ثورة السوبر حداثة ثورة الحرية – بقلم : حسن عجمي ..

آراء حرة ……
حسن عجمي (كاتب لبناني) …
تدعو هذه الحملة إلى استمرار الثورات السوبر حداثوية في لبنان والعراق والجزائر والعالَم العربي بمشرقه ومغربه لأنَّ نجاحها هو الخلاص الوحيد من الأنظمة الديكتاتورية المُحدَّدة بعقائد أيديولوجية وطائفية لا تنتج سوى الصراعات والحروب الأهلية والفساد والقمع. فلا مُحدَّدية الثورات السوبرحداثوية كفيلة بتحريرنا من مُحدَّدية العقائد و الأيديولوجيات التي تسجن الشعوب وتغتالها.
تعتبر السوبر حداثة أنَّ اللامُحدَّد يحكم الكون ولكن رغم لا مُحدَّدية الكون من الممكن معرفته. فمن غير المُحدَّد إن كان الكون يتكوّن من ذرات و جُسيمات مادية (كما يقول العديد من الفيزيائيين) أم أنه يتكوّن من معلومات مجرّدة غير مادية (كما يقول الفيزيائي جون ويلر) أم أنه يتشكّل من بناءات و معادلات رياضية مجرّدة (كما يصرّ الفيزيائي ماكس تغمارك). ولذلك ننجح في وصف الكون وتفسيره على أنه مادي يتكوّن من ذرات مادية كما ننجح أيضاً في وصفه وتفسيره على أنه مثالي يتشكّل من معلومات أو معادلات رياضية مجرّدة غير مادية. فإن كان الكون مُحدَّداً ما تمكّنت حينئذٍ النظريات العلمية المتنوّعة من النجاح في وصف الكون وتفسيره رغم اختلافها. هكذا تنجح السوبر حداثة القائلة بلا مُحدَّدية الكون في تفسير نجاح النظريات العلمية رغم الاختلاف فيما بينها ما يضمن امتلاكنا للمعرفة رغم أنَّ الكون غير مُحدَّد ما هو و مما يتكوّن تماماً كما تنجح في التوحيد بين المادية والمثالية فتحلّ الإشكال الفلسفي بينهما وتكتسب هذه الفضيلة المعرفية الكبرى.
من المنطلق نفسه تؤكِّد السوبر حداثة على أنَّ الثورة الحقيقية هي الثورة غير المُحدَّدة ما يجعل هذه الثورة تحتوي على مشاريع فكرية وسلوكية متعدّدة و متنوّعة ما يضمن بدوره حرية كل مواطن و ثوريّ في صياغة مشروعه السياسي والاقتصادي فيكفل نجاح الثورة في التعبير عن التنوّع الثقافي وتأقلمها مع المتغيرات السياسية والاجتماعية فيضمن انتصارها بفضل لا مُحدَّديتها. هكذا رغم لا مُحدَّدية الثورة السوبر حداثوية تضمن هذه الثورة حرية كل مواطن و ثوريّ وتنجح في التعبير عن الاختلاف الفكري والسلوكي بين المواطنين فتغدو ثورة الحرية بالفعل.
مثلٌ على لا مُحدَّدية الثورة هو لا مُحدَّدية قادة الثورة اللبنانية والعراقية سنة 2019 و لا مُحدَّدية عقائدها و أيديولوجياتها. وبذلك هي ثورة سوبر حداثوية قادرة على النجاح وتحقيق الحرية الحقة بفضل لا مُحدَّديتها. فالثورة المُحدَّدة ثورة ميتة بقيود ما حُدِّدت به وقاتلة للحريات من جراء مُحدَّديتها بعقائد مُعيَّنة تقصي وتغتال بطبيعتها العقائد المختلفة عنها فتقتل إمكانية التطوّر الكامنة في قبول الآخر والتفاعل معه. لذلك الثورة الناجحة في البقاء والناجحة في ضمان الحرية والتطوّر هي الثورة السوبر حداثوية اللامُحدَّدة بمشاريع وأفكار وسلوكيات مُحدَّدة مُسبَقاً. من هنا الثورة السوبر حداثوية ثورة الحرية والتطوّر المستمرة لكونها تضمن التنوّع والاختلاف من جراء لامُحدَّديتها.
النظام السياسي السوبر حداثوي هو الأفضل لأنه غير مُحدَّد. فبما أنه نظام سياسي غير مُحدَّد , إذن يتحرّر من أية أيديولوجيا سياسية أو اقتصادية أو ثقافية ما يضمن الحرية للجميع في التفكير والتصرّف كما يرونه مناسباً و صحيحاً. فإن كان النظام السياسي مُحدَّداً فحينها سوف يسجن مواطنيه بعقيدة سياسية مُحدَّدة سلفاً ما يقضي على حرية التفكير والتصرّف فيؤدي إلى سيطرة الديكتاتورية. من هنا لا مُحدَّدية النظام السوبر حداثوي هي الكفيلة بضمان الحرية.
كما أنَّ لا مُحدَّدية النظام السوبر حداثوي تضمن نجاح هذا النظام في التأقلم مع الظروف المختلفة و حلّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بفاعلية أكبر بفضل أنه نظام غير مسجون بعقائد أيديولوجية مُحدَّدة. مثل ذلك أنه في زمن الانهيار الاقتصادي من السهل أن يتحوّل النظام السوبر حداثوي اللامُحدَّد إلى اعتماد مبدأ إعادة توزيع الثروة في المجتمع من خلال مثلاً إنشاء مؤسسات تهدف إلى إفادة الأقل حظاً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. أما حين يكون الاقتصاد مزدهراً فلا تتدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية بل تعتمد السوق الرأسمالي الحُرّ. هكذا يتحوّل النظام السوبر حداثوي من اشتراكي إلى رأسمالي والعكس على ضوء تغيّر الظروف الاقتصادية والاجتماعية فلا يتحدَّد بأيديولوجيا سياسية واجتماعية واقتصادية معيّنة دون أخرى. وينجح النظام السوبر حداثوي في عملية التحوّل المستمرة بين أيديولوجيات مختلفة و متنوّعة لإفادة المجتمع والمواطنين لأنه نظام سوبرحداثوي غير مُحدَّد. هكذا لا مُحدَّدية النظام السوبر حداثوي ضمانة نجاحه.

بما أنَّ النظام السوبر حداثوي غير مسجون بعقائد مُحدَّدة , إذن يضمن هذا النظام الخلاص من الديكتاتورية والطائفية والتعصب لعقائد أيديولوجية أو مذهبية معيّنة ما يسمح بسيادة الحرية والسلام ضمن المجتمعات العربية. لا عدالة ولا حرية بوجود التعصب والطائفية والحروب. أما السوبر حداثة فهي ضمانة سيادة العدالة والحرية والسلام من خلال تحريرنا من الطائفية والتعصب بفضل لامُحدَّدية نظامها السياسي تماماً كما أنها ضمانة التحرّر من الأنظمة الديكتاتورية القائمة على التعصب الأيديولوجي أو العقائدي. فحين لا يمتلك النظام عقيدة مُحدَّدة فلن يتعصب لعقيدة معيّنة دون أخرى ما يُحتِّم نشوء السلام والحرية والمساواة. من هنا لا تنتصر الثورات العربية سوى بتحوّلها جمعاء إلى ثورات سوبر حداثوية غير مسجونة بعقائد مُحدَّدة سلفاً. لا حرية بلا ثورة سوبر حداثوية و لا حياة بلا حرية.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة