الدعوة الإسلامية في الغرب بين غير المطلوب والمطلوب – بقلم : د . عبد الوهاب القرش

دراسات ….
بقلم : د . عبد الوهاب القرش – مصر …
“إننا لسنا مكلَّفين بنقل تقاليد عبس وذبيان إلى أميركا واستراليا،إننا مكلَّفون بنقل الاسلام وحسب!” الشيخ/ محمد الغزالي؛
منذ تدفق موجات المد السلفي المخيف في بلاد الغرب (أوروبا وأمريكا)؛ اضطربت معايير الغرب والغربيين، واختلَّتْ موازينهم، واختلط عندهم الحابل بالنابل ..خاصة عندما تمدد هذا التيار ثم سكن ثم عشش ثم باض ثم فرخ في المدن الغربية، مدعوماً بأسلحة المال والإعلام والدعاية ومآرب أخرى؛ ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب!
لقد نجح رعاة الفكر السلفي العقيم ودعاته؛ في تقديم الإسلام للغرب في صورة تقشعر من هولها جلودهم، وترتعد من قساوتها فرائصهم، وتشيب منها رءوسهم ، وتوْجل منها الوحوش في البراري الغربية!..فكم جريمة ارتكبها أصحاب هذا الفكر العقيم باسم الإسلام و استفتحوا كل جريمة بآي الذكر الحكيم؟!! .. وكم ذبحوا من الأبرياء في أوروبا ، في فرنسا و بلجيكا وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا ناهيك عن أمريكا ..كم أطاروا من الرؤوس وأراقوا من الدماء وأزهقوا من الأنفس بعد صراخهم بـ “الله أكبر”؟!!.
أجلْ! هذه الجرائم من جرائر الفكر السلفي العقيم؛ الذي لا يحترم قوانين الدولة التي تستضيفه ويرتع فيها بأمن وأمان ورغد من العيش لا يجده في بلده..ألا يعلم هؤلاء أن الوثيقة التي يوقعها عند دخولهم البلد تلزمه باحترام قوانينها ونظمها..أليس المسلمون عند شروطهم ؟!!..ولكن لما العجب ففكرهم الديني يدعو إلى اللفظية في العقيدة، والشكلية في العبادة، والسلبية في السلوك، والسطحية في التفكير، والحرفية في التفسير، والظاهرية في الفقه، والمظهرية في الحياة!
لقد قدم هؤلاء العلوج الإسلام للغرب والغربيين مقطّب الوجه، عبوس قمطرير، فهم لا يعرفون غير العنف في الدعوة، والخشونة في المجادلة، والغلظة في التعامل، والفظاظة في الأسلوب!
إنه فكر هؤلاء القوم؛ جامد كالصخر، لا يعرف تعدد الآراء، ولا يعترف بتنوع الاجتهادات، ولا يقر إلاَّ بالرأي الواحد، والوجه الواحد، ولا يسمع للرأي الآخر، ولا للوجهة الأخرى، ولا يرى أحدهم أن رأيه صواب يحتمل الخطأ، وأن رأي غيره خطأ يحتمل الصواب، بل رأيه هو الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، ورأي الآخرين هو الخطأ المحض الذي لا يحتمل الصواب!
إنه الفكر العقيم؛ الذي لا يعرف التسامح مع المخالفين في الدين، ولا يقبل الحوار مع المغايرين في الفكر، ولا يأذن بوجود للمعارضين في السياسة!
إنه الفكر المنغلق؛ الذي ينظر بريبة إلى المرأة؛ فيدعو إلى حبسها في البيت، وحرمانها من العمل، ومن المشاركة في الدعوة والحياة الاجتماعية والسياسية.
إنه الفكر الأناني؛ الذي لا يعنيه العدالة في توزيع الثروة، وتوكيد قاعدة الشورى في الحكم، وعدم إقرار الحرية للشعب، وعدم مساءلة اللصوص الكبار عما سلفوه وما اقترفوه، وأشغلوا الناس بالجدال في مماحكات جدلية، وفرعيات فقهية، وجزئيات خلافية في العبادات والمعاملات!
إنه الفكر الجامد؛ الذي يتوسَّع في مساحة التحريم، حتى يكاد يجعل الحياة مجموعة من المحرمات، والمحظورات!
إنه الفكر القاسي؛ المملوء بالأحقاد والضغائن، والمكتظ بالمؤامرات والدسائس، والمتعهِّد بتصدير ثقافة الكراهية!
إنه الفكر الحاقد؛ الذي يتربص بالعلماء الدوائر، ويبحث عن الزلات، ويتتبع العورات، ويخوض في الأعراض، ويتاجر بالمصطلحات!
إنه الفكر الذي يسير إلى الوراء؛ القابع في دهاليز الماضي، والمنقوش في كهوف التاريخ، والمحنَّط في مقابر عصور الانحطاط!
الحق أقول: إن الدعوة في الغرب لا تحتاج إلى الإسلام المفخَّخ، ولا الفقه البدوي الجاف، ولا الفكر العقيم والمخيف، ولا الكتب السلفية الحامضة؛ التي تمضمض عليها الدهر واستنشق!
إن الدعوة في الغرب لا تحتاج إلى العقليات المستأجرة، ولا الأدمغة المستعمرة، ولا العصابات النفعية ، ولا المليشيات التكفيرية الهاربة من كهوف “تورا بورا”!
لكن؛ إن الغرب يحتاج إلى الإسلام الحنيف، الذي جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجا.
إن الغرب يحتاج إلى فقه السنَّة الرشيد، الذي نشره أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وأئمة الهدى.
إن الغرب يحتاج إلى الفكر الإسلامي؛ الذي يدعو إلى إصلاح ذات البيْن، ويؤمن بالأخوة الإنسانية الجامعة.
إن الغرب يحتاج إلى الفكر الإسلامي؛ الذي يؤمن بتعدد الآراء، ويسمح بتنوع الاجتهادات.
إن الغرب يحتاج إلى الفكر الاسلامي؛ الذي يؤلِّف بين القلوب، وينزع الأحقاد، ويطهرها من الشوائب.
إن الغرب يحتاج إلى الفكر الإسلامي؛ الذي يجمع الشتات، ويرد الخراف الضالة إلى حظيرة الإيمان.
إن الغرب يحتاج إلى الفكر الإسلامي؛ الذي يدعو إلى فعل الخيرات، ويملأ النفوس بهجةً وسرورا.
إن الغرب يحتاج إلى الفكر الإسلامي ؛ الذي ينشر المودة والتراحم، ويدعو بالتي هي أحسن.
باختصــار؛ إن الغرب يريد الفكر الإسلامي ؛ الذي كان سائداً في عصر الصحابة!
د.عبدالوهاب القرش
مصر

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة