لِمَ عُدْتَ – بقلم : د . سمير محمد ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن ….
عشوائياتٌ في الحُب – العاشرة
مع نهاية يوم تشريني مشمسٍ دافئ ، كنت قد أنهيتُ تلقيط الزيتون وحصر الأكياس الممتلئة برزق الله . كانت روحيَ مُتشققةً وجسديَ مُتعبا ، أردتُ أن ادلِّلَ مِزاجيَ بشيءٍ مِنَ العزلةٍ مع الشاي البري وشبابتي وغنمي . أعددتُ نارا دُخانها بنكهة الشيح والقيصوم الجاف ، ركزتُ إبريق الشاي فوقها . وما أنْ بدأتُ العزفَ لأغناميَ التي ترعى قبالتي ، إلتفتَ قلبيَ حين سمِعتُه ينادي . وصل بسيارته ، كان مبتسما كعادته ، دعوته لمشاركتي في اعداد شاي البرية . إبتعد عني مُنقبا في الأرض ، بحثا عن نباتٍ بري نعطر به الشاي ، عاد بعد قليل وهو يحمل الكثيرَ من بتلاتِ البابونج . أضافها للإبريق وهو يقول : أسمعيني وغنمَك شيئا من شبابتك ، وأنا أكمل تحضيرَ الشاي وتجهيزه . جلس على يميني ، على صخرة واحدة من صخور السلط ، قبالة القدس ، نتأمل الشمس وهي تجري إلى مستقر لها . نستمتع بطعم ونكهة الشاي المُدَخَّنِ ، حين استدرتُ إليه وهو يُناولني كاسة الشاي الثانية ، وسألته مستغربة لِمَ عاد ، بعد كل ذاك الغياب !!
بعد أول تسلل إلى عتبات الكاسة الثانية ، قال وشفتاه تداعب حوافَّها : هناك بعض الحقائق تلدُ أسبابَ ديمومتها ، لا تتبدل ولا تتعدل ولا تتبدد . تُدركين أنك لَستِ زبَدا طافيا في حياتي ، أوذَنْبا طارئا أسأل الله أن يَغفره . كلِّي وبعضي يشير إليك بأكثر من حكاية . أعطيتني سببا لأنسحب ، وعيناك أعطتني ألف سببٍ مُعزَّزٍ لأعود . أنسيتِ أنني لَمْ أحزِم في حقائبِ ابتعادي إلا أنتِ !! لأبقى على ذمة ابتسامتك ، وذمة عطرك الملتصق بي ، وتبقين على تماسٍّ يومي بتفاصيلي التي تحفظينها بشغف عني ، وبظنٍّ حسنٍ تَفْهَمينها .
تَجولتُ في الكثير من الموانئ ، وجابَ موانئي الكثيرُ منَ الأشرعة . تَعبتُ يا سيدتي من الترحالِ برفقةِ حنينٍ ، يقضمُني دونَ كللٍ .
أنسيتِ انك قد قلتِ لي ذاتَ يومٍ أنك سَكَني ؟! وأنك قلتِ أنَّ السكنَ ليسَ حَجَراً ، بلْ شريكٌ ترجعُ إليه بعد كلِّ غياب . وأنا قبلَ أن يَستبدَّ بيَ الشوقُ وأتلاشى ، صدى ضحكاتك عزَّز حسنَ ظني ، وأرشدَ خطواتي إليك . والمكانُ هُنا ، يملكُ كما تعلمين ، أسبابه المقنعة للسفرِإليك .
قالت وجرعةٌ كبيرةٌ منَ الحنانِ تتراقصُ في عينيها : لأمنحك مفاتيحَ روما راضيةً مرضية ، زِدْني تعلُّقا بكَ ولا تُجامِل .
قلتُ وهي تُنصتُ بعينيها : مع أولِ لقاءٍ لنا هُنا ، لِمْ أعُدْ أعرفُ إلى أين تأخذُني عيناك ، ولكنَّ قلبي كان حتما يعرف . سِحرُكِ غيَّرَ تضاريسَ أزمنَتي وحدودَ أكواني .
قالت فرِحة : أنظر إليَّ وقُلْ ما ذا ترى .
قُلتُ مُتخابِثا : أين أنظر ؟
قالت بلهجةٍ آمرةٍ مُستبدة : عميقا في عينيَّ يا ظالم ، أنظر مباشرة الآن ، وقُلْ لي ماذا تَرى ؟
قلتُ بوقار مفتعلٍ: أرى نفسيَ .
قالت مبتسمة مُسْتَهجِنَةً : فقط !!!
صَمَتُّ حائرا . فأكملتْ قبلَ أن أتمالكَ صمتيَ : إذن أنظر أعمق ، جَدِّقْ ودقِّقْ يا مجنون أكثر .
قلت وكأني أكتشف البارود : عقلك وقلبك أيضا .
قالت وكل تضاريس وجهها فَرِحَة : إقترب إذن أكثر .
أحتضنت ُ خديها بين كفيَّ ، وحدَّقتُ عميقا ، أحسستُ بوهجِ روحها ، فقلت : أرى في دواخلك أحدا يُشبهني ، يبدو مثلي ، أثقُ أنني أرى الكثيرَ مِنْ نفسيَ ومن روحي
فلَّتَتْ من بين كفيَّ ، تراجعت الى الخلف قليلا ، وقالت وهي تشير بإصبعها الي : إبْتَعَدْتَ جميلاً بِلا أذى . فصبرتُ جميلاً بلِا شكوى . لنْ أعاتبك ، فالصفحُ الجميلُ يا أنتَ بلِا عِتابٍ

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة