذا، فالتردد الحاصل نتيجة هجرة وتهجير بعض العرب، (من فلسطين، لبنان، العراق بشكل خاص) في العقود الأخيرة، وهجرة وتهجير (العرب المغاربة) إلى أوروبا، يقتضي قراءة (مفهوم الجاليات العربية) في أوروبا وأمريكا، قراءة عميقة، لا تخضع لردود الفعل، ولا تخضع للصور المتبادلة عن (الأصلي) و(المهاجر)، تلك الصور التقليدية الغرائزية. أي كيف يصبح المهاجر والمهجّر، قوة إضافية، وعنصراً من عناصر التجدد والانفتاح العربي على العالم، بحيث تلعب هذه الجاليات دوراً فاعلاًَ، لصالح الهوية الأصلية، مع تركها تتكيف ﻓﻲ ظل ظروف الآخر، وليس من خلال تصدير أزمات الأوطان الأصلية إليها. ولن يصبح العربي أمريكياً أو فرنسياً، حتى لو ولد وعاش هناك، فالنواة الصلبة في الهوية، تبقى جذراً أساسياً في الهوية، نعود لها بالحنين أو من خلال تصنيف الآخر لنا، أو من خلال انغلاق الآخر علينا، كما حدث بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001.
ثامناً: في إطار وصول الرأسمالية، قمة إشباعها، يبدو تفككها اللاحق، أمراً محتملاً، إذا ما استيقظ التنّين الأصفر (الصين، اليابان، كوريا) من غفوته، وإذا ما، تصاعد نمو – دول نمور جنوب شرق آسيا، وتقاربت الهند والباكستان، وتوحدت الكوريتان، وإذا ما استعادت روسيا لدورها، وإذا ما تخلص العالم العربي من أصولياته السلفية، وإذا ما استعمل عناصر القوة والتسامح في عقيدته ولغته وثرواته، لصالح تجدد الهوية، وإذا ما تفاعل مع العالم، بندّية واستقلالية، وإذا ما ربط الواقعية بالكرامة والسيادة، وإذا ما مارس الديمقراطية، لا كشعار، بل كحقيقة يومية، عندئذٍ، لا يصبح التكيّف الخائف، خائفاً مذعوراً من تغيرات العالم، بل يصبح التكيف، قوة إضافية للهوية.ولا يكون ذلك باستبدال الجامعة العربية، بجامعة للشرق أوسطية، تقودها إسرائيل، بل بتعلم أساليب المقاومة والتكيف من العولمة نفسها. لكن تفكك (رأسمالية التأمرك)، ليس أمراً ميتافيزيقياً أو حتمياً في القرن الحادي والعشرين، وإنما هو احتمال، تتم مساندته، بالتحالف مع القوى الصاعدة العادلة في العالم. لقد وصلت العولمة إلى غرف نومنا بلا شك، لكن مواجهتها لا تكون بإغلاق جهاز الكومبيوتر، أو إطفاء شاشة التلفزيون، أو إغلاق الحدود التي لم تعد حدوداً حقيقية، بل يتم بالتفاعل لتقليل الخسائر، وربّما للحصول على منافع جديدة، من خلال مفهوم –تعددية الواحد: فالاعتراف بالهوية الأصلية هو الأصل، تتلوه آليات قانون الاختلاف مع الهويات الأخرى،وقانون الانفتاح على الهويات الأخرى، فالهويّة تحمل عناصرها الثابتة، لكنها تتحرك في محيط، هو العالم. أمّا الزعم بقداسة الهوية وثباتها، أو الزعم بأن الهوية، مجموعة أوهام، فهو – الوهم بنفسه.

2.2. السريان واللغة السريانية:
أولاً: اللغة الكنعانية هي أول أبجدية ﻓﻲ العاﻟﻢ، نشأت كمرحلة أولى من اللهجة الفلسطينية السينائية، ﺛﻢَّ تطورت لاحقاً ﺇﻟﻰ عدّة لهجات، تكتب باثنين وعشرين حرفاً، منها: اللهجة الفلسطينية، ولهجة مؤاب، ولهجة عمّون، ولهجة صيدا، ولهجة صور، ولهجة جبيل، ولهجة أوغاريت، وهي تكتب بسبعة وعشرين حرفاً. ويعادل مصطلح اللغة الكنعانية، مصطلح اللغة الكنعانية الفينيقية عند المستشرقين، لكن الاستشراق حاول عزل الفينيقية عن باقي اللهجات وجعلها ممثلاً للكنعانية. كما أن اللغة العبرية، لهجة من لهجات اللغة الكنعانية، حاول المستشرقون تضخيمها على حساب اللغة الأم التي تفرعت منها لأسباب معروفة. ﺛﻢَّ ولدت اللغة الآرامية من الكنعانية، ولعبت الآرامية دوراً هاماً ﻓﻲ توزيع الكنعانية الآرامية ﻓﻲ شتى أنحاء العاﻟﻢ. والآرامية هي لغة السيّد المسيح ﻓﻲ فلسطين، ولغة الشعب الفلسطيني، ولغة الهلال الخصيب وقبرص. ومن الآرامية، تفرعت: العربية والسريانية.
ثانياً: نتيجةً للانشطارات الكنسية، بعد مجمع أفسس عام 431م، ومجمع خلقدونيا عام 451، ظهر: الاتجاه اليعقوبي والاتجاه النسطوري، لأسباب دينية ولغوية وقومية. فالاتجاه النسطوري انتشر ﻓﻲ بلاد مابين النهرين وفارس، أما الاتجاه اليعقوبي، فانتشر ﻓﻲ سوريا ومصر. وظلّت فلسطين هي الجامع المشترك. كما ظلّت اللغة السريانية هي الجامع المشترك بين كل الطوائف السريانيةفي سوريا والعراق، ولبنان، وفلسطين والأردن، المختلفة عرقيا ومذهبياً. فهناك مثلاً، عشرون ألف مسلم ﻓﻲ سوريا يتكلمون السريانية. وقد لعبت الثقافة السريانية دوراً مهمّاً ﻓﻲ الحضارة العربية، خصوصاً ﻓﻲ مراكزها التاريخية ﻓﻲ الرها ونصيبين. ويختلف الباحثون حول عدد السريان ﻓﻲ العالم.
ثالثاً: العلاقة بين السريانية والعربية علاقةٌ قويةٌ جداً، لأنّهما من أصلٍ واحد هو الأصلُ الآرامي الكنعاني، لهذا بقيت مفردات مشتركة كثيرة بين العربية والسريانية، ﻓﻲ الحياة اليومية حتى الآن ﻓﻲ سوريا وفلسطين والعراق ولبنان والأردن، بل تكاد تتطابق ﻓﻲ الأصوات. ومن هنا نحن أمام موروث مشترك. ﻭﺑﻤﺎ أن اللغة السريانية، هي المشترك بين الأقليات الدينية المذهبية والعرقية، فإن إقرار أهمية اللغة السريانية ﻓﻲ بلاد الشام والعراق، يقتضي الاعتراف ﺑﻬﺎ، لغة وطنية ورسمية ثانية، بعد اللغة العربية الوطنية والرسمية والموحّدة للهلال الخصيب وباقي البلدان العربية. وهذا يقتضي أيضاً إعادة الاعتبار للسريانية ﻓﻲ المدارس والجامعات، كلغة شرقية شقيقة للغة العربية. أما الحقوق الأخرى غير الثقافية للسريان، فيتمُّ تنفيذها من خلال مبدأ المواطنة وقوانينه، مع التأكيد على مبدأ الحماية الخاصة ﻟﻬﻢ من قبل الدول.

3.2 الأكراد… واللغة الكردية
أولاً: تنتمي اللغة الكردية ﺇﻟﻰ عائلة اللغات الإيرانية: الفارسيّة والأفغانية والطاجيكيّة والبلوجيّة والاستينيّة، ولعلّها لغة ورثت تقاليد اللغة البهلوية البائدة، وطوّرتها. وقد انتقلتْ ﺇﻟﻰ الكتابة بالحرف العربي منذ الإسلام. وبدأت تنتج أدباً كردياً منذ القرن الرابع للهجرة. ﺛﻢ بدأ الاستشراق الاستعماري يعمل لمنع اللغة الكردية من استعمال الحرف العربي، والدعاية للحرف اللاتيني منذ كارزوني الإيطالي عام 1787. وقد نجح نوري علي أمين عام 1966ﻓﻲ وضع قواعد للنحو الكردي، بالحرف العربي، اعتبره البعضُ عملاً ناضجاً تشوبه بعض النواقص. وكان قد صدر باللغة الكردية بين عامي 1787-1975، ما يقرب من 1254 كتاباً، تعتبر مراجع للثقافة الكردية.
ثانياً: الأرجح أنَّ اللهجات الرئيسة ﻓﻲ الكردية هي: الكرمانجية واللوريّة وﺍﻟﮕﻮﺭﺍﻧﻴّﺔ والزازائية، وهناك عدة لهجات أخرى متفرعة منها، أو مستقلة عنها. ﻟﻬﺬﺍ كانت مشكلة توحيد اللهجات ﻓﻲ لغة موحدة، أمراً مهماً لثقافة الشعوب الكردية.
ثالثاً: كتبتْ الكردية بثلاثة أشكال من الحروف: الحرف العربي، والحرف اللاتيني، والحرف السلاﭬﻲ الروسي. وهذه مشكلة أخرى من مشاكل اللغة الكردية. ونحن نميل ﺇﻟﻰ كتابتها بالحرف العربي، لكي يساهم ذلك ﻓﻲ التقارب العربي-الكردي، بحكم الشراكة ﻓﻲ العقيدة والحضارة والجغرافيا، إضافة لتاريخ تطور اللغة الكردية التي كُتبتْ منذ الإسلام بالحرف العربي، ولأن الكتابة بالحرف اللاتيني هي مجرد إرث استعماري أو تقليد لمحاولة تركيا. ولا علاقة لكتابتها باللاتينية بفكرة الحداثة، فالكتابة باللاتينية لن تساهم ﻓﻲ تقدم الشعب الكردي، وتركيا خير مثال على ذلك. فالمهم هو مضمون اللغة. فقد روى فرانز فانون أن الجزائريين ﻟﻢ يستعملوا جهاز الراديو، ﻭﻟﻢ يستمعوا لإذاعة الاحتلال الفرنسي، لأنهم كانوا يقولون: إنّهم (فرنسيون يحاورون فرنسيين)، ولكن عندما تمّ إنشاء إذاعة الثورة الجزائرية، ﻟﻢ يبق ﻓﻲ السوق جهاز واحد.
رابعاً: الأشهر ﻓﻲ أصل الأكراد، هو كلمة (Gutu) الآشورية، وَGardou، وكارداك. والأرجح أنهم (سكان جبال زاغروس). أمّا الجغرافيا أي حدود كردستان، فهي نوعان: حدود تاريخية غامضة، وحدود حاليةغير متفق عليها مع الجيران، والإشكالية الرئيسة، هي ﻓﻲ توزيع الأكراد ﻓﻲ: كردستان والعراق وإيران وتركيا وسوريا والاتحاد السوفياتي السابق. ففي كل هذه البلدان يسكن الأكراد مع شعوب هذه البلدان، وحتى ﻓﻲ كردستان، يسكن الأكراد مع العرب والآشوريين والسريان والكلدان والتركمان بنسب متفاوتة. وهناك شعوب (اللُرّ واليزيديون)، تتكلم الكردية، لكنها لا تنتمي كلها للعرق الكردي. أمّا إشكالية السكان الأكراد، فهي أن عددهم الذي يُقدّر وفْقَ عبد الرحمن قاسملو بعشرين مليوناً ﻓﻲ البلدان الخمسة وكردستان، يقع ضمن دائرة التضخيم والتقليل من هذا العدد لأسباب معروفة. ﻟﻬﺬﺍ تبقى إشكالية الغموض التاريخي ﻓﻲ الجغرافيا والسكّان، تتصارع مع حقيقة واقع الأكراد منذ سايكس- بيكو عام 1916. فالإرث الاستعماري مسَّ العرب والأكراد معاً. ومن المؤكّد أن معاهدة سيفر عام 1920، هي الأهمّ ﻓﻲ تاريخ الأكراد الدولي، فمنذ هذه المعاهدة، تحولت قضية الشعب الكردي من مشكلة إقليمية ﺇﻟﻰ مشكلة دولية. ويبالغ بعض القوميين الأكراد ﻓﻲ تسمية (الدولة الأيوبية) بقيادة صلاح الدين بالدولة الكردية، حيث ﻟﻢ تكن هذه الدولة كردية، بل عربية – إسلامية بقيادة قائد كردي. وهذا يشير ﺇﻟﻰ أن الأكراد يربحون ﻓﻲ ظلّ الحضارة الإسلامية العربية. كما أن عشتار البرزنجي وهي محامية كردية عراقية، تشير ﺇﻟﻰ أن الجماعات الكردية ﻟﻢ تنجح طيلة التاريخ ﻓﻲ إقامة دولة مركزية واحدة، بل أُقيمَتْ إماراتٌ ﻓﻲ أمكنة محدودة. ولكن هذا القول، لا يمنع الأكراد من حقهم ﻓﻲ دولة مركزية مستقلة، إذا أرادوا الاستقلال عن العرب والأتراك والإيرانيين والسوريين ودول الاتحاد السوفياتي السابق. ولكن سوف تعود مشكلة جغرافيا كردستان المستقلة الموعودة، فهناك غموضٌ ﻓﻲ هذه الجغرافيا، وتحديدها يحتاج ﺇﻟﻰ تفاهم إقليمي ودولي.
خامساً: بلا شك أن الدولة القومية ﻓﻲ العراق، ﻟﻢ تكن عادلةً مع الأكراد، ﻭلكنّها ﻟﻢ تكن عادلة مع شعبها العربي نفسه. ولا شكَّ أن العراق دولةٌ للعرب والأكراد والآشوريين والسريان والتركمان واليزيديين (وللشيعة والسُنّة والمسيحيين) وغيرهم، يفترض أن يتشاركوا وفق نسبة السكان، مع حفظ حق الأقلية ﻓﻲ التمثيل، ﻓﻲ إدارة شؤون الدولة العراقية، ضمن العراق الموحّد جغرافياً. ويفترض أن تكون هذه الدولة ديمقراطية، تشجع بل وتعمل على إحياء الهويّات الوطنية المقهورة، وتعمل على تطوير لغاتها، بعيداً عن أفكار الهيمنة الاستعمارية الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة، خصوصاً ﻓﻲ فلسطين والعراق. وهنا لا يصبح الانفصال أو المطالبة بالاستقلال – إذا أراد الأكراد ذلك – أمراً مُبرّراً.
سادساً: هناك فوارق أساسية بين المشكلة الكردية وقضايا: فلسطين، والأمازيغ ﻓﻲ الأقطار المغاربية، لأنّ جغرافيا فلسطين التاريخية والمعاصرة واضحة تمام الوضوح، كما أن وجود (دولة إسرائيل)، يعني وجود آخر دولة استعمارية استيطانية ﻓﻲ العاﻟﻢ كله، ﻭﻓﻲ العصر الحديث، وهي دولة غير شرعية. أما ما تقوله (ثقافة السلام)، كما يسمّيها البعض حول (الحلّ الممكن) بدلاً من الحلّ العادل، فهو أمرٌ مؤقت يحكمه ميزان القوى. أمّا مطالب الأمازيغ فلم تصل ﺇﻟﻰ حدّ المطالبة بالاستقلال والانفصال، بل هي مطالب ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية مشروعة، تختلط بمشاكل مركزية الدولة نفسها. إنَّ مشكلة (الهويَّات المقهورة)، لا تُحلُّ بالأساليب الأمنية ولا العسكرية، ولا بالاندماج القهري، ولا بالازدواجية غير المرغوبة، ﺇﻧﻤﺎ تحلّ عبر الاعتراف بحقوق الهويّات الوطنية كاملةً، عبر مواطنة كاملة. ومن هنا، فإنَّ مطالبة بعض الأكراد، بحق تقرير المصير، وتكوين دولة كردية مستقلة(كردستان الكبرى)، على الأرض التي يعيش فيها الشعب الكردي ﻓﻲ الدول الإقليمية الخمس، هو أمرٌ صعب التحقيق. أمّا بالنسبة لأكراد العراق، فلهم الحق ﻓﻲ حماية الفيدرالية الكردية، ضمن الدولة العراقية الموحدة، بعيداً عن المركزية البيروقراطية ﻟﻬﺬﻩ الدولة، ﻭﺑﻤﺎ يمنحهم اعترافاً واضحاً بحقوقهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبحقّهم ﻓﻲ الاعتراف بوضوح، بقوميتهم الكردية ضمن دولة العراق الموحّد. وكلُّ ذلك، يتم من خلال مفهوم المواطنة العراقية الكاملة، المتعددة الأعراق والأديان والمذاهب، لكن حماية هذه الفدرالية، مرهونٌ بضمانات من الشعب العراقي نفسه، لأن الضمانات الأمريكية، لا مستقبل ﻟﻬﺎ. وهذا لن يتم، إلاّ بإعادة تأسيس دولة العراق الديمقراطية الخالية تماماً من أي مظهر من مظاهر الاحتلال الأمريكي، أو أي شكل آخر من أشكال الاحتلال الدولي. فالأكراد ليسوا وحدهم من عانى من الإرث الاستعماري العثماني، واتفاقية سايكس-بيكو، والدولة القومية العربية ﻓﻲ العراق. بل عانى الشعب العراقي كله، ﻭﻓﻲ مقدّمته العراقيون العرب، وما يزال يعاني من الاحتلال الأميركي، والاحتلال الدولي، خصوصاً منذ مارس 2003.

4.2 الأمازيغية في الجزائر:
أولاً: ولدت مشكلة المركزية ﻓﻲ الدولة الجزائرية، بوجود مؤسسة عسكرية حاكمة يتحالف معها نظام الحزب الواحد (1962-1989)، ولّدت البيروقراطية، وغياب الديمقراطية والنظام الأمني الشمولي الذي يمركز كل السلطات بين يديه. وهذا كله عجّل بعودة المكبوت: (أحداث الربيع الأمازيغي عام 1980/ أحداث قسنطينة عام 1986/ أحداث أكتوبر 1988). ويعتقد أن الدولة كانت وراء تفجيري: 1986و1988، من أجل ترميم المجتمع الجزائري، واستخراج القوى السياسية المقموعة منذ 1962، لكي تشارك ﻓﻲ حلّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخانقة، ولكي تتلاءم مع متطلبات ثقافة النظام العالمي الجديد. ومن الطبيعي أن تتوالد مشاكل قديمة جديدة عن توجه الدولة نحو اللامركزية، لكن الدولة أخطأت عام 1992، حين منعت التيار الإسلامي الفائز ﻓﻲ الانتخابات من الوصول ﺇﻟﻰ قبة البرلمان، مما أدى ﺇﻟﻰ ظهور جماعات إسلامية مسلّحة متطرفة، تتعاون معها بعض أجنحة المؤسسة العسكرية والأمنية. ولو وصل التيار الإسلامي ﺇﻟﻰ البرلمان، لتلاشت شعبيته ﻓﻲ زمن قصير، قياساً على تلاشي شعبيته تدريجياً بعد فوزه ﻓﻲ الانتخابات البلدية. وبالتالي، فإن العودة ﺇﻟﻰ الديمقراطية، ولا مركزية الدولة، هو أحد الحلول الأساسية.
ثانياً: ظلت الدولة غير جادة ﻓﻲ مسألة التعريب، وتركت مسألة التعريب، بيد الجناح السلفي لحزب جبهة التحرير. أما الأحزاب، فقد تفاعلت مع مسألة التعريب، انطلاقاً من الشعارات، والصراع السياسي بينها مرة، وبينها وبين الحزب الحاكم مرة أخرى، كما استخدمت الدولة مسألة التعريب (1998)، لتغطية عجزها أو ادعائها بالعجز عن مواجهة الإرهاب والمذابح منذ عام 1992. وكانت أطروحات مثقفي (يسار حزب جبهة التحرير والأحزاب اليسارية الديمقراطية)، أكثر موضوعية تجاه مشكلة التعريب.
ثالثاً: كان مطلب الحركة الثقافية الأمازيغية، بالاعتراف باللغة الأمازيغية، لغةً وطنية، وليس رسمية، مطلباً عادلاً ﻓﻲ ظل التعددية العرقية واللغوية ﻓﻲ الجزائر. لكن كتابة الأمازيغية بحروف عربية هو الخيار الأفضل للغة الأمازيغية من كتابتها بالحروف اللاتينية. وبطبيعة الحال يتطلب الاعتراف ﻓﻲ الدستور بالأمازيغية، مجموعة من الإجراءات، لمنحها الحرية الكاملة ﻓﻲ التطور. ولكن يجب قبل ذلك، نقل مشكلة الأمازيغية من الإطار السياسي وتبادل التهم ﺇﻟﻰ الحقل المعرفي.
رابعاً: يجمع المراقبون على أن اللغة الفرنسية، قد توسعت وقويت ﻓﻲ الجزائر ﻓﻲ ظل دولة الاستقلال، أكثر مما كان وضعها ﻓﻲ عهد الاستعمار. وظاهرة تطور قوة اللغة الفرنسية موجودة لدى معظم الجزائريين، ﻭﻓﻲ مقدمتهم الأمازيغ والنظام الإداري للدولة، وبعض شرائح المعربين الذين يدافعون عن الفرنسية، فهي مفتاحهم نحو أوروبا والمدنية والمعرفة الحديثة، كما يقولون. والمطلوب هو تحويل الفرنسية ﺇﻟﻰ لغة أجنبية أولى للمعرفة، بإزالة شحنتها الاستعمارية الموروثة، وهي شحنة قوية حتى الآن. فالمطلوب هو تحويلها ﺇﻟﻰ لغة علاقات ثنائية طبيعية بين فرنسا والجزائر. ويقع الخلل ﻓﻲ هذا المجال ﻓﻲ أفكار شرائح واسعة من الانتلجنسيا الجزائرية السياسية والإدارية والثقافية، لأنَّ لديها حتى الآن، (عقدة التلذذ بالتبعية الراقية)!!. رغم أنَّ أي عاقل، لا يعترض على الاتصال المعرفي بالفرنسية. فالحداثة لا يمكن ربطها بالفرانكوفونية.
خامساً: الأمازيغ من أصول كنعانية، كما يؤكد القديس أوغسطين، وكما يؤكد ابن خلدون. ﻭﻟﻢ يفرض الإسلام فرضاً، بل ساهموا – أي الأمازيغ – ﻓﻲ انتشاره (طارق بن زياد). أما مقاومة شخصيتين بربريتين للإسلام هما، (كسيلا والكاهنة ديهية)، فقد كانت مقاومة مؤقتة ومحدودة، قياساً على جيوش الأمازيغ التي ساهمت ﻓﻲ الفتح الإسلامي لإسبانيا، وساهمت ﻓﻲ تركيز الإسلام ﻓﻲ أفريقيا، كما أن السبب الثاني ﻓﻲ هذه المقاومة الفردية للإسلام، لدى ديهية وكسيلا، تعود ﺇﻟﻰ تعسف وسوء إدارة القيادة العربية للفتح الإسلامي، أو بدقة لدى يعضهم. لقد وجد البربر أنفسهم ﻓﻲ (جاذبية الإسلام) بسبب بساطته وعدالته وتسامحه. أما بعد الإسلام، فالأمازيغ، هم من قادوا أنفسهم بأنفسهم وأسسوا دولاً، أمازيغية عربية مختلطة. وساهم أمازيغ الجزائر ﻓﻲ ثورة أول نوفمبر 1954 وكانوا من قادتها ضدّ الاحتلال الفرنسي. ولا نرى أي تناقض ﻓﻲ وضع تاريخ الأمازيغي قبل الإسلام، مع تاريخ الأمازيغي المسلم، بل إنَّ وضعهما ﻓﻲ حالة التكامل، هو الصحيح.
بالديمقراطية وحدها يمكن حل مشكلة الأمازيغية ومشكلة التعريب، فهما قضيتان ثقافيتان، لا يجوز اللعب ﺑﻬﻤﺎ سياسياً. والأهم من ذلك أنَّ الحل الأمني الذي تتبناه المؤسسة العسكرية، لقضايا ثقافية، لن يكتب له النجاح. اللغة الرسمية الوطنية للدولة هي اللغة العربية الموحدة للجزائر، والأمازيغية هي اللغة الوطنية القابلة للتطور، بمنحها الحرية الكاملة ﻓﻲ التطور. أما الإسلام، فهو دين العرب والبربر الأمازيغ، منذ خمسة عشر قرناً. وهو كعقيدة غير قابل للنقاش. أما ما هو قابل للنقاش، فهي التطبيقات السياسية للإسلام.

5.2 الأمازيغية في المغرب:
أولاً: عندما صاغت الحركة الوطنية السياسية في المغرب، عناصر الهوية، ربطتها بالإسلام والعروبة والتاريخ المشترك، ونسيت عنصر الأمازيغية، أو أجّلت البحث فيه، بسبب أولوية النضال ضدّ الاستعمار، خصوصاً منذ سنة 1930. وهذا أمر منطقي آنذاك، لكن تجاهل الأمازيغية بعد الاستقلال كلغة وطنية، ليس له مبرر.
ثانياً: ظلّت المشاعر الأمازيغية منكسرةً، بسبب الربط الغرائزي الدائم للهوية الأمازيغية، بفكرة التجزئة، والظهير البربري الذي صاغته فرنسا الاستعمارية 1930، لفصل العرب عن البربر، وفصل البربر عن الإسلام، رغم المشاركة الأساسية للبربر في النضال الجماهيري المسلح ضدّ الاستعمار. مما ساهم في تأجيل بحث شرعية الثقافة الأمازيغية، كمكون أساسي من مكونات في الثقافة المغربية.
ثالثاً: لعب التيار الأمازيغي، (الغرائزي الانعزالي)، دوراً في خلق (التاريخ الأسطوري للأمازيغ)، كما لعب المنع من جهة أخرى، دوره في التضخيم الرومانتيكي، لهذا التاريخ الأسطوري. ولعب التيار اليساري الديمقراطي، دوراً مهماً في عقلنة المسألة الأمازيغية، بوضعها على طريق الحوار العقلاني. وكان يجب أن تتحول من الحقل الإيديولوجي السياسي، بإيحاءاته السلبية إلى الحقل المعرفي الخالص، كخطوة أولى في الاتجاه الصحيح. ومع هذا ظلت الأمازيغية إشكالية هادئة في المغرب، بسبب النضج السياسي الثقافي، على عكس الصخب والعنف في الجزائر.
رابعاً: يرى بعض الباحثين المغاربة، أنَّ مركزية الدولة، أدت إلى إقصاء المشاركة الأمازيغية في الحياة المدنية، لأنّ الأمازيغ، ينتمون إلى مناطق بدوية وريفية فقيرة، فالمسألة الأمازيغية، تندرج في إطار الصراع الطبقي، وفي التنمية اللامتكافئة بين المناطق المغربية، أكثر من كونها مشكلة هوية!!.
خامساً: لا توجد إحصائيات دقيقة في المغرب، حول عدد الناطقين بالأمازيغية: (محمد جسّوس يقول: حوالي 38% من المغاربة)، و(أحمد بوكوس، يقول: إنهم عشرة ملايين). بينما يقول الجزائري عبد الرحمن الجيلالي، إنَّ عدد الأمازيغ هو 30% من السكان في الجزائر، وأن عدد الناطقين بالأمازيغية في الجزائر هو 25%. لكن جميع هذه الإحصائيات غير دقيقة بالتأكيد، كما أنَّ الأيديولوجيا والسياسة والهوى، تمنع من ظهور إحصائيات دقيقة، إلا إذا انتقلت المشكلة من الحيز السياسي إلى الحيز المعرفي. وإذا كانت الدول قادرة على تقديم إحصائية دقيقة على مستوى اللغة، فإنَّ مستوى الهوى، يبقى مجهولاً، خصوصاً أن الأمازيغية روح ثقافية، أكثر من كونها انتماءً عرقياً. فمن الصعب تحديد ماهية العرق الصافي، لأن المغاربة جميعاً يشتركون في الروح الأمازيغية والروح العربية والروح الإسلامية، إذْ من الصعب تحديد تعريف واضح للسؤال –من هو الأمازيغي.
سادساً: أية لغة قادرة على التطور، وأية لغة قابلة للانقراض. ولا يمكن تطوير اللغة صناعياً مالم تكن عناصرها الجوهرية، قابلة للتطور. لكن المطلوب في حالة الأمازيغية هو الاعتراف بشرعيتها الوطنية، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لها، لكي تتنفس في فضاء الحرية إلى جانب اللغة العربية كلغة وطنية رسمية موحدة للبلاد. وما أخشاه أن لا تقوم الانتلجنسيا الأمازيغية المغربية نفسها، بواجباتها الأساسية تجاه اللغة الأمازيغية، لجهة توحيد اللهجات، وتيسير القواعد، فيؤدي هذا إلى تقهقرها إلى الخلف. ويؤدي هذا إلى عودة الجدل البيزنطي، حول من المسؤول: الدولة أم الأمازيغ أنفسهم؟. فالدولة لا تصنع لغة، وإنما تمنح الحرية والدعم المادي للأمازيغية الموجودة فعلاً على أرض الواقع. فالمقياس هو مدى تغلغل اللغة في الحياة نفسها مستقبلاً. كما أن الحلّ الفلكلوري المتحفي، لأية لغة، ليس حلاً، لأنّه حلٌّ هروبي.
سابعاً: الانطلاق من منهج التقارب بين العرب والبربر، هو المنهج الصحيح، بدلاً من منهج تعريب الأمازيغ بالقوة، أو المنهج الغرائزي في البحث عن عناصر الاختلاف الأسطورية. وإذا كان العرب والأمازيغ، يجمعون على عنصري (الإسلام – المغربة)، كعناصر أساسية للهوية، كذلك التاريخ المشترك، والأرض المشتركة، فإنه يصبح مطلوباً تعميق عنصر العروبة الأخوية لدى الأمازيغ، بعيداً عن العروبة الرسمية والحزبية، فهناك عناصر كثيرة من العروبة موجودة لدى الأمازيغ. ويصبح مطلوباً تعميق عنصر الأمازيغية المغربية لدى العرب، بالتكامل، وليس بالتناقض. فالطرح التناقضي لمسألة حسّاسة، يؤدي إلى انتصار التيار الغرائزي لدى الأمازيغ والعرب. والأهم هو عدم التهرب من طرح المشكلة على طاولة الحوار العقلاني الهادئ، وقد يتسبب هذا في حماس عاطفي لا جدوى منه في البداية، لكنه مع الشفافية، يتحول تدريجياً إلى حوار عقلاني. أما النظر من قبل بعض مثقفي المغرب إلى المشرق (بتوحيده في كتلة واحدة)، أو ما يُسمّى (العقدة المشرقية)، فهو يندرج في إطار الفكر الغرائزي، لأن المشرق نفسه، ليس موحداً تجاه الإشكاليات المغاربية. فالمشرق ابن عم المغرب في التوحد والاختلاف، فكيف من الناحية العلمية، نساوي بين البعثي المشرقي، والشيوعي المشرقي، والإسلامي المشرقي، والليبرالي التابع، والقومي الكنعاني الديمقراطي، واليساري المشرقي، وكيف نضعهم في سلّة واحدة هي سلّة جغرافيا الشرق. وكيف نساوي بين مثقف مشرقي ديمقراطي، عاش في الأقطار المغاربية، وله صلة روحية معها، وبين مثقّف مشرقي، يتلقى ثقافته عن المغرب من وسائل الإعلام. لكن المشرق والمغرب يلتقيان بدرجة كبيرة، وبالتأكيد أكبر من درجة العلاقات المغاربية الأوروبية، لأسباب عديدة.

7.2 الفرانكفونية في لبنان:
أولاً: رفض (التيار العروبي)، قراءة (الفرانكوفونية)، قراءة هادئة لتحليل أسبابها الحقيقية واتخذ موقف الرفض، انطلاقا من اعتبارها (إحدى تجليات الاستعمار الفرنسي)، و(شكلاً من أشكال – الاستعمار الجديد)، و(إحدى تجليات الإمبريالية الليبرالية الأوروبية)، بعد زوال الاستعمار العسكري. واعتبرها (معادلا للصوت الفرنسي)، رغم أنها – أي الفرانكوفونية – في التحليل الواقعي، مجرد (صدى)، لتفاعل، تمَّ بطريقتين احداهما: قهرية والأخرى طوعية، حيث تولدت ظاهرة (التشوه الثقافي)، عبر التبادل الطبيعي وغير الطبيعي معا. وفي مقابل الرفض العروبي، ولد رفض مضاد، جعل الفرانكوفونية تبتعد عن الواقع الحقيقي في لبنان، باتجاه وضع (العروبة اللبنانية) في مواجهة (فرنسا).وباتجاه – خلق (متعاليات لبنانية فولكلورية). وباتجاه التخويف من ربط لبنان، بمحيطه العربي الإسلامي المتوسطي، وباتجاه فصل (المسيحية اللبنانية) عن المركز الأصلي المسيحي العربي في بيت لحم. وهنا نشأت عقدة (الخوف من الجار الشريك) في الوطن الواحد. وبطبيعة الحال، يفترض أن تمنح الأكثرية المسلمة – ضمانات أكيدة للأقلية الخائفة، حتى لو كان خوفها وهماً، ساهمت فرنسا في خلقه، وكانت قابلية الخوف، قد تغذت من مصادر عديدة، أهمها – الوهم الداخلي، الموجود لدى أقلية تعرف جيدا، أنها ارتكبت بعض الأخطاء القاتلة، في مقابل عروبة لبنانية تصنيفية، شعاراتية اتهامية أحياناً، لا تبحث عن حلول ديمقراطية، لمشاكلها الداخلية، فتلقي التهم دائما لتريح نفسها، على العوامل الخارجية. فالفرانكوفونية اللبنانية ليست كلها (امبريالية ليبرالية) جديدة، وليست (مقاومة للعولمة)، وليست (تعددية ثقافية)، وليست (حوار ثقافات وحضارات وأديان)، وليست (استعمارا جديدا). ﺇﻧﻬﺎ تفاعل مصالح غير متكافئة بين صوت الفاعل الأصلي (فرنسا) وصدى الصوت الهامشي الذي يرغب في علاقات متكافئة لا تتحقق. الفرانكوفونية هي باختصار، كومنولث فرنسي بالتراضي غير المتكافىء، وحلف تقوده فرنسا في صراعها وتوافقها مع الولايات المتحدة، يفترض أن يبحث الأعضاء فيه عن مصالحهم، دون رفض التفاعل، وذلك بالبحث عن – شراكة كاملة.
ثانياً: الهوية اللبنانية عربية (اسلامية – مسيحية)، لغتها الوطنية والرسمية، وفق الدستور اللبناني، هي اللغة العربية، لكن الدستور، و(اتفاق الطائف)، يطالبان بالغاء الطائفية السياسية، مع الاعتراف بهذه التعددية الطائفية (17 طائفة).كما أن الهوية الحضارية والثقافية في لبنان متعددة، ولا تناقض بين (الهوية الكنعانية الفينيقية الطبيعية)، والإسلام، والعروبة والمسيحية العربية التلحمية،، فكلها مراحل في تطور الشخصية اللبنانية عبر التاريخ، لكن الخطر يكمن في تجزئة الشخصية الكنعانية، بفصلها عن تكامل (الفينيقية والكنعانية)، وتحويلها إلى إطار حاراتي (الفينيقية)، مغلق على محيطه. وتكمن المفارقة هنا حين ينفتح اللبناني على أوروبا وفرنسا تحديدا، بما يعني (الجذر الاغريقي) للثقافة الفرنسية، وينغلق على محيطه العربي الكنعاني الطبيعي، بالهروب إلى الأمام. فنحن نعرف أن الهوية ليست معطى ثابتاً،ﻭﺇﻧﻤﺎ هي أمر قابل للتجدد عبر الزمان والمكان في جدلية البشر مع المكان، بالانفتاح على العاﻟﻢ، طوعا أو كرها. لكن تجديد ملامح الجدلي مع الذات والمحيط مع العاﻟﻢ، يحتاج إلى واقعية الهوية. فالانفتاح على الآخر عبر علاقات ثنائية متكافئة، هو الحل، بعيدا عن التلذذ بالتبعية، فاللبناني الفرانكوفوني لن يصبح فرنسياً، حتى لو حاول ذلك. لقد كانت إشكالية (اللبننة)، ليس في قطريتها الطبيعية بما تمتلكه من خصائص طبيعية،ﻭﺇﻧﻤﺎ تكمن في تحويل هذه الخصائص إلى (متعاليات مطلقة مغلقة)، ذات طابع فولكلوري، وتصل إلى درجة التقديس الوهمي.
ثالثاً: هناك فارق بين الفرانكوفونية كإديولوجيا فرنسية، وبين رواج تعلم الفرنسية في لبنان، تماما مثلما هناك فارق بين (اديولوجيا التأمرك) في البلدان العربية التي تعتبر فيها الإنجليزية لغة أولى – وبين رواج فاعلية اللغة الإنجليزية في هذه البلدان، لأسباب تاريخية وبراجماتية. وفي الحالتين يفترض أن تبقى اللغة الأجنبية – لغة تعلم ثانية أو ثالثة. ففي لبنان تتنافس الفرنسية والإنجليزية، لاحتلال مواقع اللغة العربية – الوطنية والرسمية، مما خلق تشوها ثقافيا، ولغويا. وهذا يقتضي حماية اللغة الوطنية بتشريعات قانونية من أجل توحيد لبنان ثقافياً، مع الانفتاح على تعليم اللغات الأجنبية الأخرى، كالروسية والاسبانية والألمانية، بل والصينية وغيرها. ليصبح وضع الفرنسية في لبنان مثل وضعها في سوريا، وليصبح وضع الإنجليزية في لبنان، كما هو وضعها في مصر والعراق وفلسطين والأردن مثلا. أي وضعية اللغة الأجنبية الضرورية للتعلم والوصول إلى المنجزات الثقافية لها، لان عكس ذلك يعني استبدال ثقافة لها مرجعيتها المتطورة بشكل طبيعي، بثقافة أخرى لها مرجعية أخرى. ولسنا مجرد سوق لاستهلاك الثقافات الأخرى، بشكل ببغائي ومجّاني وبعقدة نقص. فالتفاعل المتكافئ – لغويا – هو الحل.
رابعاً: ليس للأدب الفرانكوفوني اللبناني أي تأثير يذكر على ثقافة لبنان العربية، كما أن هذا الأدب، ليس له تأثير في الأدب الفرنسي، رغم مبالغات النقاد، حول دور (جورج شحادة – صلاح ستيتية – أندريه شديد- أمين معلوف) الذين هم قلّة معترف بها عربيا وفرنسيا مثلا. إنه (أدب – أهل الأعراف) غير معترف به فرنسيا أو عربيا، رغم آلة الدعاية الفرانكوفونية التي تروج له. والسبب هو أن فرنسا تقوم بتصدير هؤلاء إلينا، بصفتهم ممثلين لنا، أي اغتصاب دور الثقافة العربية الأصلية، وتنصيب هؤلاء على قمة الهرم، رغم هامشيتهم. مثلا بعد عام 1982، أي حصار بيروت، هاجر عدد من الشعراء الناشئين إلى فرنسا والمانيا وانجلترا وكندا والولايات المتحدة والسويد وغيرها. ولم يكونوا من الشعراء العرب الموهوبين في بلدانهم الأصلية. فجأة في التسعينات، تقوم أوروبا، بتصديرهم للمهرجانات العربية، على انهم (نموذجالحداثة العربية الشعرية)، مع أن هذا مخالف للحقيقة. وقد وجدوا في بلدانهم الأصلية من يروج لهم انطلاقا من عقدة النقص. لقد كانوا مثلا يصفون بلدانهم الأصلية بالدكتاتورية، وفجأة نجدهم يتحالفون مع – السلطة في بلادهم، لقمع زملائهم المثقفين. فالأدب الفرانكوفوني والفن، هو أدب حالة التفاعل المشوه، وليس التفاعل الطبيعي. اخشى من أنه سوف يعلن ذات يوم عن فضيحة ثقافية، تشبه فضيحة كتاب (الحرب الباردة الثقافية) للكاتبة البريطانية فرانسيس سوندرز.
خامساً: هناك خطأ شائع حول (مفهوم العالمية)، فالكتابة بلغة أجنبية لا يحقق – العالمية – بالضرورة،كما أن الموضوع العالمي، (مثل قراءة العلاقات مع الآخر)، لا تعني العالمية بالضرورة، وحتى (الترجمات التضامنية المحدودة الانتشار) إلى اللغات الأجنبية، لا تحقق العالمية.العالمية تتحقق في (هوية النص)، لا في الهروب من الهوية،فهي لا تتحقق في الهروب إلى الأمام (الكوزموبوليتية). كل ذلك يقع في التقليد والتبعية. العالمية تبدأ حين نكتب أنفسنا، ونجد الأدوات التي توصل هذه الكتابة إلى العالم. فقد أكون شاعرا عالميا – مثلا – قبل أن يترجم لي أية قصيدة، وقد لا أكون!!!!.
سادساً: كان لانعقاد مؤتمر الفرانكوفونية في بيروت، وعلى أرضٍ عربية، لأوّل مرّة، دلالة على اهتمام فرنسا بلبنان، کمرکز فرانکوفوني فاعل. وظهرت على هامش المؤتمر، كتاباتٌ كالت المدائح للفرانكوفونية، وكأن الفرانكوفونية، هي النموذج المثالي!! للعلاقات الدولية. وقد قدّمنا مساحة واسعة من الحوار الثقافي حول الفرانكوفونية بين مؤيّد ومنتقد من خلال متابعة كل ما نشر حول المؤتمر في جريدتي (النّهار والحياة) مع متابعة التغطيات والندوات التلفزيونية في فضائيات لبنان، خصوصاً تلفزيونات (المستقبل – المنار –L.B.C وTV. New)، وغيرها. استغلّ البعض هذا المؤتمر، للتعبير عن (الحنين الكولونيالي)، لفرنسا: (الأمُّ الحنون، وأمّ الدنيا عموم)!!، وكأنّ هذا التيار يعيش في مرحلة الأربعينات، محاولاً تحميل المرحلة الاستعمارية الفرنسيّة، كما استغلّ هذا التيّار الفرصة، للتّعبير عن كرهه للعلاقات السورية – اللبنانية، ومطالبته بخروج سوريا من المعادلة اللبنانية. أمَّا وجود الصحافي الإسرائيلي جدعون کوتس في بيروت، ضمن الوفد الفرنسي، فقد كان لعبة مقصودة من أجل تعويد اللبناني على هذه المشاركة المخالفة للقوانين اللبنانية، وكأنَّ هذا التيّار لا يريد أن يتعلّم من الخطأ التاريخي لحزب الكتائب وحزب الأحرار والقوات اللبنانية. ولم يكن رفع (شعارات الديمقراطية!!) غير تعبير عن الرغبة المكبوتة في الاستقواء بإسرائيل والولايات المتحدة، ضدّ تيار المقاومة والتحرير. وكأنَّ الجنوب اللبناني، ليس أرضاً لبنانية، تحت العلم اللبناني، فالمساواة بين (الأخطاء السورية) و(الاحتلال الإسرائيلي)، خطأٌ تاريخيّ آخر. كما أنَّ الاستقواء بفرنسا في مواجهة العروبة والإسلام والمسيحية العربية الوطنية، يصبّ في نفس الهدف. مع هذا تركت مساحة واسعة لهذا التيار للتعبير عن نفسه بحرية ودون حذف أيّة فكرة يعتقد أنها مهمّة.
سابعاً: طُرحت أرقامٌ عديدة حول نسبة انتشار اللغة الفرنسية في المجتمع اللبناني، لكن هذه الاستفتاءات والأرقام، غير دقيقة، وعلى الأرجح أنّها موجّهة، سواء أكانت أرقام جريدة النهار، أم الجامعة اليسوعية، أم أرقام بعض الباحثين الفرانكوفونيين. كذلك هناك مبالغة كبيرة فيها، وتتصف بالدعائية (البروباجاندا). والملاحظة الأهم، هي عدم التمييز في هذه الاستفتاءات بين النّخبة الثقافية وبين الشعب اللبناني. وأرجّح أن هذه الاستفتاءات وأرقامها، تعني (النخبة الثقافية اللبنانية)، ولا تعني المجتمع اللبناني.
ثامناً: الأطروحة الأخطر هي التكرّم (باحترام اللغة الوطنية) أي اللغة العربية، وكأنّها ليست اللغة الأولى والمركزية والرسمية والشعبية والأكثر انتشاراً. وقد فضح (إعلان بيروت) نفسه، بتكرار ضرورة الترويج واعتماد اللغة الفرنسية في أربعة بنود. ورغم أن أدونيس يقول في مقالة به، لأنه: أنّه (للمرة الأولى يشار في – إعلان بيروت – إلى تضامن مع اللغة العربية والثقافية العربية على مستوى الكون الفرانكوفوني) كما قال حرفياً، إلا أنني أعدت قراءة إعلان بيروت عدة مرات، دون أن أعثر على أي نصّ يقول ذلك. وكل ما ورد في الإعلان هو النص التالي: (نجدّد التزامنا بتفضيل استخدام اللغة الفرنسية مع احترام اللغات الرسمية للدول، والحكومات والمنظمات الدولية). وفي نصٍّ آخر: (التشجيع على معرفة الفرنسية، واللغات الوطنية الشريكة، والتعلّق بها في آن واحد). أي أن إعلان بيروت، لم يذكر إطلاقاً، أسطورة (التضامن مع اللغة العربية والثقافة العربية). هذه النصوص، تتعامل مع اللغة الوطنية، وكأنّ مهمة الدولة اللبنانية، هي ترويج الفرنسية على حساب الّلغة الأُمّ. حسناً: لماذا لا يقبل الفرنسيون، التعامل بالمثل، أي الترويج للغة العربية في فرنسا كلغة ثانية، أي بين الفرنسيين الأصليين، انطلاقاً من مبدأ التعدّدية الّلغوية.
تاسعاً: تحاول فرنسا استغلال الدول الفرانكوفونية في صراعها الخفي مع الولايات المتحدة من أجل مصالحها الفرنسية، فإذا انطلقنا من مبدأ (الشراكة الندية وتبادل المصالح)، فإنّ فرنسا هي الرابحة، لا الدول الفرانكوفونية، لأنّه حين يحدث الوفاق بين فرنسا والولايات المتحدة، لا نكسب أيّ امتياز من العلاقة مع فرنسا. صحيح أننا متضررون من العولمة مثل فرنسا، لكنّ فرنسا تريد قيادتنا نحو (عولمة فرنسية ناشئة). ثمَّ ما هي مصلحتنا في الصراع بين فرنسا والولايات المتحدة في إفريقيا، ما دامت إسرائيل تتغلغل في إفريقيا، برعاية أمريكية وفرنسية أيضاً.
لقد روّجت فرنسا، لمقولة تزعم أن ولادة الفرانكوفونية، تمَّت على أيدي أفارقة، وذلك من أجل إقناع الفرانكوفونيين، أنّهم أصحاب القرار. والصحيح أنّ الفكرة والولادة والتطوّر والقرارات، كلّها تُؤخذ في فرنسا، ثمّ تُوزّع بالتّساوي، بوضعها في أفواه، وعلى ألسنة دول الأطراف الفرانكوفونية. كما أنَّ (الاعتذار الفرنسي)، لم يعلن بعد لسوريا ولبنان والجزائر والمغرب وتونس وغيرها. فتقسيم سوريا، وفصلها عن لبنان، تمَّ بقرار فرنسي وما زال الفصل قائماً. وما زالت آثار التعذيب الفرنسي في الجزائر، ونهب ثرواتها – قائمة، وشاهدة حتّى الآن، فهل تُصحّح فرنسا موقفها تصحيحاً حقيقياً، بعيداً عن الاعتذارات اللفظية .
عاشراً: نحن نتّفق مع (الفرانكوفونية) في الإيمان بالديمقراطية، والتعددية الثقافية، وضرورة مواجهة العولمة الأمريكية، ونتّفق معها في ضرورة الترويج للثقافة الديمقراطية الحرّة، وحُرِّية التعبير وحقوق الإنسان، والاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والإثني، وغيرها من القيم الإنسانية، على أساس – الندّية والشراكة الحقيقية. ونتشارك معها في عشق الثقافة الفرنسية (الديمقراطية)، ومبادئ الثورة الفرنسية، وثقافة البحر المتوسط (غير الاحتلالية). ولكن: أين هي هذه الشراكة الحقيقية!!.

7.2 الفرانكفونية في افريقيا العربية:
أولاً: تتجلى الفرانكوفونية الثقافية في الترويج للفرنسية، بشتى الطرق: الترغيب والترهيب، والتخويف من سيطرة الإنجليزية (الأنجلوفونية)، لكنها في عدائها للهويّات: العربية والإسلامية، حاربت اللغة العربية وشككت في إمكانية تطويرها، انطلاقاً من مفهومي: (اللغة الحيّة – اللغة التقليدية)، و(اللغة الراقية – اللغة المتخلفة).وساهمت فرنسا في الترويج للعاميّات العربية، واللهجات ولغات الأقليات، تحت شعار (التعددية الثقافية)، لكي تتصارع هذه اللهجات واللغات مع اللغة العربية، في حين تبقى الفرنسية، هي الحلّ الواقعي والممكن.وتسللت الفرنسية إلى نظام التعريب وعطلّته، ومنعته من النمو الطبيعي، طبعاً إضافة لعوامل الضعف الذاتي للتعريب.
ثانياً: اتخذ العرب ميكانزمات ضعيفة في مواجهة الفرانكوفونية والأنجلوفونية، بوضع اقتراحات، تنطلق من التبعية مثل: اقتراح الترويج للإنجليزية لإغاظة الفرنسية، أي أنهم قررّوا الانتقال من التبعية، لفرنسا إلى التبعية للولايات المتحدة.فالتأمرك يعادل الفرانكوفونية، والتَنجلُزْ يعادل التفرنُس.لهذا، كان تيار آخر يقترح التعددية اللغوية، أي إدخال: الإسبانية والروسية والألمانية والإنجليزية والفارسية والتركية والسريانية في التعليم الجامعي، مع الاعتراف بالأمازيغية والكردية، حينئذٍ، يضعف تيار الفرنسية، لكن الإشكالية الرئيسة، ظلّت في القرار السياسي للأنظمة العربية في إفريقيا التي ما زالت تسهّل الأمور للفرنسية دون غيرها، بل ما زالت، لم تتخذ قراراً بإصلاح التعليم في مجال التعريب.
ثالثا: هناك (عقدة نقص) لدى بعض المثقفين المغاربة، تجاه اللغة العربية، في مجال التعامل مع الثقافة الفرنسية، يشبه علاقة الضحيّة بالجلاّد، حيث الكرُه والعشق معاً، إلى درجة نسبة الحرية إلى الفرنسية، ونسبة القمع إلى العربية، مع أن النظام اللغوي لأية لغة يخالف ذلك.فاللغة ليست حرّة أو دكتاتورية في ذاتها، وإنما يأتي القمع من السلطة والمؤسسة السياسية، حين يتسرب هذا القمع إلى الإديولوجيا، وتأتي الحرية إلى اللغة من درجة تطور المجتمع نحو الديمقراطية.فالتاريخ السياسي العربي، مليءٌ بالقمع، لكنه مليءٌ بالمقاومة والحرية أيضاً، تماماً مثل تاريخ فرنسا الأسود في الجزائر وتونس والمغرب، وتاريخ فرنسا الأسود في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حين تحالفت مع بريطانيا وإسرائيل، فهل كانت اللغة الفرنسية، حُرَّة آنذاك.طبعاً نحن معجبون بالثقافة الفرنسية الديمقراطية، ولسنا معجبين بالثقافة الفرنسية الاحتلالية والاستعلائية.ونحن معجبون بمناهج التحليل الفرنسي، ولكن ليس إلى درجة الاستنساخ الحرفي، كما لدى بعض المثقفين المغاربة.إذن يُفترض أن نقرأ العلاقة مع اللغة والثقافة الفرنسيتين، قراءة طباقية: (الإيجابي والسلبي).
رابعا: ما تزال هويّة الأدب الفرانكوفوني، غامضة في التقابل مع الأدب الفرنسي من جهة، والأدب العربي من جهة أخرى.فهناك من يرى أنه (أدب فرنسي خالص)، وهناك من يرى أنه (أدبٌ ذو قلب عربي وعقل فرنسي).وهناك من يرى أنه (أدب عربي مكتوب بالفرنسية)، على اعتبارأنه أدبٌ مكتوب بروح عربية، مترجم إلى الفرنسية، أي أنه ترجم الروح العربية والبيئة العربية إلى لغة الآخر.
– الأدب العربي المكتوب بالفرنسية، هو أدب عربي وفرنسي، أي أنه من جهة أخرى، ليس فرنسياً، وليس عربياً خالصاً، لأنه مزدوج الهويَّة، أي أنه يؤسس لهويّة ثالثة جديدة مختلطة. فهو أدب الهجرة اللغوية، وهو أدب عابر للأفكار. فهو حالة خاصة.
خامسا: لا تزال فكرة التعددية اللغوية هي الأفضل، لكن الفرانكوفونية، ما تزال تحارب التعددية، إلاّ إذا كانت هذه التعددية، تخدم الفرنسية. والطريف أن الفرانكوفونية روّجت لفكرة الفصل بين السياسي والثقافي في الثمانينات في المغرب ولبنان، عندما كان الفكر الثوري والفكر اليساري في حالة صعود، ولكن الفرانكوفونية في التسعينات، صمتت تجاه هذه الفكرة، عندما بدأت (ثقافة السلام) التي هي كلمة حق أريد بها باطل، و (ثقافة التأسرل)، في الصعود، فلم تعد تطالب بفصل السياسي عن الثقافي. وانتقدت الفرانكوفونية العربية، دكتاتورية التيارات القومية والاشتراكية والوطنية والإسلامية، لكن الفرانكوفونية العربية الليبرالية، تحالفت مع الأنظمة، قامعة هذه التيارات – ﻓﻲ التسعينات. وبدلاً من محاولة تفهم (الإسلام الصحيح)، تحالفت أوروبا مع الولايات المتحدة في التخويف من الإسلام نفسه، تحت ذريعة (الأصولية الإسلامية)، بعد تخويف العالم العربي، طيلة أربعة عقود من (خطر الشيوعية!).
سادساً: ليس الحلّ العادل في أن نكون تابعين مرّة للفرانكوفونية، ومرّة للأنجلوفونية والتأمرك والتأسرُل – الثقافي، بل في التعامل المتكافئ بين اللغات والثقافات. فالحلّ يكون في التعددية اللغوية، على أن تكون الفرنسية والإنجليزية مع لغات أخرى – طريقاً للمعرفة والتعليم، نظراً لأهميتها كقنوات معرفية، بعيداً عن التأمرك والفرانكوفونية. وهذا كله يعني أن نتعلم اللغات الأجنبية، على أن تكون اللغة العربية هي المركز والهدف، كما يفعل الأوروبيون أنفسهم مع لغاتهم القومية.
الهوامش
1. نعوم تشومسكي: اللغة ومشكلات المعرفة – ترجمة: حمزة بن قبلان المزيني، دار توبقال، المحمدية، المغرب 1990 – ص: 87.
2. نفسه، ص: 45.
3. شريف الشوباشي: لتحيا اللغة العربية: يسقط سيبويه – الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2004 – ص: 38+41+47.
4. مازن الوعر: قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديث، دار طلاس، دمشق، 1988 – ص: 389-398.
5. نبيل علي: العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1994: وانظر: رواية ذات لصنع الله إبراهيم من منظور معلومات، مجلة إبداع، العدد الثاني عشر، ديسمبر 1992، القاهرة.
6. عبد العزيز التويجري: مستقبل اللغة العربية، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط، 2004، ص: 42+43+46+47.
7. (باللغة البلغارية): ميليف، نيكولاف، وبراتكوف: معجم – تشوديتي دومي ففْ بُلغارسكي إيزِكْ، منشورات: ناؤوكا وازكوستفو، صوفيا، 1978.
8. حسن الكرمي: اللغة، نشأتها وتطورها في الفكر والاستعمال، وزارة الثقافة، عمان، 2002 – ص: 125-126.
9. نفسه – ص: 3-5.
10. سلمى الحفّار الكزبري: الإسبان المعاصرون، والحضارة العربية في الأندلس، في كتاب: الأندلس: صفحات مشرقة، منشورات مجلة العربي، الكويت، 2004 – ص: 19.
11. رشاد الشامي: إشكالية الهويّة في إسرائيل – سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1997 – ص: 60.
12. ر. ه. رويتر: موجز تاريخ علم اللغة – في الغر، ترجمة: أحمد عوض، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1997 – ص: 169-170.
13. عز الدين المناصرة: الهُويّات… والتعددية اللغوية، دار مجدلاوي، عمّان، 2004.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة